قِصَّةُ (صُرَّةُ الْبُرْتُقَالِ) لِلقاصَّةِ د. نَهْلَةَ الشّقران
قِصَّةُ (صُرَّةُ الْبُرْتُقَالِ) لِلقاصَّةِ د. نَهْلَةَ الشّقران بَدَأَ أَحْمَدُ يَرْقُبُ نُجُومَ السَّمَاءِ لَيْلًا عِنْدَمَا تَوَسّدَ يَدَيْهِ، وَاسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ فِي فِرَاشِهِ الَّذِي وَضَعَتْهُ لَهُ زَوْجَةُ أَبِيهِ فِي الْغُرْفَةِ الْمُتْزَوِيَةِ الْبَعِيدَةِ، حَدَّقَ فِي النُّجُومِ، وَكَمْ سَعِدَ قَلْبُهُ عِنْدَمَا رَأَى صُورَةَ أُمْهِ تَلُوحُ لَهُ بِالْأَفقِ الْبَعِيدِ وَتُخْبِرُهُ أَنَّهَا خَبّأَتْ لَهُ صُرَّةَ بُرْتُقَالٍ، وَرَبَطَتْهَا أَسْفَلَ النَّافِذَةِ! مَا زَالَتْ رَائِحَةُ الَّبْرْتُقَالِ تَسْتَوْطِنُ أَنَفَاسَهُ.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، طَلَبَتْ مِنْهُ زَوْجَةُ أَبِيهِ أَنْ يَأْخُذَ صُرَّةً كَبِيرَةً منَ الْبُرْتُّقَالِ إِلَى وَالِدَتِهَا اَلَّنِي تَقْطُنُ فِي الْحَيِّ الْمُقَابِلِ، وَقَالَتْ لَهُ بِلَهْجَةٍ كَاسِرَةٍ:
- لَقَدْ عَدَدْتُهَا، عِشْرُونَ حَبَّةً، إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ، عِنْدَمَا تَعُودُ سَأُعْطِيكَ وَاحِدَةً، هَيَّا، أَسْرِعْ ...
كَانَتِ الصُّرَّةُ تَتَأَرجَحُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتَمَايَلُ مَعَهَا، يَرْفَعُهَا أَحْيَانًا لِيَشُمَّ عَبَقَهَا، فَيَأْخُذَ شَهِيقًا طَوِيلًا إِلَى دَرَجَةِ الْتِصَاقِ بَطْنِهِ بِظَهْرِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا خَشْيَةً عَلَى عَزِيزِهِ الْغَالِي ...
لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْبَيْتِ ذَلِكَ الْيَوْمَ - كَعَادَتِهِ - فَقَدِ اعْتَادَ أَنْ يُلْقِيَ بِحَقِيبَةٍ الْمَدْرَسَةِ فِي مَا يُسَمّى غُرْفَةً، فَهِيَ لَا تَحْوِي إِلَّا فِرَاشًا وَغِطَاءً قَدِيمًا، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ صَحْنَ طَعَامٍ وُضِعَ لَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ. لَمْ يَعُدْ يَمْتَلِكُ لَوْنًا مُحَدَّدًا
بِسَبَبِ اخْتِلاطِ أَصْبَاغ الأَطْعِمَةِ عَلَى سَطْحِهِ عَلَى مَرِّ الأيَّامِ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَائِمًا أَنَّ مَا وُضِعَ لَهُ لَيْسَ إِلَّا بَقَايَا طَعَامِ الْيَوْمِ السَّابِقِ، لَكِنَّ مَا يهمُّهُ هُوَ التَّخَلُّصُ مِنْ شُعُورِ الْجُوعِ لِيَخْرُجَ لِيَقْضِيَ مَا تَبَقَّى مِنْ نَهَارِهِ وَجُزْءًا مِنَ اللَّيْلِ فِي الطُّرُقَاتِ ...
انتظرَ لِسَاعَاتٍ، وَرَائِحَةُ الصُّرَّةِ لَمْ تُفَارِقْهُ، فَكَانَتْ لَدَيْهِ قُدْرَةٌ رَهِيبَةٌ عَلَى الاحْتِفَاظِ بالرَّوَائِحِ، وَلَوْلَاهَا مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِرَائِحَةِ أُمْهِ دَائِمًا مَعَهُ.
- رُبَّمَا عِنْدَمَا يَأْتِي وَالِدِي سَتَرمِي لِي بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، نَعَمْ، هِيَ قَالَتْ إِنَّ لِي وَاحِدَةً.
تَعَلّمَ أَحْمَدُ الصَّبْرَ إِثْرَ مَا مَرَّ بِهِ مِنْ حِرْمَانٍ وَظُلْمٍ وجَبَروتٍ، لَا يَجْرُؤُ على أَنْ يُخْبِرَ وَالِدَهُ بِاسْستِعْبَادِ زَوْجَتِهِ لَهُ، وَإِنْ فَعَلَ كَمَا جَرَى ذَاتَ يَوْمِ ضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وَطُرِدَ مِنَ الْبَيْتِ لَوْلَا تَدَخّلُ جَارِهِمِ الطَّيِّبِ، عِنْدَمَا رَأَى أَحْمَدَ يَنَامُ عَلَى الرَّصِيفِ أَمَامَ مَنْزِلِهِمْ.
جَلَسَ الْوَالِدُ بَعْدَ تَنَاوُلِ طَعَامِهِ الَّذِي فَاحَتْ مِنْهُ رَائِحَةٌ زَكِيَّةٌ غَيْرُ الَّنِي اعْتَادَهَا أَحْمَدُ فِي طَعَامِهِ الْيَوْمِيِّ، ابْتَسَمَ عِنْدَمَا اشْتَمَّ رَائِحَةَ الْبُرْتُقَالِ،
وَقَالَ فِي سِرِّهِ:
- ستُخرِجُ صُرَّةَ بُرْتُقَالٍ أُخْرَى الْآنَ بَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنَ الْعَشاءِ، وَعِنْدَمَا تُعْطِينِي حِصَّتِي سَأَشْتَمُّهَا سَاعَةً كَامِلَةً قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا. مَرّتِ السَّاعَةُ تِلْكَ، ثُمَّ بَدَأَتِ النَّافِذَةُ تَتَحَرَّكُ، فَارْتَعَشَ قَلْبُهُ، وَتَطَايَرَتْ عُيُونُهُ فَرَحًا، هَبَّ لِلْوُقُوفِ وَالتَّهَيُّوِ لِاِسْتِقْبَالِ الضَّيْفِ الْقَادِمِ الَّذِي انْتَظَرَهُ مُنْذُ الصَّبَاحِ، لَهَثَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، أَرَادَ أَنْ يُغَنِّيَ وَيَرْقُصَ، أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَجَلَسَ مُتَرَبِعًا عَلَى عَرْشِهِ، وَبَدَأَ بِفَكٌّ عُقْدَةِ الصُّرَّةِ. صُرَّتُهُ لَا تَحْوِي إِلَّا قُشُورًا
... أَيْنَ الْبُرْتقَالُ؟ ... أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِبُرْهَةٍ قَصِيرَةٍ، كَادَتْ دُمُوعُهُ تَسْقُطُ، ثُمَّ انْتَفَصَ كَعُصْفُورٍ مُبَلَّلٍ، فَقَدْ عَاهَدَ أُقَّهُ يَوْمًا أَلَا يَبْكِيَ، وَهَلْ يَبكِي الرِّجَالُ؟ وَمِنْ أَجْلِ مَاذَا؟ بُرْتُقَالَةٍ !...
بِهُدُوءِ عُمْرٍ زِيدَ عَلَى عُمْرٍهِ، تَنَاوَلَ الْقِشْرَ، وَبَدَأَ بِحَتٍّ بَيَاضِهِ بِأَسْنَانِهِ وَالْتِهَامِهِ بِهُدُوءٍ ...