اللغة العربية 11 فصل أول

الحادي عشر خطة جديدة

icon
( الإعلامُ ومَشروعُ النُّهوضِ في اللُّغةِ العربيَّة)

 الفقرة الأولى: مكانة الإعلام وتطوره التّاريخيّ

بلغ الإعلام مكانة عالية في العصر الحديث؛ حتّى عد من أخطر السّلطات في المجتمع. وتاريخ البشريّة من عصور نفش الأحجار إلى بثّ الأقمار يمكن رصده متوازيًا مع تطور وسائل الاتّصال، ويشهد هذا التّاريخ أن الاتّصال كان دومًا  وراء كل وفاق وصراع؛ فكلاهما ينشأ ابتداءً في عقول البشر.

يؤكّد الكاتب على أنّ الإعلام وصل في العصر الحديث إلى مكانة بالغة الأهميّة، حتّى أصبح يُصنَّف ضمن أخطرِ السُّلُطاتِ في المجتمعِ. تاريخيًّا يرتبط تطور البشريّة منذ القدم (نقش الأحجار) وحتّى العصر الحالي (بث الأقمار) بتطور وسائل الاتّصال، حيث كان الاتّصال دائمًا هو السّبب الكامن وراء كل وِفاقٍ وصراع بشريّ، كونُ المَنشأ الفعليّ لهما هو عقولُ البشرِ.

الفقرة الثّانية :التّحوّلات الجوهريّة ودور الإعلام الجديد

وبفعل الثورة الهائلة في عصر المعلومات حدثت تغيرات جوهرية في دور الإعلام، جعلت منه محوراً أساسيًا في منظومة المجتمع؛ فهو اليوم محور الاقتصاد العالميّ، وغزت وسائله الإلكترونيّة الحديثة ساحة الثّقافة، حتّى أطلق بعض المفكرين عليها: "ثقافة التّكنولوجيا " و"ثقافة الوسائط المتعددة ". وكما لقب أرسطو بالمعلم الأوّل فقد حاز (والت ديزني) على لقب "المعلم الأعظم"؛ بعد أن باتت الثّقافة: إعلامها وترفيهها تصنيعًا لا تنظيرًا.

 أحدثت الثّورةُ الهائلةُ في عصرِ المعلوماتِ تحوّلات جذريّة في دور الإعلام، جعلته مِحْورًا أساسيًّا في المجتمع، بل ومِحْورَ الاقتصادِ العالميِّ. ومع غزو الوسائل الإلكترونيّة لساحة الثّقافة، ظهرت مصطلحات مثل "ثقافةَ التّكنولوجيا" وثقافةَ الوسائطِ المتعدِّدةِ. ويضرب الكاتب مثلًا بـ والت ديزني كـ "المُعلِّم الأعظم" مقارنة بأرسطو، للإشارة إلى أنّ الثّقافة اليوم أصبحت تعتمد على التّصنيع لا التّنظير (أي الإنتاج الإعلاميّ والتّرفيهيّ الضّخم .

الفقرة الثّالثة: عوامل قوّة الإعلام وخصائصه التّراكميّة

ووقفت وراء ثورة الإعلام والاتّصال عوامل متعددة؛ وعلى رأسها: التّقدم الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، وعولمة الاقتصاد وما تتطلبه من إسراع في تدفّق المعلومات، والتّوظيف المتزايد لوسائل الإعلام في السّياسة، في عالم زاخر بالصّراعات والتّناقضات. وقد بلغ التّواصل بين النّاس أقصى مداه بسبب ثورة الإعلام الرّقميّ، الّذي دخل كل بيت، وبات يؤثّر في تفكير ملايين النّاس على اختلاف اهتماماتهم وأعمارهم. وهو يمثّل حالة من حالات الاستحواذ؛ إذ يقدّم للأفراد المعلومة والتّوجيه مع الثّقافة والتّرفيه، ويتمتع بخاصية الفعل الاستمراريّ والتّأثير المتراكم والمنوّع، وهو بهذا خيار مستمر ودائم للتّعليم والتّوجيه والتّثقيف والتّرفيه، ولم يعد الإعلام ناقلًا للخبر فحسب، بل مؤثّرًا رئيسًا في صناعة الأحداث وتوجيهها.

 تعدّدت العوامل الّتي دفعت ثورة الإعلام، أبرزها: التَّقدُّمُ الهائلُ في التّكنولوجيا، وعَوْلَمةُ الاقتصادِ، والتَّوظيفُ المُتزايدُ لوسائلِ الإعلامِ في السِّياسةِ. نتيجة لذلك، وصل التّواصل بين النّاس إلى أقصى مداه. يمتلك الإعلام خاصيّة الاستحواذ على الأفراد بتقديم المعلومة والتّوجيه مع الثّقافة والتّرفيه، ويتميّز بـ الفِعْلِ الاستمراريِّ والتَّأثيِرِ المُتراكمِ. ولهذا، أصبح الإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل مُؤتِّرًا رئيسًا في صناعةِ الأحداثِ وتوجيهِها.

الفقرة الرّابعة: واجب اللغة الإعلامية وأثرها الاجتماعيّ ودورها في إحياء الفصحى

ولأنّ الإعلاميّ ينعت بـ "مؤرخ اللحظة"، ولأن الإعلام من أكثر الأنشطة الاجتماعيّة استخداماً للغة، وجب على لغته أن تتواءم مع طبيعة الأحداث التي تعبر عنها، وأن تحسن من طرائق تعبير النّاس عن الحياة والأشياء والمواقف، وأن تغير أنماط التّفكير، وتنهض بالأداء اللغويّ للمجتمع كلّه، ويمكن للقائمين على الإعلام العربيّ أن يكتبوا لمستقبل العربيّة سفرًا جديدًا، بجعل الفصيحة لسان الخطاب في المجتمع كلّه؛ فلغة الإعلام تعدّ الوسيلة المثلى لتعليم اللغة ونشرها؛ لأسباب من أهمها: أنّ الإنسان المعاصر يقضي من ساعات يومه مع وسائل الإعلام أكثر مما يقضي على مقاعد الدّرس؛ فهي تلازمه في كل مكان، ومن الطّبيعي أن يتأثر بلغة ما يصل إليه سلبًا أو إيجابًا. وينبغي ألّا تقتصر مهمة الإعلام العربيّ على التّوعيّة والتّثقيف، بل الحفاظ على وجود الأمة العربيّة وخصائصها الّتي أبرزها اللغة والعقيدة، وهيهات أن يرسخ الشّعور بوجود الأمّة والانتماء إليها بغير لغتها.

 يُلقب الإعلامي بـ "مؤرِّخِ اللَّحظةِ"، ونظرًا لاعتماد الإعلام الكبير على اللغة، فإن لغته عليها واجبات تجاه المجتمع، منها: التَّوائمُ مع طبيعة الأحداث، تحسينُ طرائقِ تعبيرِ النَّاسِ، تَغييرُ أنماطِ التَّفكيرِ، والعمل على النُّهوضِ بالأداءِ اللُّغويِّ للمجتمعِ كلِّهِ،يُمكن للإعلام العربيّ أن يُساهم في مستقبلِ العربيَّةِ بجعل الفصيحةِ لسانَ الخطابِ. لغة الإعلام هي الوسيلةَ المُثلى لتعليمِ اللّغةِ ونشرِها لأن الإنسانَ المُعاصِرَ يَقضي وقتًا مع الإعلام أكثرَ ممَّا يَقضي على مقاعدِ الدَّرسِ. لا يجب أن تقتصر مهمة الإعلام على التّوعية والتّثقيف، بل يجب أن تشمل الحِفاظِ على وُجودِ الأُمَّةِ وخصائصِها، وعلى رأسها اللغة.

الفقرة الخامسة : الإعلام كبيئة سماعيّة ومدرسة لغويّة

وقد بين أصحاب الخبرات في البحث اللغويّ واللسانيّ وتعليم اللغات أن أفضل طريقة لتعليم اللغة خلق بيئة سماعيّة تنطق فيها العربيّة الفصيحة بمفرداتها وتراكيبها، وذلك حين تستمع إليها فتطيل الاستماع، وتحاول التّحدث بها فتكثر المحاولة، وحين نكل إلى موهبة المحاكاة أن تؤدّي عملها في تطويع اللغة وتملكها، كما تشير دراسات لغويّة عديدة إلى أن لغة طلبة المراحل الأولى من التّعليم هي مزيج ممّا يسمعونه في الإذاعة والتّلفزيون، وفي الحديث اليوميّ، وكذلك في المؤسسة التّعليمية؛ وبذلك لم تعد المدرسة تحتكر عمليّة إغناء الرّصيد اللغويّ للمتعلّم. ويمكن لوسائل الإعلام أن تكون هذه البيئة السّمعيّة، فتتحول إلى مدرسة متفوّقة لتعليم اللغة، وتسريب الصّواب اللغويّ إلى النّاس بصورة تلقائيّة؛ فتنطلق الألسن بلغة فصيحة، نستمع إليها فتنطبع في نفوسنا، ونحاكيها فتجري بها ألسنتنا فنملك اللغة من أيسر طرقها .

 أفضل طريقة لتعليم اللغة هي خَلْقُ بيئةٍ سماعيَّةِ تنطق فيها الفصحى، ممّا يعتمد على إطالة الاستماع والإكثار من المحاولة، واستغلال موهبة المُحاكاةِ. لغة الطّلبة هي مزيج مما يسمعونه في الإعلام والحديث اليوميّ والمدرسة، مما يعني أن المدرسة لم تعد تحتكر عملية إغناء الرّصيد اللغويّ. لذلك، يمكن للإعلام أن يكون البيئةَ السَّماعيَّةَ ويتحول إلى مدرسةٍ متفوِّقةٍ لتعليمِ اللَّغةِ، ويسرّب الصّواب اللغويّ للنّاس تلقائيّ

 

الفقرةالسّادسة : إسهامات الإعلام في تطوير العربيّة وتحدياتها

وللغة الإعلام أثر في الارتقاء بلغة الجمهور، وفي التّوجيه والتّأثير؛ لما تمتلكه من وسائل جماهيريّة نافذة تخترق كل الحواجز والحجب؛ فالإعلام يستخدم قوّة الكلمة، ويتوغل في مختلف شعب الحياة الإنسانيّة. كما أن للغة دورًا كبيرًا في تكوين الرّأي العام، وهو المنبع الّذي تصدر عنه أحكام الجماهير؛ فالإعلام هو التّعبير الموضوعيّ لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها. وقد أدخلت لغة الإعلام "العربيّة" في سياق تطوّر نوعيّ؛ فأضافت إليها تعبيرات، ووسعت من نطاق استعمالها، ووسعت الثّروة اللغويّة، ولها دور في التّخلّص من بعض الزّخارف اللفظيّة؛ كالمحسنات البديعيّة، وحل محل ذلك الأسلوب السّهل السّريع الّذي يحرص على المادّة الفكريّة والعاطفيّة والتّعبير عنها، أكثر ممّا يحرص على البهرجة اللغويّة. ويمكن أن يقال: إن الإعلام قد ارتقى بلغة الجماهير إلى المستوى الفصيح السّائغ الأصيل والمؤدّي إلى الارتباط بلغة التّراث، وإلى التّفاعل المثمر مع نماذجها والنّتاجات البليغة المدوّنة بها، وله دور في إحياء بعض المفردات المهجورة القديمة للتّعبير عن معان جديدة، وفي توليد ألفاظ جديدة للمعاني المستجدّة. إلّا أنّ الدّارس للأداء اللغويّ في وسائلنا الإعلاميّة يجد فيه ضعفًا مؤسفًا ومن أبرز مظاهره: مزاحمة اللهجات المحليّة للعربيّة الفصيحة في لغة الإعلام المرئيّ والمسموع، وكثرة الأغلاط اللغويّة في النّحو والصّرف والدّلالة، ومنه كذلك انتشار المفردات الأجنبيّة في لغة الإعلام من مثل: (سيناريو)، و(جرافيك)، و(هاشتاغ). وهذا تضحية بأهم الدّعامات في وحدتنا الثّقافية؛ إذ إنّ سلامة اللغة مطلب غير قابل للنّقاش، وفيه يقول الإعلاميّ الفرنسي (فيليب غايار): "إنّ الخاصيّة الأساسيّة للكتابة الصّحفيّة هي سلامة اللغة". والعربيّة تمتاز بأساليبها اللغويّة المتنوّعة، وهي قادرة على التّعبير عن الحياة بتفاصيلها، وترتبط بروح الأمّة العربيّة وتجاربها المتراكمة، وتمتاز بمرونة عظيمة، وبغزارة المفردات، وتتيح لمستعمل اللغة خيارات تركيبيّة واسعة للتّعبير عن أفكاره، وقد جعلت للإعلاميين ذلولًا، فما عليهم سوى المشي في مناكبها. وهذا يرتب على رجال الإعلام مهمّة تقديم العربيّة في لبوسها الجميل القريب لكل الفئات. ويمكن الإعلام أن يقوم بدور "حصان طروادة" في كل ذلك، شريطة وضع خطة مدروسة. كتب الأديب الفرنسيّ (جول فيرن) قصّة من الخيال مؤداها أن مجموعة من الباحثين حفروا نفقًا باتّجاه مركز الأرض، وأنّهم بلغوه، ثم غادروه بعد أن تركوا فيه عبارة باللغة العربيّة تخلد إنجازهم. ولما سئل الأديب الفرنسيّ: لماذا اخترت أن تكون العبارة بالعربيّة؟ قال: لأنّها لغة المستقبل. ولا ريب أن الارتقاء بواقع العربيّة في وسائل الإعلام هو خطوتنا الكبرى باتّجاه ذلك المستقبل.

للغة الإعلام أثر كبير في الارتقاءِ بلغةِ الجمهورِ وتكوين الرَّأيِ العامِّ. وقد أحدثت تطورًا نوعيًّا في العربيّة، حيث: تخلّصت من الزّخارف اللفظيّة، وحلّ محلّها الأسلوبُ السَّهلُ السَّريعُ، وأضافت تعبيرات جديدة، وأحيت مفردات مهجورة، وولّدت ألفاظًا جديدة للمعاني المستجدّة، وارتقى بلغة الجماهير إلى المستوى الفَصيحِ السَّائغِ.

لكن يعاني الأداء اللغويّ من ضَعفٍ مُؤسِفٍ، مظاهره: مُزاحمةُ اللَّهجاتِ، وكثرةُ الأغلاطِ اللُّغويَّةِ، وانْتشارُ المفرداتِ الأجنبيَّةِ. تؤكّد الفقرة أنّ سلامةَ اللُّغةِ مَطلبٌ غيرُ قابلٍ للنِّقاشِ (استشهادًا بـ فيليب غايار). وفي الختام، تؤكّد الفقرة أنّ اللغة العربيّة قادرة على التّعبير، وأن الإعلام يمكن أن يقوم بدور "حصان طروادة" لتقديمها في لبوسها الجميل، وأن الارتقاء بواقع العربيّة في الإعلام هو خطوتنا الكبرى نحو المستقبل استشهادًا بجول فيرن

كتاب صورة اللّغةِ العربيّةِ في وسائلِ الإعلامِ والاتّصالِ، ط1،عمّان: 2014، بتصّرّف.

المفرادات الواردة في النّص :

تغيّرات جوهريّة

 تغيّرات في ذات الشّيء وأساسه

محور

موضوع مهم تدور حوله الأفكار

زاخر

 مليء

يُنعت

يُوصَف

هيهات

اسم فعل ماضٍ بمعنى بعد

يرسِّخ

يُثَبِّت

تطوير اللغة

جعل اللغة سهلة ومرنة

الحجبُ

مفردها حجاب، السّاتر والمانع

شُعَب

فروع مفردها شعبة

الدِّعامات

مفردها دعامة  وهي عماد الشّيء وركيزته الأساسيّة

لَبوس

لباس أي ما يلائمها

لا ريب

لا شك

 

 

 

 

 

Jo Academy Logo