اللغة العربية 6 فصل ثاني

السادس

icon

عندَما يعشق الوطنُ

لكُم أن تتخيلوا، عندَما يعشقُ أردنيٍّ في السّلطِ أو إربدَ أو عجلونَ، أو في أيِّ مكانٍ في المملكةِ الأردنيَّةِ الهاشِمِيَّةِ، قطعةَ أرضٍ يملكُها، ويريدُ أن يصفَها ويتغنّى بجمالِ موقعِها يقولُ: إنّها تطلُّ على جبالِ فلسطينَ، منها قد ترى أضواءَ القدسِ تتلألأُ ليلًا، وتستطيعُ أن تشاهدَ جبالَ نائلُسَ الشّامخةَ، وإذا كانَ الجوُّ صافيًا، ستشاهدُ جنينَ وبَيْسانَ وأريحا. هكذا يتعلّقُّ الأردنيّونَ بفِلَسطينَ، فلا يتركونَ مناسبةً أو ذكرى إلّا ويجعلونَها جسرًا بينَ الأردنِّ وفِلَسطينَ؛ فالأردنيّونَ لا ينفكُّ ارتباطُهُم يفِلَسطينَ مهما كانتِ الظّروفُ والتّحدّياتُ؛ لأنَّ القناعةَ الرّاسخةَ بأنَّ الأردنَّ وفِلَسطينَ كأنَّ لهُما روحًا واحدةً، لكنَّها توزّعَت في جسدينِ.

ودماءُ شهداءِ الأردنِّ على ثرى فِلَسطينَ شاهدةٌ على أنَّ الدّمَ الأردنيَّ قُدّمَ فداءً لأرضِ القدسِ الطّهورِ، وفي ذلكَ يقولُ الشّاعرُ حيدرُ محمودٍ:

لنا يا قدس فيكِ دم زكيٌّ

وإن يَغلو .. فليسَ علیكِ يَغلو

وأيُّ دمٍ سوى دمِنا يُلبّي

إذا نادَيتٍ .. أيُّ دمٍ يُطَلُّ؟

لنا يا قدسُ فيكِ سيوفُ عزِّ

وراياتٌ وفرسانٌ وخيلُ

 

 

وما أكثرَ الأردنيّينَ الّذين يجودونَ بدمائِهِم وأرواحِهِم من أجلِ فِلَسطينَ! وإنَّ ذلكَ المبدأَ الأردنيَّ الرّاسخَ هوَ ما يجعلُ أهلَ من يجودُ بروحِه فداءً لفِلَسطينَ يفخرونَ بهِ، ويتباهَونَ ببسالتِهِ وشجاعتِهِ، على الرَّغمِ من مرورِ عشراتِ السّنينَ على استشهادِهِ.

وإذا أردنا مثالًا لقصّةٍ واحدةٍ من آلافِ القصصِ البطوليّةِ الأردنيّةِ على أرضٍ فِلَسطينَ، لواحدٍ من أبطالِنا الشّهداءِ الّذين روَّوا بدمائِهِمُ الزّكيّةِ أرضَ فِلَسطينَ المقدّسةَ، وأشبَعوها مسكًا من عطرِ الشّهادةِ، فمن تلكَ الأمجادِ قصةُ الشّهيدِ الأردنيِّ المغوارِ (إبراهيمَ الدّعجةِ) الّذي زُفَّ عريسًا مرّتينٍ، وليسَ ذلكَ لزواجِهِ منَ اثنتينٍ؛ فالزّفّةُ الأولى كانت وهوَ عريسٌ في الدّنيا، وأمّا الزّفَةُ الثّانيةُ فكانت بعدَ ساعاتٍ منَ الأولى، وهوَ شهيدٌ.

كان حفلُ زِفافِه ليلةَ الرّابع من حَزیرانَ عامَ (1967م)، وعندَما اندلعَتِ الحربُ في الخامسِ من حَزيرانَ في العامِ ذاتهِ، التحقَ بوَحدتِهِ القتاليّةِ في فِلَسطينَ، بعدَ أن ودّعَ عروسَهُ الَّتي لم يقضِ معَها إلّا ساعاتٍ معدودةً، وخاضَ المعاركَ بكلِّ شجاعةٍ وإقدامٍ، وقاتلَ حتّى نالَ شرفَ الشّهادةِ.

لم يفكّر بغيرِ الدّفاعِ عن فِلَسطينَ، والتّصدّي للأعداءِ المحتلّينَ، فقضى شامخًا مرفوعَ الرّأسِ عاليَ الجبينِ، تملأُ ذكراهُ الدّنيا عزًَّا وشهامةً.

(كَمال زكارنة، وكالةُ عمّونَ الإخباريّةُ، بتصرّفٍ).









   

 

Jo Academy Logo