عربي مادة الأدب فصل أول

الثاني عشر خطة جديدة

icon

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الشعر في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي

مقدمة:

كان العصر الجاهلي عصرًا قائماً على التعصّب القبلي والصراعات الدائمة، حيث كان الشعر مرآة تعكس هذه الحياة بكل تفاصيلها من فخرٍ وحماسةٍ وهجاءٍ. ثم جاء الإسلام ليحدث تحولًا جذريًا، فوحّد القبائل تحت راية واحدة، وأرسى قيمًا جديدة من التسامح والعدل، مما أدى إلى تراجع أغراض شعرية قائمة على العصبية، وازدهار شعر الدعوة والجهاد والمديح النبوي.

ومع قيام الدولة الأموية، وتوسّع رقعة الخلافة، شهدت الحياة السياسية والاجتماعية تحولات أدت إلى عودة بعض الصراعات القديمة، لكنها هذه المرة لم تكن قائمة على أساس قبلي بحت، بل اتخذت طابعاً سياسياً. وبسبب هذه التغيرات، عاد الشعر ليكتسب زخمًا جديدًا، فظهرت أغراض أدبية كانت نائمة أو خافتة في صدر الإسلام، مثل النقائض التي جمعت بين الهجاء والفخر في إطار جديد، وعاد الغزل بأشكاله المختلفة.

وهكذا، أصبح العصر الأموي يمثل خليطًا فريدًا يجمع بين بقايا الروح الجاهلية من صراعات وعصبيات، وبين روح الإسلام التي رسّخت قيمًا دينيةً وأخلاقيةً لم تكن معروفة من قبل.


 

أثر الإسلام في الشعر والنثر:

يقصد بصدر الإسلام  ( عصر الرسول والخلفاء الراشدين الأربعة)، أما الأدب في العصر الأموي فيقصد به الأدب في ظل الدولة الأموية منذ قيامها في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان حتى آخر خليفة أموي مروان بن محمد حتى سقطت الدولة الأموية بأيدي العباسيين سنة 132هـ، ويمكن إيجاد من يسمي هذا العصر بـ ( العصر الإسلامي)

 

 

 

  • أثر الإسلام في اللغة:

لقد غيّر الإسلام اللغة العربية من جذورها، فحولها من لغة قبلية محدودة إلى لغة عالمية خالدة.

ويمكن تلخيص هذا الأثر في محورين أساسيين:

الأثر الأول: الحفاظُ على اللغة العربيّة وديمومتُها وإغناؤها بمفردات ومصطلحات

هذا الأثر يمكن تفصيله إلى ثلاث نقاط رئيسية مترابطة:

1- الحفاظ على اللغة وضمان ديمومتها (استمراريتها):

  • القرآن نزل باللغة العربية: أنزل الله تعالى القرآن الكريم باللغة العربية، مما منحها مكانة مقدسة وخالدة.
  • الوعد الإلهي بحفظ القرآن: تكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن الكريم من أي تحريف أو ضياع، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
  • حفظ اللغة بحفظ القرآن: بما أن القرآن نزل باللغة العربية، فإن حفظ القرآن الكريم كان سبباً مباشراً ونتيجة حتمية لحفظ اللغة العربية وديمومتها.

2- إغناء اللغة بألفاظ ودلالات جديدة:

  • تحويل اللغة إلى لغة دين سماوي: صيّر الإسلام العربية لغة ذات دين سماويّ.
  • توسيع القدرة التعبيرية: هذا التحول أضاف إلى اللغة قدرة على التعبير عن مفاهيم دينية وعقدية لم تكن تعرفها من قبل، أو لم تكن قادرة على التعبير عنها بوضوح.
  • منح دلالات جديدة للكلمات: قام الإسلام بأخذ كلمات عربية موجودة بالفعل ومنحها دلالات شرعية وإصلاحية جديدة ومحددة.
  • أمثلة على هذه الألفاظ:
      • الفرقان        - الكفر          - الإيمان            - الشرك          - الإسلام            - النفاق  
      • الصوم         - الصلاة       - الزكاة               - التيمم           - الركوع              -  السجود
      • الربا

3- إغناء اللغة بمضامين ومعانٍ تعبيرية جديدة:

  • التأثير لم يقتصر على الألفاظ فقط إنما كان أيضًا مضامين ومعاني تعبيريّة مثل :
      • الحق             - الهداية              - الضلالة
      • الإيمان          - الكفر                 - التوحيد
      • الطاعات       - العبادات           - وحدة الأمة          - الجهاد في سبيل الله

الأثر الثاني: تهذيب اللغة والتخلص من الغريب والوحشي

  • تقديم لغة جديدة: قدّم الإسلام (من خلال القرآن الكريم والحديث) لغةً تقوم على أسس جديدة:
      • اللفظ القريب (غير المعقد).
      • المعنى الواضح.
      • الأسلوب البليغ والمقنع والمؤثر.

 

  • النتيجة: كان لهذا أثرٌ في تهذيب اللغة من الحُوشيّ ومن اللفظ الغريب، فأقامها على عماد الوضوح والإبانة القريبة والتعبير البليغ، وقدّم بناء لغويًا رصينًا جزلًا، له رونق وتأثير، مع بيان المقصد والوصول إلى الغرض من أيسر دروبه، فاللفظ مؤتلف مع المعنى، ليأتي اللفظ في موقعه الذي وضيع له.
  • تأثير هذا التهذيب على الشعر
      • التخليص من الغرابة: خلّص هذا الأسلوب الجديد الشعر من الألفاظ الغريبة والحوشية.
      • مشكلة الألفاظ الغريبة: هذه الألفاظ كانت تستغلق على القارئ (يصعب عليه فهمها)، ولا يدرك معناها أو مقصدها، لأنه لم يسمع بها من قبل.
      • مثال توضيحي من شعر الشَّنْفَرَى:

وَلَسْتُ بمِهْيَافٍ يُعَشِّي سَوامَه *** مُجَدَّعَةً سُقْبَانُها وَهِيَ بُهَّلُ!

    • التحليل: هذا البيت مثال على الشعر المليء بالألفاظ الغريبة والحوشية.

 

  • أثر الإسلام في الأغراض الشّعرية:

أثر الإسلام في موضوعات الشعر وأغراضه، حيث هذّب بعضها وشجع بعضها الآخر. ويمكن تقسيم هذا الأثر إلى ثلاث نقاط رئيسة:

1- تهذيب الشعر ووضع ضوابط تعبيريّة له:

وادى ذلك إلى :

      • تراجع أغراض شعرية محددة:  مثل الهجاء وهو الشعر الذي يذم الآخرين ويشتمهم، وأيضًا الغزل الحسي (الفاحش): الشعر الذي يصف مفاتن المرأة الجسدية بشكل صريح.

 

  • رفض الشعر القائم على العصبية القبلية: حارب الإسلام الشعر المبني على تحريك العصبيات القبلية، والذي يشمل:

  • السبب: هذا النوع من الشعر كان يؤذي مشاعر الآخرين ويهدد وحدة الأمة التي دعا إليها الإسلام، حيث كان الشاعر لا يهتم إلا بقبيلته دون احترام لمشاعر الآخرين.

 

2- تشجيع الشعر المُرَسِّخ للقيم الدينية

  • موقف الإسلام المتزن من الشعر: لم يرفض الإسلام الشعر بالمطلق، بل كان موقفه متزناً.
  • تشجيع الشعر الإيجابي: شجع الإسلام الشعر الذي يرسخ القيم الدينية، مثل مكارم الأخلاق والفضائل.
  • محاربة الشعر الأناني: في المقابل، حارب الإسلام القول الشعري الذي:
      • يرتكز على إثارة العصبيات.

 

  • أثر الإسلام في التعبير الأدبي والأساليب

هناك مجموعة من الآثار العميقة التي تركها الإسلام على طبيعة التعبير الأدبي، سواء في الشعر أو النثر:

1- الأثر الأول: الأخلاقية

  • تغيير في التوجه الشعري: حدث تحول في أولويات الشعر من التركيز على الجمالية (جمال الصياغة واللفظ) إلى التركيز على الأخلاقية.
  • الاهتمام بالرسالة: أصبح الاهتمام الأكبر موجهاً نحو رسالة النص وما يحمله من تأثير أخلاقي وقيمي في نفس المتلقي.
  • ملاحظة هامة: هذا لا يعني أن الشعراء الإسلاميين أهملوا الجانب الجمالي تماماً، بل يعني أن الكفة رجحت لصالح القيمة والأثر الأخلاقي للنص.

2- الأثر الثاني: الصدق الموضوعي

  • أساس جديد للشعر: أصبح الشعر يقوم على مبدأ الصدق الموضوعي.
  • تعريف الصدق الموضوعي:
      • هو أن يحرص الأديب في نصه على أن يكون صادقاً مع واقعه.
      • أن يتحرى الأمانة في نقل الوقائع والأحداث.
  • ما الذي يجب على الشاعر تجنبه؟
      • ألا ينساق وراء عاطفته فقط، غير مبالٍ بالواقع نفسه.
      • ألا يبالغ أشد المبالغة في تصوير الواقع، لدرجة أن هذا التصوير يخرجه عن حدود الصدق.
  • نتيجة المبالغة المفرطة: إذا بالغ الشاعر بشكل مفرط، فإن القارئ لن يتقبل مبالغاته بعد الآن.
  • توضيح هام: هذا لا يعني أن الشعر أصبح خالياً تماماً من العواطف والمبالغات المقبولة، بل يعني أن الصدق أصبح قيمة عليا يهتم بها الشعر كثيراً.

 

  • التفكير في مقولة "أعذب الشعر أكذبه":
      • المعنى القديم: كان يُقصد بـ "أكذبه" أي أجمله وأكثره مبالغة عاطفية، حتى لو لم يتطابق مع الواقع.
      • اقتراح المعنى الجديد (من منظور إسلامي): يمكن أن تصبح المقولة"أعذب الشعر أصدقه"، لأن الصدق أصبح هو معيار الجمال الجديد.

 

3- الأثر الثالث: ازدهار النثر

  • أحد أهم آثار الإسلام: جعل النثر يزدهر ويزاحم الشعر في مكانته الفنية وشهرته.
  • أسباب ازدهار النثر:
    1. الدعوة للعلم والتعلم: دعا الإسلام إلى العلم والتعلم والتدبر، وهذه الأنشطة تحتاج إلى النثر (الكتابة والشرح) أكثر من الشعر.
    2. ظهور المناسبات الدينية: ظهرت مناسبات دينية جديدة (مثل صلاة الجمعة والعيدين) احتاجت إلى الخطابة، وهي فن نثري.
    3. اتساع الدولة الإسلامية: مع الفتوحات واتساع رقعة الدولة، زادت الحاجة إلى كتابة الرسائل (بين الخلفاء والولاة والقادة)، وهي فن نثري أيضاً.

 

4- الأثر الرابع: الإقناع في النثر

  • تطور الأسلوب النثري: نتيجة لازدهار النثر، تطور أسلوبه وأصبح:
      • أكثر بلاغة وإقناعاً.
      • أميل إلى الحِجَاج والبرهان (تقديم الأدلة والبراهين العقلية).
      • أقرب إلى الأسلوب المُرسَل.
  • تعريف الأسلوب المرسل (من مربع "أستزيد"):
      • الأسلوب المرسل (أو المطلق): هو الأسلوب الذي يبتعد فيه الكاتب عن الالتزام بالسجع، ويترك الألفاظ تخرج دون تقييد بالزخرفة اللفظية.
      • الأسلوب المقيد: هو عكس المرسل، وهو الذي يلتزم فيه صاحبه بالسجع.

تحليل نماذج شعرية في مدح الرسول :

يقول كعب بن زهير في بُردته:

إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ *** مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

  • تحليل التشبيهات والصفات المستخلصة:
    1. التشبيه الأول: "إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ"

الصفةالهداية والإرشاد.

الشرحشبه الشاعر الرسول بالنور الذي يضيء الظلام، وهذه الصفة تعني أنه مصدر الهداية والنور الذي يهتدي به الناس للخروج من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الحق والإيمان.

    1. التشبيه الثاني: "مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ"

الصفةالقوة والحسم في إحقاق الحق.

الشرحشبه الشاعر الرسول بالسيف المُهَنَّد (وهو السيف المصنوع من حديد الهند، وكان من أجود أنواع السيوف) المسلول (أي الخارج من غمده والمستعد للقتال). هذه الصفة ترمز إلى قوته وحزمه في مواجهة الباطل ونصرة الحق، وأنه سيف من سيوف الله يُعلي به كلمته.

 

  1. الشعر ومدح الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم:

للرسولِ المصطفى صلى الله عليه وسلم  مكانتُه عند المسلمين؛ فهو رسولُ الدين والمثلُ الإنسانيّ الأعلى، وهو شخصيّةٌ إنسانيّة فريدة في الخُلُق والفضيلة، وهو أعظمُ شخصياتِ التاريخ الإنسانيّ. وكان الشعراءُ الذين عاصروا الرسولَ صلى الله عليه وسلم قد تعلّقوا بشخصيته، وهو القائدُ المعلّمُ المربّي الفارسُ الكريمُ الصّادق الأمين، فتبارَوْا في مدحِه، وكانت أشعارُهم تفيضُ حبًّا وإشادةً بشخصيتِه وبفضائلِها، ويقدّمون للناس فيْضًا من صورةِ الإنسانِ الكاملِ في إنسانيّته، ليقتدوا به.

 

 

  1. المديح النبوي في زمن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
  • شعراء مدحوا الرسول في حياته: مدح الشعراء، وخاصة المخضرمين (الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام)، الرسول طوال حياته.
  • دافع المديح: كان هجوم شعراء الكفار على الدين والرسول سبباً رئيسياً ألهب حماسة الشعراء المسلمين للدفاع عنه، وكان حسان بن ثابت من أبرزهم وأشدهم على الكفار.
  • البذرة الأولى للمديح النبوي: استمر الشعراء في مدح الرسول في حياته وبعد وفاته، وهذا الاستمرار هو ما شكل البذرة الأولى لما عُرف لاحقاً بفن "المديح النبوي".

 

  1. تحليل قصيدة حسان بن ثابت رضي الله عنه:

أغَرُّ، عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ                                              مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويُشْهَدُ

وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ                            إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

وشقّ لهُ منِ اسمهِ ليُجلَّهُ                                      فذو العرشِ محمودٌ، وهذا محمدُ

نَبيٌّ أتَانَا بَعْدَ يَأسٍ وَفَتْرَةٍ                                       منَ الرسلِ، والأوثانِ في الأرضِ تُعبدُ

فَأمْسَى سِرَاجاً مُسْتَنيراً وَهَادِياً                             يَلُوحُ كما لاحَ الصّقِيلُ المُهَنَّدُ

وأنذرنا ناراً، وبشَّرَ جنَّة                                             وعلَّمنا الإسلامَ، فاللهَ نحمدُ

وأنتَ إلهَ الخلقِ ربِّي وخالقي                                    بذلكَ ما عُمِّرت في النّاسِ أشهدُ

  • نبذة عن الشاعر: حسان بن ثابت بن منذر الأنصاري، صحابي جليل ولُقّب بـ "شاعر النبي". وهو من المخضرمين، عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام.
  • التحليل الأدبي للأبيات:
      • الدافع الصادقيكشف التحليل أن هذا المدح لم يكن تكسباً (للحصول على مال أو مكانة)، بل كان نابعاً من عاطفة دينية صادقة متجذرة في نفس الشاعر.
      • الصدق الموضوعييتميز المدح بالصدق، فلا توجد فيه مبالغات تفسد المعنى أو تخرجه عن الواقع، بل يصف الشاعر صفات حقيقية للرسول .
      • بروز الألفاظ الدينيةتبرز في القصيدة الألفاظ والتعبيرات الدينية المستمدة من الإسلام، مثل: (النبوة، ذو العرش، فترة من الرسل، الأوثان، أنذرنا ناراً، بشّر جنة، الإسلام).
      • التأثر بالقرآنيظهر في الأبيات تأثر الشاعر العميق بالقرآن الكريم وآياته.

 

 

 

Jo Academy Logo