اللغة العربية 11 فصل أول

الحادي عشر خطة جديدة

icon

 

نص الاستماع:

إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يغُرَّه النّصر على عظمه، ولم يُصبه ذاك الفتح المُبين بِكبرٍ، وحاشاه من ذلك، فَلَم يدخل مكّة دُخول الفاتحين المُتغطرسين، بل كان خاشعًا لله شاكرًا لنعمه، حتّى إنّه كان يضع رأسه ويُطأطئها؛ تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح.

فبعد أن تحقّق النّصر العظيم والفتح المُبين، صلّى الرسول – عليه السلام – في البيت، دار وكبّر في نواحيه، ثُمّ خرج من البيت وقريشٌ قد ملأت المسجد صُفوفًا ينتظرون ماذا يصنع، فقال لهم صلّى الله عليه وسلّم: "لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، صَدَقَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلُّ مأثُره أو مالٍ أو دمٍ فهو تحت قدميّ هاتين، إلّا سدانة البيت وسقاية الحاجّ، يا معشر قريش، إنَّ الله أذهب عنكم نخوة الجاهليّة وتعظُّمها بالآباء، النّاس من آدم وآدم من تراب؛ "يا أيُّها النّاس، إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم  شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ" (الحجرات: 13)"، ثمَّ قال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟"، قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ، وابن أخٍ كريمٍ. قال: "فإنّي أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطُّلقاء".

إنَّ عفو الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن أعدائه بعد أن صاروا يظنّون كلّ الظّنّ أنّهم سيؤخَذون بذنوبهم وجرائمهم، وقد نشف الدّم في عروقهم، وتيبّست أعصابهم، واصفرّت جلودهم من شدة ما هم فيه من الفزع والخوف أن يقضي عليهم الرسول – عليه السلام – بما يستحقّونه، فما زال ما فعلوه بالمُستضعفين شاخصًا في النّفوس، وما زالت أيديهم تقطر من دماء الشّهداء، وما أذاقوه للمؤمنين بمكّة من ويلات وعذابات لمّا يُمح بعدُ من الذّاكرة.

إنَّ غاية ما يرجى من نفس بشريّة ظُلمت بكلّ هذه الألوان من الظّلم، ثم انتصرت وتمكّنت من عدوّها الجبّار الطّاغية، أن تقتصّ منه بغير إسرافٍ أو تعدٍ، ولكنّها النّفوس التي حلّقت في سُموّ  أخلاقيٍّ عجيبٍ، إنّه عفوٌ عامٌّ لا تثريبٍ، فللّه درُّ هذه النُّفوس الرّبّانيّة!

هذا موقف من مواقف العفو الكريم، والصّفح الجميل، لم يعرفه التّاريخ، ولا عرف مثله في النّبل والإحسان ومكارم الأخلاق، وقفه الرسول – عليه السلام – مع من أساؤوا إليه، وكذّبوه وسخروا منه، وآذوه بالقول والفعل حتى أخرجوه من بلده المُحرّم الآمن مهاجرًا في سبيل أداء رسالته ونشر هُداها، وآذوا أصحابه وأخرجوهم من ديارهم،

وقد انضمّ إلى هذا الموقف النّبيل العظيم مواقف فرديّة في العفو عن بعض زُعماء قريش، بل إكرامهم؛ كالعفو عن أبي سفيان، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، رغم ما فعلوه من جرائم بشعة، ولكنّه حبّ الخير للخلق، وإعانتهم على الحقّ، والتّجرد من أهواء النّفوس، والتعالي عن رغبات الثّأر والانتقام.

Jo Academy Logo