في بيتي طائر
قصة فخري قعوار
من مجموعةِ "حُلُمُ حارسٍ ليليّ"
في وقتٍ متأخّرٍ من الليلِ سمعتُ طرقاً على بابٍ مَنْزلي، فتحتُ البابَ، فوجدتُ رجلاً متعباً كالمرضى أو أشباهِ الموتى. طَلبَ كوبَ ماءٍ ومبيتَ ليلةٍ، أدخلتُهُ وسَقَيْتُهُ، وقدَّمْتُ له طعاماً، وهيَّأْتُ له سريراً، ونام.
في اليومِ التالي لم يتكلَّمْ، ولم يخرجْ مِنَ المنزلِ. احترمتُ صمتَهُ وبقيتُ ساكتاً أنا أيضاً. قدَّرتُ حاجَتَهُ للطَّعامِ، فوفّرْتُ له ثلاثَ وجباتٍ على أنغامِ الْموسيقى.
في اليومِ الذي يليه قلتُ: لا بدَّ أنْ يَحْزِمَ أَمْرَهُ للرَّحِيلِ؛ فَصَنَعْتُ لَه فِنجانَ قَهْوَةٍ وَآخرَ لي، وجَلَسْتُ إلى جِوارِهِ. قُلْتُ لَهُ:
- لَمْ أَتَعَرَّفْ على الأخِ!
ظننتُ أنَّه لمْ يَسْمَعْ، فَأُعَدْتُ كَلامِي مرَّةً ثَانِيةً، فَقَالَ:
- أنا طائر!
تمالكتُ غَضبي، وقلتُ:
- لكنَّكَ بِلا جناحيْنِ أو منقارٍ أو ريش!
عادَ وسَكَتَ قليلا، ثُمَّ أضاف:
- هذه أوصافٌ لمْ تَعُدْ مُهِمَّة.
وَرَشَفَ رَشْفَةً مِنَ فِنْجَانِ الْقَهْوةِ وَقَالَ:
- أنا طائرٌ مُهاجِرٌ مِنْ وَراءِ الْبِحارِ.
وَمُنْذُ أنْ قالَ ذلك بَدَأْتُ أَسْتثقِلُ دَمَ الرَّجُلِ، وَسَأَلْتُهُ عَمَّا إذا كانَ يَرْغَبُ في إِطالَةِ إِقامَتِهِ في بيتي، فقالَ: "نعمْ".
في الْيَوْمِ الرابعِ بَدَأَتْ مَلامِحُ الْعَافِيَةِ تَظْهَرُ على وَجْهِهِ، وسَأَلَنِي عَنْ مَكانِ مَكْتَبِ الْبريدِ في مدينتنا، فَسَأَلْتُهُ عَن سَبَبِ حاجَتِه لِمَكْتَبِ الْبِرِيدِ فَقَالَ:
- أُريدُ أنْ أَبْعَثَ في طلبِ زَوْجَتي وأَوْلادي لِلإِقامَةِ مَعي هنا.
فَقُلْتُ: لكنَّكَ لمْ ترَ شيئاً في المدينةِ كيْ تَبْعَثَ في طَلَبِهِمْ! فَأَجابَ:
- ليسَ مُهِمَّاً، فَنَحنُ نَعْرِفُها مِنْ كُتُبِ الْجغرافيا.
كانتْ هذه هي الْمرَّة الأولى التي يستعملُ فيها ضيفي كلِمةَ "نحنُ " بدلاً مِن"أنا"، مِمَّا طوَّرَ الاستثقالَ إلى كراهية، فسألْتُهُ بضيقٍ عَمَّا هُوَ الْمُهِمُّ إذنْ؟ فقالَ بثقةٍ واسْتعلاءٍ:
- الْمُهِمُّ شَقَّتُكَ ... إِنَّها مُرِيحَةٌ، وتتوافَرُ فيهِ كُلُّ الَّلوازمِ التي نَحْتَاجُها لِلإِقامَةِ.
وحينَ قُلْتُ لَهُ إِنَّها شَقَّتِي وَأَنَّ اللوازمَ لي، ضَحِكَ طَويلا، ولمْ يُعلّقْ بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ قَفَلَ داخِلاً إلى غُرْفَةِ النَّوْمِ، وَارْتَدى مَلابِسه، وَقَبْلَ خُروجِهِ سَأَلَنِي إِنْ كُنْتُ سَأَبْقَى فِي الْبَيْتِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَنِي باقٍ، فقالَ:
- على كلِّ حال، إنْ رَغِبْتَ في الْخُروجِ فَلا تَقْلَقْ بِشَأَنِي، فَقَدْ وَجَدْتُ نُسْخَةً مِنَ الْمِفْتَاحِ فِي غُرْفَةِ النّوم.
خَرَجَ وَتَرَكَنِي أَضْرِبُ كَفَّاً بِكَفٍّ، وَأَنا أُفَكِرُ جَدِيَاً في التَّخَلُّصِ مِن هذا الطَّائِرِ الذي فَرَضَ وُجُودَه.
في الْيَوْمِ الْخَامِسِ طَلَبْتُ مِنْهُ مُغَادَرَةَ الْمَنْزِلِ، فَرَفَضَ ضاحِكاً ضَحِكْتَهُ الطَّوِيلَةَ الْمُمَيَّزة، وفي اليومِ السَّادِسِ كَرَّرْتُ الطَّلَبَ، فَغَضِبَ وَصَاحَ فِي وَجْهِي مُهَدِّداً بِأَنَّهُ إِنْ أُعَدْتُ هذا الكلامَ مَرَّةً أُخْرى فَسَيَكْسِرْ جُمْجُمَتي!
حينَ أَعَدْتُ الكلامَ نَفْسَهُ في الْيَومِ السَّابِعِ أَخْرَجَ مُسَدَّساً مَحْشُوًا بِالرَّصاصِ مِن جَيْبِهِ، وقالَ:
- سَأُسامِحُكَ هذه الْمَرَّة، لِأَنَّك لا تَعْرِفُ أَنّي شَرِيكُكَ فِي عَقّدِ الإيجارِ.
رَكْضْتُ حينَها كَأَرْنَبٍ بَرِّيٍ نَحْوَ مَلَفِّ أَوْراقي الرَّسْمِيَّةِ، تَفَقَّدْتُ عَقّدَ الإيجارِ وَلَمْ أَجِدْ له اسماً فيه، وحينَ واجَهْتُهُ بِذلكَ قالَ بِخُيَلاءِ الطَّواويسِ:
- لكنَّ نُسخَتي مِنَ الْعَقْدِ تَقولُ إنَّنا شُركاءُ.
وَمُنْذُ ذلكَ الحينِ، أَصْبَحْنا شُرَكاءَ في كلِّ شيءٍ في مَنْزلي، إلى أنْ جاءتْ أُسْرَتُهُ، فَاسْتَأْذَنَ مِنّي البقاءَ هو والأسرةُ فقطْ، لأَنَّ الْمَنْزِلَ لم يَعُدْ يَتّسِعُ لِلْجميعِ، فَقُلْتُ لَه:
- ولكنَّنا شركاءُ بِموجِبِ نُسْخَتِكَ من الْعَقْدِ!
- قالَ: أبداً. الْعَقْدُ باسْمي وَحْدي، وأَسْتَطيعُ إثباتَ ذلكَ أمامَ الْمَحاكمِ.
عادَ وَأَخْرجَ مُسَدَّسَهُ مرَّةً أُخْرِى، وَأَمَرَنِي بِالْخروجِ الْفَوْريّ، مُفضِّلاً ذلك على الوقوفِ أمامَ الْمَحاكمِ، فَخَرَجْتُ، وأَوْكَلْتُ قَضِيَّتِي لِمحامينَ، كانوا يفوزون بقرارٍ من الْمَحْكَمَةِ يَقضي بِأَحقيَّتي في البيتِ، لكنَّ الْمَحْكَمَةَ أشبعتْنِي وَرَقَاً وقراراتٍ، وأنا ما أزالُ خارجَ بَيْتي !!!