عربي مادة الأدب فصل أول

الثاني عشر خطة جديدة

icon

 

 

ظاهرة الغزل في الشعر الأموي

  • إذا كان الشاعر الغزلي من بوادي الحجاز في العصر الأموي، فمن المرجح أنه يمثل الغزل العذري.

 

 

  1. الغزل في الشعر العربي
  • تعريف الغزل: هو من أهم الأغراض الشعرية وأكثرها انتشاراً وتأثيراً. يفرد فيه الشاعر مساحة قصيدته للتعبير عن عاطفة الحب بأسلوب فني جميل.
  • خصائص أسلوبه:
      • لغة رقيقة وعذبة.
      • معنى محبب للنفس.
      • نسيج شعري يرتفع عن الكلام العادي.
      • يعتمد على الأدبية، التأثير الوجداني، القصصية، والتصوير الجمالي.

 

  1. تطور شعر الغزل عبر العصور
  • عصر صدر الإسلام:
      • تراجع الغزل في عصر الرسول والخلفاء الراشدين وضعف.
      • لم ينظم فيه الشعراء كثيراً لانشغالهم بالدين الجديد والفتوحات.
  • العصر الأموي:
      • ازدهر الغزل وانتعش بشكل كبير.
      • تنوعت ألوانه وكثر شعراؤه، وأصبح ظاهرة أدبية بارزة في هذا العصر.

 

      • أنواع الغزل في العصر الأموي:

 

أولا: الغزل التقليدي

  • التعريف: هو الغزل الذي قلّد فيه الشعراء المُحدَثون (في العصر الأموي مثلاً) الشعراء الجاهليين.
  • طريقة التقليد: كانوا يفتتحون قصائدهم ذات الأغراض الأخرى (كالمديح، الفخر، الهجاء) بـ مقدمة طللية (الوقوف على أطلال الديار) أو غزلية يكثرون فيها النسيب والتشبيب.
  • الالتزام بالبنية الجاهلية: اللافت أن شعراء العصر الأموي ظلوا يلتزمون في بنية هذه المقدمة بنفس الطريقة التي اتبعها الشعراء الجاهليون.
  • من أبرز شعرائه: أبدع الشعراء الأمويون في هذا النوع، ومنهم جرير والفرزدق.

مثال: قصيدة جرير النونية

يُقدم النص مثالاً من قصيدة جرير النونية، حيث بدأها بمقدمة غزلية تقليدية.

  • مضمون المقدمة:
      • يتحسر على انقطاع الوصل وابتعاد المحبوبة.
      • يقف على المنازل التي تركها الأحباء.
      • يعبر عن رفضه أن يستبدل هذه الدار بدار أخرى.
  • أبيات من القصيدة:
بَانَ الخَلِيطُ وَلَو طُوِّعتُ مَا بَانَا *** وَقَطَّعُوا مِنْ حِبَالِ الوَصْلِ أَقْرَانَا
حيِّ المنازل إذ لا نبتغي *** لادّار دارًا ولا الجيران جيرانا
قد كُنتُ في أثرِ الأظعان ذا طربٍ *** مُروعًا من حذار البين مِحزانا
إِنَّ العُيُونَ التِي فِي طَرْفِهَا حَوَرٌ *** قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلَانَا
يصرعن ذا اللبِّ حتى لا حَراكَ به *** وهنَّ أضعف خلق الله أركانا
    • مكانة البيت: قيل إن هذا البيت هو أغزل ما قالت العرب أي من أجمل وأرق ما قيل في الغزل.
    • أستزيد: كعب بن زهير: هو مثال آخر على استخدام الغزل التقليدي، حيث افتتح قصيدته الشهيرة "البردة" التي مدح فيها الرسول بمقدمة غزلية، مطلعها: بانت سُعاد فقلبي اليوم متبول *** متيَّم إِثرها لم يُفدَ مكبُولُ

 

ثانيًا: الغزل العذري

  • التعريف: هو الغزل العفيف الطاهر، يُخلص فيه الشاعر لحب امرأة واحدة، ويبتعد عن ذكر محاسنها الجسدية، ويركز على بث عواطفه الصادقة وحرقة قلبه.
  • أصوله: لم يكن من ابتكار شعراء العصر الأموي، فقد وُجد في العصر الجاهلي ولكن بشكل محدود.
  • ازدهاره: ازدهر وانتشر بشكل كبير في العصر الأموي ليصبح ظاهرة ملتصقة بهذا العصر.
  • سبب التسمية:
      • نُسب إلى بني عُذرة (من قبائل قضاعة) التي كانت تسكن شمالي المدينة المنورة.
      • عُرف أبناء هذه القبيلة بحبهم العفيف، وأبدع شعراؤها في هذا اللون من الغزل.
      • يُروى أن سائلًا سأل رجلًا من هذه القبيلة ممّن أنت؟ قال: نحن من قوم إذا عشقوا ماتوا، فقال له: عذريٌ وربِّ الكعبة.
  • انتشاره: لم يقتصر على بني عذرة، بل شاع أيضاً في بوادي نجد والحجاز، ومنهم بنو عامر.

 

  1. صفات الغزل العذريّ:
  1. العفة والطهارة والقناعة:
      • هو غزل عفيف يكتفي فيه الشاعر بالحب نفسه وبالقليل من المحبوبة.
      • مثال (جميل بثينة): يرضى من محبوبته بـ "لا"، وبأنه لا يستطيع وصلها، وبالأماني، وبالنظرة السريعة، وبمرور عام كامل دون لقاء.
وإنّي لأرضى من بثينة بالذي *** لو أبصره الواشي لقرّت بلابلُه
بـ (لا) وبأن لا أستطيع وبالمُنى *** وبالأمل المرجّو قد خاب آماله
وبالنّظرة العجلى وبالحول تنقضي *** أواخره لا نلتقي وأوائله
  1. الصدق والإخلاص وثبات المحبة:
      • يكتفي الشاعر بمحبوبة واحدة يخلص لها طوال عمره.
      • هذا يفسر اقتران أسماء الشعراء بأسماء محبوباتهم: (جميل بثينة، مجنون ليلى، قيس لبنى، كُثيّر عزة).
      • مثال (قيس بن ذريح): يصف ثبات حب لبنى في قلبه كثبات الأصابع في راحة اليد.

 

لقّد ثبت في القلب منك محبّةٌ *** كما ثبتت في الرّاحتين الأصابعُ

 

  1. اليأس والجوى (حرقة الحب) وكثرة الدموع:
      • يظهر الشاعر العذري في قصيدته بصورة العاشق الذليل اليائس.
      • لا يقوى على التخلص من حبه ومعاناته، ويظل يعاني دون خلاص.
      • مثال (مجنون ليلى): يخاطب قلبه متعجباً، كيف أنه كلما تاب عن حب ليلى، عاد يذوب من الشوق بمجرد ذكر اسمها.

 

أليسَ وعدتني يَا قَلبُ أَنِّي *** إِذَا ما تُبْتُ عَنْ لَيْلَى تَثُوبُ

فَهَا أَنَا تَائِبٌ مِنْ حُبِّ لَيْلَى *** فَمَا لَكَ كُلَّمَا ذُكِرَتَ تَذُوبُ

  • الأبيات التي وردت لمجنون ليلى توضح هذا الشعور بشكل عميق:
  • يبدأ الشاعر قصيدته بذكرى ليلاه التي لا تغيب عن باله، مما يدل على أن ذكراها تلازمه باستمرار، وهي سبب معاناته.
  • ثم يتحدث عن أن اسمها أصبح أحب الأسماء إليه، وأنها تسكن كل ما حوله.
  • تظهر في الأبيات التالية فكرة "الوعود الكاذبة" التي كان قلبه يمنيها بالنسيان، ولكنه كلما ذكر اسمها ذاب حباً وشوقاً، مما يثبت أنه لا يستطيع الخلاص من هذا العشق.
مجنون ليلى 86هـ

هو قيس بن الملوح العامري، شاعر غزل من المتيّمين، من أهل نجد ولم

يكن مجنونا فعلا وإنما لققّب بذلك لهيامه في حب ليلى بنت سعد التي نشأ

معها حتى كبرت وحجبها أبوها، فذهب قيس وعائلته وعشيرته لطلب ليلى؛

إلا أنه رفض وحلف أن يزوجها لغيره، وبالفعل تزوجت من آخر، فيئس المجنون

 وهام في الصحاري وزال عقله  هياما وحسرة، ورأوه مرة في الحجاز ومرة في

نجد ومرة في الشام إلى أن وجدوه مُلقى بين أحجار في الصحراء وإذ به ميت 

 

 

قصيدة (تذّكرت ليلى)

تذكّرت ليلى والسّنين الخواليا *** وأيّام لا نخشى على اللهو ناهيا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما *** يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها *** وأشبه أو كان منه مدانيا
قضاها لغيري وابتلاني بحبّها *** فهلّا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وخبّرتماني انّ تيماء منزلٌ ليلى *** إذا ما الصّيف ألقى المراسيا
فهاذي شهور الصّيف عنّا قد انقضت *** فما للنّوى ترمي بليلى المراميا
فيا ربِّ سوِّ الحبّ بيني وبينها *** يكون كفافًا لا عليّ ولا ليا
أعدُّ اللّيالي ليلةً بعد ليلةٍ *** وقد عشت دهرًا لا أعد اللّياليا
ثالثا: الغزل الصريح
  • تعريفهو لون من الغزل يصف فيه الشاعر عاطفة الحب تجاه المرأة، مع التركيز على وصف محاسنها الجمالية بشيء من الحسية (أي وصف الجمال الجسدي).
  • مكان الازدهارازدهر وتطور في حواضر الحجاز، وتحديداً في مدينتي مكة والمدينة.
  • تسمياته المختلفة:
    1. الغزل الحسيلأنه يركز على وصف الجمال المحسوس للمرأة.
    2. الغزل الحضريلأنه ظهر في الحواضر (المدن)، وحمل سمات الحياة المدنية المترفة.
    3. الغزل الماديلأنه يهتم بالجانب المادي والملموس من جمال المرأة.
    4. الغزل الصريحلأنه يعبر بصراحة ووضوح عن محاسن المرأة الجسدية.

 

  1. أسباب ظهور الغزل الحسيّ الحضريّ:

ساهمت عدة عوامل في ظهور وانتشار هذا النوع من الغزل في مدن الحجاز:

  1. العامل السياسي:
      • سعت الخلافة الأموية إلى إبعاد قبائل الحجاز عن المطالبة بالحكم، خاصة بعد ظهور دعوة عبد الله بن الزبير.
      • نتيجة لذلك، ابتعدت مدن الحجاز (مكة والمدينة) عن السياسة، واحتاج أهلها إلى ما يشغلهم ويُنسيهم صراع الخلافة.
      • كان شعر الغزل الذي يؤجج العواطف الآنية هو أفضل وسيلة لهذا الإلهاء.
  2. العامل الاقتصادي:
      • انتشر الثراء المادي في مكة والمدينة بسبب الخيرات التي عمتها.
      • أغدق الأمويون الأموال على أهل الحجاز لإسكاتهم عن المطالبة بالخلافة.
      • ورث أهل المدينتين ثروات كبيرة عن آبائهم وأجدادهم من قريش.
      • هذا الثراء أدى إلى حياة لهو وترف ساعدت على انتشار هذا النوع من الشعر.
  3. العامل الاجتماعي:
      • حدث تغير اجتماعي وثقافي كبير في مدن الحجاز.
      • شاعت مظاهر جديدة مثل: الاختلاط، دخول الموسيقى والغناء، وجود الجواري، وانتشار آلات الطرب.

 

  1. سمات الغزل الصريح
  • اللهو والتسليةهو شعر أقرب إلى اللهو والتسلية منه إلى التعبير عن حب عميق.
  • الوصف الحسييصف الشاعر المرأة وصفاً حسياً يركز على جمالها الجسدي.
  • تعدد المحبوباتلا يخلص الشاعر لامرأة واحدة، بل تكثر أسماء النساء في قصائده.
  • انعكاس الأدوارغالباً ما يصور الشاعر المرأة على أنها هي العاشقة، بينما هو المعشوق المرغوب فيه.

مثال: شعر عمر بن أبي ربيعة

بينما يذمرنني أبصرني *** مثل قيد الرّمح يغدو بي الأغر
قالت الكبرى تُرى من ذا الفتى *** قالت الوسطى لها: هذا عمر
قالت الصّغرى وقد تيّمتها *** قد عرفناه وهل يخفى القمر

هذه الأبيات هي خير مثال على هذه السمات، وتحديداً على انقلاب الأدوار. ففي هذه الأبيات، نجد الشاعر يروي حكاية:

بينما يَذْكُرْنَني أَبْصَرْنَنِي: الشاعر يبدأ القصيدة وهو مدرك أن النساء كن يتحدثن عنه، وهذا دليل على ثقته الزائدة بنفسه وأنه محط الأنظار.

قَالِت الكُبْرَى تُرَى مَنْ ذَا الفَتَى: هنا ينقل الشاعر حواراً بين النساء، حيث تستفهم إحداهن عن هويته، مما يدل على أن حضوره لفت انتباههن جميعاً.

قالتِ الصُّغرى وَقَدْ تيمتها / قَدْ عَرَفْنَاهُ وَهَلْ يَخْفَى القَمَرْ : في هذا البيت، تكتمل الصورة النرجسية للشاعر. فالصغرى، التي يقول عنها الشاعر إنه قد استعبدها بحبه (تَيَّمْتُهَا)، تجيب بثقة: "لقد عرفناه"، ثم تصفه بالقمر الذي لا يمكن أن يختبئ. وهذا الوصف يجعل الشاعر هو مركز الكون والجمال، وليس المرأة.

 

معالم القصيدة الغزليّة الصريحة لعمر بن أبي ربيعة:

1. الوحدة الموضوعية

تأتي القصيدة عند عمر بن أبي ربيعة كقطعة فنية واحدة تدور حول موضوع واحد من بدايتها إلى نهايتها (وهي سمة يشترك فيها مع الغزل العذري أيضاً).

2. نزعة الزهو والتعالي (النرجسية)

يكشف شعره عن نزعته للتفرد والخيلاء، حيث تكون "الأنا" (ذاته) هي مركز التعبير وليس المحبوبة.

  • مظاهرها في شعره:
      • يصور نفسه في غزله على أنه هو محط الأنظار ومهوى القلوب، والذي ذاعت شهرته في كل مكان.
      • مثال: يخاطب محبوبته "أسماء قائلاً:
قفي فانظري يا أسم هل تعرفينه؟ *** أهذا المغيريّ الذي كان يُذكرُ؟
أهذا الذي أطريت نعتًل فلم أكن *** وعيشك أنساه إلى يوم أُقبرُ
  • تفسير هذه الظاهرة (النرجسية):
      • التعريف: النرجسية هي عقدة نفسية يكون فيها الإنسان مزهواً بنفسه بشكل مفرط.
      • الأسباب في حياة عمر:
      • صفاته الشخصية: كان وسيماً وغنياً وينتمي لأسرة عربية مرموقة.
      • ظروفه الأسرية: كان وحيد أهله، ثم مات أبوه وانشغلت أمه عن تربيته، مما أدى إلى إحساسه بالتفرد والإعجاب بالذات.

3. القالب القصصي التصاعدي

  • التعريف: تبنى عمر بن أبي ربيعة في قصائده الشكل القصصي الذي يجمع بين السرد والحوار.
  • عناصر القصة في شعره: نظم قصائده بأسلوب القصة الكاملة، مستخدماً عناصرها الرئيسية مثل:
      • الأحداث.
      • الحوار.
      • الشخصيات.
      • التشويق والصراع.
      • التنامي في الأحداث (التصاعد الدرامي).
      • الخاتمة.
  • لقبه: بسبب هذا الأسلوب، أُطلق على عمر لقب "شاعر القصيدة القصصية". و يظهر هذا القالب القصصي بوضوح في قصيدته الرائية التي يخاطب فيها نفسه متسائلاً عن حبه لـ "نُعم".
أمن آل نُعمٍ أنت غادٍ فُمبكر *** غداة غدٍ أم رائحٌ فُمهجَر
لحاجة نفسٍ لم تقل في جوابها *** فتبلغ عذرًا والمقولة تعذر
تهيم إلى نعم فلا الشّمل جامعٌ *** ولا الحبل موصولٌ ولا القلب مُقصر
ولا قرب نعم أن دانت لك نافعٌ *** ولا نأيها يسلى ولا أنت تصبر

 

 

 

 

 

 

Jo Academy Logo