اللغة العربية10 فصل أول

العاشر

icon

 

قصّتان  من كتاب "البخلاء" للجاحظ

 

القصّة الأولى : مفارقة (الخيل والدّرهم)

قال الجاحظ

وحديثٌ سمعناهُ على وجَّهِ الدّهْرِ، زعموا أنَّ رجلًا قد بلغَ في الْبُخَّلِ غايتَهُ، وصارَ إمامًا، وإنَّه كان إذا صارَ في يدِهِ الدِّرْهَمُ، خاطَبَهُ وناجاهُ وفدَاهُ واسْتَبْطَأهُ. وكانَ مِمّا يقولُ لهُ: "كمْ مِنْ أرْضٍ قَدْ قَطعْتَ، وكَمْ مِنْ كيسٍ قَدْ فارَقْتَ، وكمْ من خامِلٍ رَفَعْتَ، وكُمْ من رفيعٍ قد أخْملْتَ. لَكَ عِنْدي ألَّا تَعْرَى ولا تَضَحى"، ثُمُ يُلقِيه في كيسِهِ ويقولُ لهُ: "اسكنْ على اسم الله في مكانٍ لا تُهانُ ولا تُذلّ ولا تُزعَجُ منه". وإنَّه لمْ يُدخِل فيهِ درْهَمًا قَطُ فَأَخْرَجَهُ وإنَّ أهْلَهُ ألحّوا عليهِ في إنفاقِ درْهَمٍ، فَدافَعَهُمْ ما أمْكَنَ ذلك. ثُمّ حمَلَ درهمًا فقط. فبيْنَما هُو ذاهِبُ إذْ رَأَى حوَّاءَ قدْ أَرْسَلَ على نفسِهِ أفْعَى لدرْهَم يَأْخذُهُ، فقالَ في نَفْسِهِ: أُتلفُ شَيْئًا تُبذَلُ فيهِ النَّفْسُ، بِأَكْلةٍ أوْ شَرْبَةٍ؟ واللهِ ما هذا إلَّا مؤعظةٌ لي مِنَ اللهِ. فَرَجَعَ إلى أَهْلِهِ، وَرَدْ الدِّرْهَمَ الى كيسهِ. فكانَ أَهْلُهُ منه في بلاءٍ، وكانوا يَتمُنُّونَ مَؤْتَه والْخَلاصَ مِنْهُ بالْمَؤْتِ، والحياةَ بدونهِ.

فلمّا ماتَ وظنَوا أنَهُمْ قدْ استَراحوا مِنْهُ، قَدِمَ ابّْنُهُ، فاسْتَولى على مالِه ودارِهِ، ثُمَّ قالَ: "مَا كانَ أُدْمُ أبي؟ فإنَّ أَكْثَرَ الْفسَادِ إنَّما يكونُ في الإدامِ". قالوا: كانَ يتأدَّمُ بجُبْنَةٍ عِنْدَه". قال: "أرونيها". فإذا فيها حز كالْجَدولِ مِنْ أَثْرِ مَسْحِ الُلقْمةِ. قالَ: "ما هذه الْحُفْرةُ؟

قالوا: كانَ لا يَقْطَعُ الْجُبْنَ، وإنَّما كانَ يَمْسَحُ على ظَهْرِهِ، فَيَحْفِرُ كما تَرى قال: "فهذا أَهْلَكني، وبهذا أَقْعدني هذا الْمقعَدَ. لوْ عَلِمْتُ ذلك ما صلّيتُ عليه، قالوا: فأنتَ كَيْفَ تُريدُ أنْ تَصنع؟ قال: أُضْعُها مِنْ بعيدِ، فأُشيرُ إليْها بالْلقْمةِ.

 

القصّة الثّانية : مُعاذة العنبريّة

توسّطَ أحدُ الشّيوخِ مجلسهُ في مسجدِ البصرة بين رُوادِهِ يوما، فقال لهم: لم أر في حياتي امرأة تضع الأمور في مواضعِها وتُوفيها غاية حُقوقها مثل مُعاذةَ العنبريّةِ. فقال له أصحابُه: وما شأنُ معاذة هذه؟ قال: أهدَى إليها العام ابنُ عم لها أُضْحِيَةً. فَرأيْتُها كئيبةَ حزينةَ مُفكَرةً مُطرِقةً، فقلتُ لها: مالَكِ يا مُعاذة؟

قالت: أنا امرأة أرملةٌ وليس لي قَيِّمَ، ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي، وقد ذهبَ الّذين كانوا يُدبَّرونَه ويقومون بحقّه. وقد خِفْتُ أنْ يضيعَ بعضُ هذه الشّاةِ، ولستُ أعرف وضْع جميعِ أجزائِها في أماكِنِها. وقد علمْتُ أنَّ اللهَ لم يخلق فيها ولا في غيرها شيئًا لا منفعة فيه. ولكنّ المرء يعجزُ لا مَحالة. ولستُ أخافُ من تضييع القليل إلّا أنّهُ يجرُ تضييغ الكثير.

 أمّا القرنُ فالوجهُ فيهِ معروفٌ، وهو أنْ يُجعلَ منه كالخُطّافِ، ويُسَمَّرُ في جذعِ من أجذاعِ السّقْفِ، فيُعلَّقُ عليهِ إناءُ الماءِ وكلُّ ما خيفَ عليه من الفأر والنّملِ والحيَّاتِ وغير ذلك. وأمّا المُصرانُ فإنّهُ لِأوتارِ المِنْدَفةِ، وبنا إلى ذلك أعظمُ الحاجةِ. وأمّا العِظامُ فسبيلُها أنْ تُكسرَ، ثم تطبخ، فما ارتفع من الدّسم كان للمصباح وللعصيدةِ ولغير ذلكَ، ثمّ تُؤخَذُ تلكَ العظامُ فتجفَّفُ، فيوقدُ بها، فلمْ يرَ النّاس وَقودَا قطُّ أَصفَى ولا أحسنَ لهبًا منه. وأمَّا الإهابُ فالجلدُ نفسهُ جرابٌ. وللصّوف وجوهُ منفعةِ لا تُعدُّ. وأمَّا الفرثُ والبعرُ فحطبٌ إذا جُفِّفَ عجيبٌ ثمّ قالتُ: بقِيَ الآنَ علينا أنْ ننتفع بالدّم. وقدْ علمْتُ أنَّ الله -عزَّ وجلَّ- لم يُحرِمْ من الدَّم المسفوحِ إلّا أكلَهُ وشربهُ، وأنْ لهُ مواضع يجوزُ فيها، ولا يُمنع منها، وإنْ أن لمْ أقع على علمِ ذلك حتّى يوضعَ موضع الانتفاعِ به، صار كيّةً في قلبي، وقذَّى في عيني، وهمًّا لا يزالُ يعودُني.

 قال: فلم ألبثْ أنْ رأيتُها قد تطلَقَتُ وتبسّمتُ. فقلْتُ: ينبغي أَنْ يكونَ قد انفتحَ لكِ بابْ الرأي في الدَّم. قالت:أجل، ذكرتُ أنَ عندي قُدورًا شاميَةً جُدُدًّا، وقد زعموا أنّهُ ليس شيءٌ أزيدَ في قوّتها من التّلطيخِ بالدَّمِ الحار الدّسم. وقد استرحْتُ الآنَ إذْ وقعَ كلُ شيءٍ موقِعه .قال: ثمَّ لقيتُها بعد ستَّةِ أشهرٍ، فقلْتُ لها: كيفَ كانَ قديدُ تلكَ الشّاةِ؟ قالتُ: بأبي أنتَ. لمْ يجِئ  وقتُ القَديدِ بعدُ، لنا في الشّحم والعظْم وغيرِ ذلكَ معاشٌ، ولِكلّ شيءٍ إبّانٌ.   (أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، كتاب البخلاء، ط5، ص 33-34، ص131-132، تحقيق طه الحاجريّ، دار المعارف، مصر)

 

 

 

Jo Academy Logo