اللغة العربية11 فصل ثاني

الحادي عشر خطة جديدة

icon

 

فن المقامة
الْمَقامةُ الْهاتِفِيَّةُ حَدَّثَنا أَبْقْراطُ بنُ قَحْطانَ، قالَ: بَعدَ سِنَّةِ عُقودٍ، وَسُبْحانَ الْمَعْبودِ، وَصَلْتُ لِسِنِّ الْمَعاشِ، بِلا عَقْلٍ طاشٍّ، وَلا شَلَلِ رُعاشٍ، وَلَمّا كُنْتُ صَحيحَ الْقَدَّ، لا أُخْطِئُ في الَّعَدِّ، قُلْتُ: دَعوني يا سادَةُ أَعْمَلُ، فَإِنّي كَما تَعْلَمونَ أَرْمَلٌ، أُناجي في النَّهارِ الْجُدْرانَ، وَتَغْشاني في اللَّيْلِ الْأَحْزانُ، وَلا طاقَةَ لي بالْمَقاهي، وَما فيها مِنْ مَناهَي، فَأَشْنَعُ الْغَلَطِ، إِذا الْحَقُّ بِالْباطِلِ اخْتَلَطَ، ثُمَّ إِنَّ الْمَعاشَ هَزيلٌ لا يَكْفي، وَلِلْعَوَزِ لا يَنْفي. وَكَعادَةِ أَصْحابِ الْعَمَلِ الْكُرَماءِ، أَقاموا لِوَداعي حَفْلَ عَشَاءِ، ثُمَّ أَتْحَفوني بِهَدِيَّةٍ، في عُلْبَةٍ بَهِيَّةٍ، وَقالوا: هَذا جَوَّالٌ ذَكِيٌّ، بِجَناحِهِ يَطْوي الْمَشْرِقَيْنِ، وَبِشِراعِهِ يَجوبُ الْخافِقَيْنِ، فَيَأْتيكَ بِالْعالَمِ بَيْنَ يَدَيْكَ، قائِلًا: لَبَّيّكَ وَسَعْدَيْكَ(١)، ثُمَّ إِنَّهُ يَفْتَحُ لَكَ حِسابًا في مِنصَّاتِ التَّواصُلِ، كُلُّ هَذا بِلَمْسَةِ شاشَةٍ، مُلَوَّنَةٍ كَفَراشَةٍ، تَغْمُرُكَ بِالْبَشاشَةِ، وَيُرافِقُها مِنَ النَّغَماتِ، ما يُوافِقُ الرَّغَباتِ. وَعَمَلا بِالنَّصيحَةِ، وَقاكُمُ اللهُ شَرَّ الْفَضيحَةِ، أَنْشَأْتُ عَلى مِنَصَّةِ التّواصُلِ الْحِسابَ، وَصِرْتُ أُقَلِبُهُ كَصَفَحاتِ الْكِتابِ، فَوَجَدْتُ فيهِ النّورَ وَالنّارَ، وَالنّافِعَ وَالضّارَّ، وَبَعْدَما ارْتادَهُ الصَّالِحُ الْمَليحُ وَالطَّالِحُ الْقَبِيحُ،وَكُلِّ بِنَفْسِهِ مُعْجَبٌ، كَأَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يُنْجَبْ! فَيَكْتُبُ أَحَدُهُمُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلى الْخَدَّيْنِ، يَنْتَظِرُ التَّعْليقَ وَالْإِعْجابَ، وَالْمُشارَكَةَ مِنَ الْأَحْبابِ، أَمَّا طَريقُ الْحَقِّ فَقَليلُ الأَتْباعِ، وَأَمّا الْباطِلُ فَكَثيرُ الْأَشْياعِ. وَحَدِّثْ وَلا خَوْفَ، عَنْ رَكاكَةِ الْحَرْفِ، وَهَذَمِ النَّحْوِ وَالصَّرْفِ، أَمّا الْهِتْرُ (2) فَجَمٌّ، وَشَاعَ فيهِ وَعَمَّ، وَخُذْ مِنَ الْمِثالِ، جَاري الْبَقِّالَ، فَفي صَفْحَتِهِ يَحتالُ، وَيَدَّعي أَنَّهُ رَجُلُ أَعْمالٍ. وَلمّا كانَ الْحالُ كَذلِكَ، واجْتِنابًا لِلْمَهالِكِ، قُلْتُ: وَاللهِ هَذا سوقٌ لا يَليقُ لِي وَلا يَروقُ؛ إِذْ يَعِجُّ بِالثَّرْثَرَةِ، وَالإِشاعاتِ الْمُبَعْثَرَةِ، حَتّى اخْتَلَطَتْ فيهِ الأُمورُ، وَاقْتَرَبَ الظِّلُّ مِنَ الْحَرورِ (3)، يَقولُ ابنُ قَحْطانَ: وَما إِنْ عَرَّجْتُ عَلى مِنَصَّةٍ مُتَخَصِّصَةٍ بالتَّصويرِ، حَتّى رَأَيْتُ الْقَوْمَ يَحْتَفونَ بِالصُّوَرِ وَيَتَشارَكونَ بَعْدَ الْتِقاطِها بِثُقْسبٍ خَفِيٍّ، في ظَهْرِ الْهاتِفِ الذَّكيِّ، وَمَعَ أَنَّهُمْ قَليلو الْكَلام، إِلا أَنَّ حالَهُمْ لَیْسَ عَلی ما يُرامُ؛ فَهذِهِ تُصَوِّرُ حِینَ تَطْرَحُ السّلامَ، وَإِذْ بِها تَطَّهو الطَّعامَ. وَهذا بِكِتابٍ يُلَوِّحُ، وَعَنْ نَفْسِهِ يُرَوِّحُ. وَهَذا بِالتَّصْويرِ مَهووسِ، يُصَوِّرُ كُلَّ مَلْبوسٍ، وَكَأَنَّهُ في بَثِّ مُباشِرٍ عَلى مَدارِ السَّاعَةِ ناشِرٌ، وَأَظُنُّ التَّصْويرَ لَنْ يَفوتَهُ، لَحْظَةَ قَبْضِ روحِهِ! وَلْيَرْحَمْنا اللهُ بِرَحْمَتِهِ، حالَما نَقَعُ في قَبْضَتِهِ. وَبَيْنَما اللّيْلُ جَنَّ، وَالْبَدَنُ لِلنَّوْمِ حَنَّ، وَضَعْتُ الْهاتِفَ إِزائي، وَتَعطَّرْتُ  بِدُعائي، وَلَكِنْ هَيْهاتَ لِلنَّوْمِ أَنْ يَكونَ، في جِوارِ هَذا الْمَلْعونِ، فَهذِهِ رَنَّةٌ لِمُكالَمَةٍ مَجْهولَةٍ، وَأُخْرىَ لِرِسالَةٍ مَكْتوبَةٍ، وَهذا تَنْبيهٌ لِتَعْليقِ، وَمِثْلُهُ لِإِعْجابِ مِنْ صَديقٍ. يَقولُ أَبْقْراطُ: وَعَلى أَحَرَّ مِنَ النّارِ، انْتَظَرْتُ بُزوغَ النَّهارِ، وَفَوْرًا ذَهَبْتُ إِلى الْبَقّالِ، وَقُلْتُ: ابْتَعْ هَذا الْجَوّالَ، هُوَ بِأَلْفَيْنِ وَلَكَ بِأَلْفٍ، فقالَ: وَلَكنْ مِنْ أَيْنَ لي بِالْأَلَفِ، وَالْجُنَيّهُ يَعْدو إِلى الْخَلْفِ؟ وَأَرى أَنْ تَمُدَّيَدَكَ وَلا تَخْجَلَ، وَتُقايِضَهُ بِبضاعَةٍ وَلا تَعْجَلَ؛ فَعَلى يَمينِكَ بَيْضُ وَجُبْنٌ، وَشائيٌّ وَبُنٌّ، وَأَمامَكَ خُبْزٌ وَزَيْتٌ، قطْبا رَحى الْبَيْتِ، وَهَذا يَكْفي وَيَزِيدُ، وَدَعْني أُواصِلُ التَّغْريدَ. قُلْتُ: لا ضَيْرَ، فَفي كُلِّ خَيْرٌ، وَأَبْشِرْ بِلَيْلٍ سَرْمَدٍ (٩)، وَبِعَيْنٍ مِنَ السَّهَرِ تَرْمَدُ، وَهَنيثًا لي راحَتي، وَهُدوئي وَسَكينَتي.
Jo Academy Logo