الوحدة الثّامنة
شَبَكاتُ التّواصل الاجتماعي
عصرُ المعلومات بعد الإنترنت- قضيٌّة إشكاليّةٌ
إنّنا نعيشُ فترةً من عصرِ المعلوماتِ ، وهيَ بدايةُ البدايةِ لهذا العصرِ ، وفي كلِّ مكانٍ أذهبُ إليه تنبثقُ الأسئلة حول الكيفيّةِ التي ستُغيِّرُ بها تكنولوجيا المعلوماتِ حياتَنا ، فالنّاسُ يريدونَ أنْ يفهموا كيفَ ستجعلُ هذه التكنولوجيا المستقبلَ مختلفًا ؟ أسَتجعلُ حياتَنا أفضلَ أمْ أسوأَ ؟
و لقدْ قلتُ فيما سبقَ إنّني شخصٌ متفائلٌ ، و أنا متفائلٌ أيضًا بشأنِ التّكنولوجيا الجديدة ؛ فسوفَ تُجمِّلُ وقتَ الفراغِ ، وتُغني الثّقافةَ من خلالِ توسيعِ نطاقِ المعلوماتِ و توزيعها ، كما ستساعدُ على تخفيفِ الضغوطِ على المناطقِ الحضريَّةِ، من خلالِ تمكينِ الأفرادِ منَ العملِ منَ المنزلِ أو منْ مكاتبَ في مواقعَ بعيدةٍ . وستوفِّرُ لنا ، فضلًا عن ذلك ، سيطرة أكبرَ على حياتِنا ، وتُتيحُ لتجاربِنا ومنتجاتِنا أنْ تُفصَّلَ طبقًا لاهتماماتنا . وسوف يتمتَّعُ مواطنو مجتمعِ المعلوماتِ بفرصٍ جديدةٍ فيما يتعلّقُ بالإنتاجيّةِ والتَّعلُّمِ والتَّرفيهِ والاقتصادِ.
إشكاليّة : قضيّة فكريّة أو ثقافيّة أو اجتماعيّة ، تتضمن التباسًا وغموضًا ، وهي في حاجة إلى تفكير وتأمُّل ونظر لإيجاد حلّ لها / تنبثق : تندفع .
مجتمع المعلومات : مجتمع الاتّصالات العالميّة ، وتُنتج فيه المعلومات بكميّات هائلة ، وتنتشر لتصبح مؤثّرة في الاقتصاد / تُجمّل : تُزيّن / نِطاق : مجال .
موقف بيل غيتس من التكنولوجيا الجديدة
و ربَّما تَمثَّلَ وجهُ القلقِ الشَّخصيِّ الأوسعِ نطاقًا في السُّؤالِ : ( كيفَ يكونُ لي موقعٌ مناسبٌ في الاقتصادِ المتحوِّل ؟ ) فالرِّجالُ والنِّساءُ يُقلقُهم أنْ تصبحَ وظائفُهم شيئًا انتهى زمانُه ، أو أنَّ الطّفْرةَ الاقتصاديّةَ سوف تخلقُ بطالةً بالجملةِ ، وبخاصَّةٍ في صفوفِ العمّالِ الأكبرِ سنًّا . إنَّ كلَّ تلك المخاوفِ مشروعةٌ ومبرَّرةٌ في واقع الأمر ؛ فسوف تختفي مِهَنٌ وصناعاتٌ بكاملِها ، على أنَّ مِهَنًا وصناعاتٍ جديدةً سوفَ تزدهرُ ، ولو رجَعْنا إلى قائمةِ التَّوظيفِ المسجّلةِ ( 1990) في تقرير مكتبِ الإحصاءِ السُّكانيِّ لوجَدْنا أنَّ أغلبيَّتَها لم تكنْ موجودةً قبلَ خمسينَ عامًا .
إنَّ بعضَ النّاسِ يتخوَّفون من أنّه ليس هناك سوى عددٍ محدودٍ من الوظائفِ في العالَمِ ، وأنّه في كلّ مرّةٍ تختفي فيها وظيفةٌ ما ، فإنَّ شخصًا ما يُصبحُ كالسّفينةِ التي جنحَتْ ولمْ تَعُدْ لها وجهةٌ تتّجه إليها ، ولِحُسنِ الحظِّ أنَّ الاقتصادَ لا يعملُ بتلكَ الطّريقةِ ؛ فالاقتصادُ نظامٌ شاسعٌ مترابطُ الأجزاءِ، يصبحُ فيهِ أيُّ مَورِدٍ ( بشَرِيٍّ ) يُعفى من عملِه متاحًا لمجالٍ آخرَ من مجالاتِ الاقتصادِ يجدُه أكثرَ نفعًا ، وجميعُنا يذكرُ الوقتَ الذي استغنَتْ فيهِ شركاتُ كمبيوتر كبيرةٌ ( IBM ) عن أعدادٍ كبيرةٍ من العاملينَ ، فقدْ وجدَ كثيرٌ منْ هؤلاءِ وظائفَ أخرى داخلَ الصّناعةِ ، في شركاتٍ تُنتِجُ أشياءَ مرتبطةً بالحاسوبِ الشَّخصيِّ . وفي كلِّ مرّةٍ تصبحُ فيها وظيفةٌ ما غيرَ ضروريّةٍ ، فإنَّ الشّخصَ الذي فقدَ وظيفَته يصبحُ حرًّا في القيامِ بعملٍ آخرَ ، فالتَّحوُّلاتُ التي نجمَتْ عن منجزاتِ التّقدُّمِ التّكنولوجيِّ أفضتْ إلى توفيرِ مزيدٍ منَ الوظائفِ ، وأومأتْ إلى الكثيرين بضرورةِ مواكبةِ التّكنولوجيا وتعلّمِها .
المفردات :
الطّفرة الاقتصاديّة : انتعاش اقتصاديّ تعيشه الدّولة في مرحلة زمنيّة معيّنة .
بِطالة : بلا عمل ، أيْ تعطَّل عن العمل .
أفضتْ : أدّتْ . / أوْمأت : أشارتْ . / موْرد : مصدر .
مواكبة : مُسايرة / متابعة، جذرها ( وكب ).
الفكرة الرئيسة :
تأثّر الأمن الوظيفيّ الناتج عن ثورة المعلومات والإنترنت .
وثمَّةَ قلقٌ في العلاقاتِ الاجتماعيّةِ المفتوحةِ . نعمْ ، لقدْ أصبحَ الآنَ ممكنًا بالفعلِ أنْ يرسلَ أيُّ إنسانٍ آخرَ رسالةً عبرَ الانترنت ، لأغراضٍ تجاريّةٍ ، أو تعليميّةٍ ، أو حتّى لمجرّد التّسليةِ . وبإمكانِ الطّلبةِ في مختلفِ أنحاءِ العالَمِ أنْ يُرسلوا الرّسائلَ إلى بعضهم بعضًا . كما يمكنُ لأيِّ شخصٍ ملازمٍ لبيتِهِ أنْ يُجريَ محادثاتٍ بالصّوتِ والصّورةِ مع أصدقاءَ ربّما تعذّرَ أن يلتقوا معًا . كذلك استطاعَ المتراسلونَ ، الذين لنْ يرتاحَ كلٌّ منهم للآخرِ لوْ تبادَلوا الكلامَ بشكلٍ شخصيٍّ مباشرٍ ، أنْ يُشكّلوا صداقةً عبرَ الشّبكةِ . وهذهِ إيجابيّاتٌ تزيدُ تقاربَ النّاسِ والشّعوبِ ؛ فَكَمْ مِنْ مَجالٍ رَحْبٍ للتّعارفِ وتقريبِ الأفكارِ وبناءِ جسورِ التّواصلِ المثمرِ سنحصدُ !
المفردات :
رحْب : متّسع
شاسع : واسع .
جنحت : حادت عن الطّريق السّوي .
نجمت : نتجت .
الفكرة الرئيسة :
تأثّر العلاقات الاجتماعيّة الناتج عن ثورة المعلومات والإنترنت.
ومنْ بينِ التّخوُّفاتِ الأخرى التي تساورُ النّاسَ أنَّ الترفيهَ متعدّدَ الوسائطِ سيكونُ الحصولُ عليه سهلًا للغايةِ ، وسيكونُ شديدَ الجاذبيّةِ ، و أنَّ بعضَنا سيستخدمُ النّظامَ بأكثرَ ممّا يتحمّله وقتُه ومقتضياتُ حياتِه ، وهوَ ما يُمكنُ أنْ يصبحَ مشكلةً خطيرةً عندما تصبحُ تجربةُ الواقعِ الافتراضيِّ ممارسةً شائعةً .
إنَّ منَ المؤكَّدِ أنَّ الواقعَ الافتراضيَّ سيكونُ أكثرَ استحواذًا على الانتباه منْ ألعابِ الفيديو ، وأكثرَ قابليّةً للإدمانِ . فإذا ما وجدْتَ نفسَك كثيرَ الهربِ إلى تلك العوالمِ الجذّابةِ ، أو تقصي معها أوقاتًا طويلةً أكثرَ ممّا ينبغي ، فبإمكانِك أنْ تحاولَ أنْ ترحمَ نفسَك منَ الاسترسال معَ التّرفيهِ ، بأنْ تُخبرَ النّظامَ : " أيًّا كانتْ كلمةُ السّرِّ التي أُعْطيتُها ، فلا تدعْني ألعبْ أكثرَ منْ نصفِ ساعةٍ منَ الألعابِ يوميًّا " . إنّ ذلك يمكنُ أنْ يكونَ بمنزلةِ " مطبٍّ " لإبطاء السُّرعةِ ، " إنَّ مطبّاتِ " إبطاءِ السُّرعةِ هذه ستساعدُ كثيرًا دونَ ريبٍ في حالةِ السُّلوكِ الذي يميلُ إلى توليدِ مشاعرِ النّدمِ في اليومِ التّالي .
المفردات :
تُساور النّاس : تشغل فكرهم .
استحواذًا : سيطرة / جذرها الثلاثيّ( حوذ).
مقتضيات حياته : متطلبات .
الواقع الافتراضيّ : تقنية حاسوبيّة توفّر بيئة ثلاثيّة الأبعاد ، تُحيط بالمستخدم وتستجيب لأفعاله بطريقة طبيعيّة .
الاسترسال : الاتّساع والاستمرار فيه. جذرها :( رسل ).
شائعة : منتشرة .
الفكرة الرئيسة :
سيطرة الواقع الافتراضي على حياة النّاس وإدمانه .
ومن بينِ المخاوفِ الرَّئيسةِ الأخرى فيما يتعلّق بطريقِ المعلوماتِ السّريع مسألةُ افتقادِ الخُصوصيّةِ . إنَّ قدْرًا كبيرًا من المعلوماتِ يُجمَعُ بالفعلِ فيما يختصُّ بكلٍّ منّا ، سواءً منْ خلالِ شركاتٍ خاصّةٍ أو إداراتٍ حكوميّةٍ ، فَثَمَّ كمٌّ كبيرٌ منَ التّفاصيلِ الموثّقةِ إلكترونيًّا : السّجلّاتِ الطّبيّة ، سجلّاتِ القيادةِ ، سجلّاتِ المدارسِ ، سجلّاتِ المحاكمِ ، التّسهيلاتِ الائتمانيّة ، السّجلّاتِ الماليّة ... ترسمُ في مُجملِها صورةً موجَزةً لحياتِك ، فالمعلوماتُ المتعلّقةُ بنا تُصنَّفُ روتينيًّا في قوائمِ عناوينَ للتّسويقِ المباشرِ وتقاريرَ للتّسهيلاتِ الائتمانيّةِ ، ومع إجراءِ المزيدِ منَ التّعاملاتِ التّجاريةِ باستخدام طريقِ المعلوماتِ السّريعِ ، وتراكمِ كمِّ المعلوماتِ المخزَّنِ هناك ، فسوفَ تعتمدُ الحكوماتُ وضعَ السّياساتِ فيما يتعلّقُ بالخُصوصيّةِ الشّخصيّةِ وبحقِّ الوصولِ إلى المعلوماتِ . وسُتطبّقُ الشّبكةُ عندئذٍ تلكَ السّياساتِ كافلةً ألّا يصلَ أحدٌ إلى سجلّاتِ الآخرِ الشّخصيّةِ . فالمشكلةُ الكامنةُ هي إساءةُ الاستخدامِ ، لا مُجرَّدُ وجودِ المعلوماتِ . إنَّ هذهِ المخاوفَ بشأنِ الخصوصيّةِ تدورُ كلُّها حولَ إمكانيّةِ أنْ يقومَ شخصٌ آخرُ بتعقُّبِ معلوماتٍ تتعلّقُ بكَ . غيرَ أنَّ طريقَ المعلوماتِ السّريعَ سوفَ يجعلُ بإمكانِ أيِّ شخصٍ أيضًا أنْ يتتّبعَ بانتظامٍ أينَ يقفُ الآنَ ، أيْ : أينَ يعيشُ ما يُمكنُ أنْ نُسمِّيَهُ " حياةً موثّقَةً " .
المفردات :
ثَمَّ : هناك . كَمّ : عدد .
التّسهيلات الائتمانيّة : عمليّات الإقراض والاقتراض .
الكامنة : المختفية . تعقّب : تتبّع . كافلة : متعهدة.
الفكرة الرئيسة :
مخاوف فَقْد الخصوصية بسبب إساءة استخدام ثورة المعلومات .
إنَّ الشّبكةَ سوفَ تجمعُنا معًا ، عندما يكونُ ذلك خيارَنا ، أو ستترُكُنا نوزِّعُ أنفسَنا إلى مليونِ مجتمعٍ ، وقبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ ، وبطرائقَ جديدةٍ ، لا حصرَ لها ، سيوفِّرُ طريقُ المعلوماتِ السّريعُ لنا خياراتٍ تصلُنا بالتّرفيهِ والمعلوماتِ ، وتوصلُنا بعضَنا ببعضٍ . ومنَ الأهميّةِ بمكانٍ أنْ تجريَ مناقشةُ الجوانبِ الطيّبةِ والجوانبِ السّلبيّةِ لمنجزاتِ التَّقدُّمِ التّكنولوجيِّ على أوسعِ نطاقٍ ، بحيثُ يمكنُ للمجتمعِ ككلٍّ – وليسَ للتكنولوجيّينَ وحدَهم – أنْ يوجِّهَ حركتَها .
المفردات :
لا حصرَ لها : غير محدودة .
الفكرة الرئيسة :
الجوانبِ الطيّبةِ والجوانبِ السّلبيّةِ لمنجزاتِ التَّقدُّمِ التّكنولوجيِّ.
================================================================================
أتعرَّفُ كاتبَ النّصِّ
وليام هنري غيتس ، المشهورُ باسم ( بيل غيتس ) ، و ( بيل ) هو اختصارٌ لاسمِ ( وليام ) في الولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّة . وُلِدَ في سياتل بواشنطن في عام ( 1955 ) ، وأظهر مُنذُ الصِّغر اهتمامًا كبيرًا بالمطالعةِ .
أنهى بيل دراسته الثّانويّة في عام ( 1973 ) ، واجتازَ اختبارَ القبولِ في الجامعةِ بمعدّلِ ( 1590 درجةً من أصل 1600 ) . والتحق بجامعةِ هارفرد وتركها بعد عامين ؛ ليؤسِّسَ معَ صديقِه ألين شركة ( ما يكرو سوفت ) .
أَتَعَرَّفُ جَوَّ النَّصِّ
هذه المقالة جزء من كتاب ( المعلوماتيّة بعد الإنترنت – طريق المستقبل ) صدر في عام ( 1995 ) ، وتُرجِمَ إلى العربيّة ( 1998 ) . وضّح الكتاب كيف ستتاثَّر حياة النّاس بتطوّر صناعة الحاسوب وبرمجيّاته وثورة الإنترنت ، ورسم طريق المستقبل القريب ، مُظهرًا أنَّ للتّكنولوجيا قدرة على صناعة مستقبل تسير على خُطاه الحكومات والشّركات والأفراد في العالم .
ومقالة ( عصر المعلومات بعد الإنترنت – قضايا إشكاليّة ) تعالج بعض القضايا الإشكاليّة ، التي يهاجم المعارضون والمتخوّفون هذه الثورة المعلوماتيّة ؛ لذلك ردَّ بيل غيتس عليهم بأسلوب إقناعيٍّ مبنيٍّ على الحُجّة والدّليل ، فهو متفهِّم لمخاوف النّاس من الانعكاسات السلبيّة لعصر المعلومات ، ومعنيٌّ بالرَّدِّ على مُعارضيه ؛ لأنّه عامل مؤثّر في هذا التّغيير ، ولأنّ للمعارضين أدلّة منطقيّة تستحقّ الوقوف عندها دون تجاهلها .
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------