من القيم الإنسانيّة في القرآن
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ۖ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النّساء: 58]
الله تعالى يأمر النّاس أن يؤدّوا الأمانات إلى أصحابها، سواء كانت أموالًا أو أسرارًا أو مسؤوليّات ويأمرهم إذا قضوا بين النّاس أن يحكموا بالعدل دون ظلم أو ميل، ويبين أن ما يأمر به هو موعظة عظيمة فيها الخير، ويختم بأنّ الله يسمع كل قول ويبصر كل فعل.
الخلاصة:
الآية الكريمة توضّح قيمتين أساسيتين لبناء المجتمع: الأمانة والعدل، فالقيمتان كأساس في حياة الفرد والمجتمع، وتربطها برقابة الله عزّ وجل.
|
المفردة ( الكلمة) |
المعنى
|
|
يأمركم |
يكلفكم ويطلب منكم |
|
تؤدّوا |
تعطوا وتوفوا وتردّوا |
|
الأمانات |
كل ما يستحفظ عليه من حقوق مادية |
|
أهلها |
أصحابها المستحقون لها (أصحاب الأمانات) |
|
تحكموا |
تقضوا وتفصلوا بين النّاس |
|
بالعدل |
بالحقّ والإنصاف دون ميل أو ظلم |
|
نعمّا |
نعمَ + ما = نعمّا وتعني نِعمَ الشيء ( مدح وثناء) |
|
يعظكم |
ينصحكم ويوجهكم إلى مافيه الخير |
|
سميعا بصيرا |
صفتان لله عز وجل، أي مطّلع على أقوالكم وأفعالكم |
2. سبب النّزول
ورد أن الآية نزلت في عثمان بن طلحة حين أُخذت منه مفاتيح الكعبة يوم الفتح، فأمر الله أن تُعاد له أمانته، لكن المعنى عام، يشمل كل الأمانات والأحكام.
3. الأساليب الإنشائيّة والبلاغيّة:
- الأساليب الإنشائيّة
الأسلوب الإنشائيّ في هذه الآية هو الإنشاء الطّلبيّ، ويتجسد في الأمر الّذي يحمل معنى الإلزام:
أَنْ تُؤَدُّوا: المصدر المؤوّل (أن + الفعل المضارع) هنا جاء في محل نصب مفعول به لـ"يأمركم"، وهو أمرٌ صريحٌ بإيتاء الأمانات لأصحابها.
أَنْ تَحْكُمُوا: المصدر المؤوّل هنا أيضًا في محل نصب مفعول به، وهو أمرٌ بالحكم بالعدل.
- الأساليب البلاغيّة
تشتمل الآية على عدة أساليب بلاغية بارزة:
أسلوب المدح: في قوله تعالى: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾. حيث استخدمت "نِعْمَ" للدّلالة على المدح والثّناء، أي أن موعظة الله لكم بإيتاء الأمانات والحكم بالعدل هي من أعظم المواعظ وأحسنها.
التّقديم والتّأخير: في جملة ﴿أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾، قُدِّمت الأمانات على أهلها، هذا التّقديم يفيد الاهتمام بالأمانات نفسها، ويؤكّد على وجوب تسليمها لمستحقيها دون تأخير أو تباطؤ.
الالتفات: هو انتقال من ضمير إلى آخر. في الآية الكريمة، كان السّياق يتحدث عن الله تعالى بضمير الغائب في "يأمركم"، ثم انتقل إلى ضمير المتكلم في قوله ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾، ثم عاد إلى ضمير الغائب في ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، فعند هذا الالتفات يجدد انتباه السّامع ويُحيي المعنى في نفسه، كما أنه يعطي الجملة قوّة وتأكيدًا.
الختم بالأسماء الحسنى: ختمت الآية بـ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وهذا الختام ليس مجرد ذكر لأسماء الله، بل هو تعليل وتأكيد لما سبقه من أوامر، فالله "سميع" لكل ما يقال، و"بصير" بكل ما يُفعل، وهذا يمثل رادعًا للمخالفين وحافزًا للملتزمين.
4. النّحو والصّرف
- إنَّ الله يأمركم: جملة مؤكّدة بـ “إنّ”.
- أن تؤدّوا: “أن” مصدريّة والفعل مضارع منصوب.
- الأمانات: مفعول به أول لـ “تؤدّوا”.
- إلى أهلها: جار ومجرور متعلّق بـ “تؤدوا”.
- وإذا حكمتم بين النّاس: “إذا” شرطيّة، والفعل “حكمتم” ماضٍ في محل جزم فعل الشّرط.
- أن تحكموا بالعدل: مصدر مؤول في محل جواب الشّرط.
- إن الله نعمّا يعظكم به: “نعمّا” فعل جامد يفيد المدح.
5. أسئلة يمكن استخراجها
أ. ما المقصود بالأمانات في قوله تعالى: “أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها”؟
المقصود: كل ما استُحفظ عليه الإنسان من حقوق ماديّة (كالمال والودائع) أو معنويّة (كالأسرار والمسؤوليّات)، ويجب ردّها إلى أصحابها.
ب. ما الأسلوب البلاغيّ في قوله: “إن الله نعمّا يعظكم به”؟
أسلوب مدح باستخدام الفعل الجامد “نِعِمَّا”، وفيه إيجاز بليغ يبين عظمة ما يعظ الله به.
ت. ما إعراب كلمة “الأمانات” في الآية؟
الأمانات”: مفعول به أول منصوب للفعل “تؤدّوا”، وعلامة نصبه الكسرة لأنّه جمع مؤنّث سالم
ث. كيف تُظهر الآية ارتباط القيم الإنسانيّة بالرقابة الإلهيّة؟
أمرت بالعدل والأمانة (قيم إنسانيّة)، وختمت بصفات الله: “سميعًا بصيرًا”، لبيان أن تطبيق هذه القيم مرتبط برقابة الله وإحاطته بأفعال العباد.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[الحجرات: 13]
الله تعالى يخاطب جميع البشر ويبين أن أصلهم واحد (من ذكر وأنثى)، وقسمهم إلى شعوب وقبائل، لا ليتميّزوا على بعض، بل ليعرف بعضهم بعضًا كما يوضح أنّ التّفاضل الحقيقيّ بين النّاس ليس بالنّسب أو المال أو اللون، بل بالتّقوى، ويختم بصفتي الله: العليم الخبير، أي المطلع على حقيقة أعمال النّاس ونياتهم.
الخلاصة:
الآية تؤكّد قيمة المساواة بين البشر، وتنفي أي تمييز على أساس النّسب أو العرق، وتجعل معيار التّفاضل الوحيد هو التّقوى ووحدة البشر جميعًا، ومعيار التّفاضل هو التّقوى.
1. معاني المفردات
- شعوبًا: جماعات كبيرة.
- قبائل: جماعات أصغر من الشّعوب.
- أكرمكم: أعظمكم قدرًا عند الله.
- أتقاكم: أكثرُكم التزامًا بطاعة الله واجتناب معاصيه.
2. سبب النّزول
نزلت حين تنازع بعض الصّحابة في التّفاضل بالأنساب، فأوضح الله أن التّفاضل الحقيقيّ ليس بالعرق أو النّسب وإنّما بالتّقوى.
3. الأساليب البلاغيّة والإنشائيّة
• النّداء: “يا أيها النّاس” أسلوب نداء عام يشمل جميع البشر.
• التّوكيد: “إنّا خلقناكم” دخول “إنّ” للتّوكيد.
• الحصر: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” حصر معيار الكرامة في التّقوى.
4. النّحو والصّرف
•يا أيّها النّاس: “يا” أداة نداء، “أي” منادى مبنيّ على الضّم، و”ها” للتّنبيه، و”النّاس” بدل.
•إنّا خلقناكم: “إنّ” واسمها “نا”، “خلقناكم” فعل وفاعل ومفعول به.
•شعوبًا وقبائل: مفعول به ثانٍ منصوب لـ “جعلناكم”.
•لتعارفوا: لام التّعليل + فعل مضارع منصوب.
•إن أكرمكم عند الله أتقاكم: جملة مؤكّدة بـ “إن”، و”أكرمكم” اسمها، وخبرها “أتقاكم”.
5. أسئلة يمكن طرحها
ما المقصود بالشّعوب والقبائل في الآية؟
ما الشّعوب: جماعات كبيرة، و القبائل: جماعات أصغر منها.
ما الغاية من جعل النّاس شعوبًا وقبائل؟
للتّعارف فيما بينهم، لا للتّفاخر أو التّمييز.
ما معيار التّفاضل بين النّاس في الإسلام؟
التّقوى هي المعيار الوحيد للتّفاضل بين البشر
}إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ (95) فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ (96) وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡآٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ (97) وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡآيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ (98) وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ الَآيَٰٓتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ {
تبدأ الآيات الكريمة في سورة الأنعام بدعوة صريحة للتّأمل في مظاهر قدرة الله وعظمته في الكون، فالله سبحانه وتعالى هو فالق الحب والنّوى، أي شاق البذرة ليخرج منها النّبتة الحيّة، وهو الّذي يخرج الشيء الحي من الشّيء الميت (كإخراج النّبات من الأرض اليابسة)، ويخرج الشّيء الميّت من الشّيء الحي (كإخراج البيضة الميّتة من الدّجاجة الحيّة). وهذا دليل عظيم على قدرة الله على البعث والإحياء.
تنتقل الآيات بعد ذلك إلى مظاهر أخرى في الكون، فالله هو فالق الإصباح، أي شاق ظلمة الليل ليخرج منها ضياء النّهار، وهو الّذي جعل الليل سكنًا للرّاحة، وجعل الشّمس والقمر يسيران بحساب دقيق (حسبانًا لتحديد الأوقات والسّنوات. وهذا النّظام الكونيّ المحكم دليل على أن الكون يسير بتدبير من العزيز العليم.
كما خلق الله النّجوم لتكون هادية للنّاس في ظلمات البرّ والبحر، وهذا يدلّ على أن كل شيء في هذا الكون له وظيفة وهدف، ثمّ يشير إلى خلق الإنسان من نفس واحدة، وهذا يوضّح أصل البشريّة ووحدتها.
وفي ختام الآيات، يتحدث عن نعمة نزول المطر من السّماء، وكيف يخرج الله به أنواع النّباتات المختلفة، من الحبوب المتراكمة إلى القنوان الدّانية في النّخل، بالإضافة إلى بساتين العنب والزّيتون والرّمان الّتي قد تتشابه في الشّكل وتختلف في الطّعم، داعيًا إلى النّظر في ثمرها حين يظهر وحين ينضج، كدليل واضح على قدرة الخالق.
المعاني والمفردات
فالق الحب والنّوى: شاق البذرة الصّلبة لإخراج النّبات منها.
يخرج الحيّ من الميت: كإخراج النّبات من البذرة.
مخرج الميّت من الحيّ: كإخراج البيضة من الدّجاجة.
فأنى تؤفكون: كيف تصرفون عن الحق وتكذبون؟
فالق الإصباح: شاق ظلمة الليل بنور الصّباح.
سكنًا: راحة وطمأنينة.
حسبانًا: بحساب دقيق ومنظم.
مستقر ومستودع: فالمستقر هو الحياة الّدنيا حيث يستقر الإنسان، والمستودع هو القبر.
خضرًا: زرعًا أخضر.
حبًا متراكبًا: حبوبًا متراكمة بعضها فوق بعض في السّنابل.
قنوان دانية: عذوق قريبة من الأرض يسهل قطفها.
مُشتبِهًا وغير مُتشابه: متشابهًا في المنظر ومختلفًا في الطّعم والرّائحة.
ينعه: نضجه.
القواعد النّحوية والأساليب البلاغيّة
- التّقديم والتّأخير: في قوله تعالى: "إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَى"، قدم صفة الفلق لبيان أهميتها وقوتها في الدّلالة على القدرة الإلهيّة.
- الأسلوب الإنشائيّ: في قوله تعالى: "فَأَنَّى تُؤۡفَكُونَ" و "ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦ"، فالأول استفهام إنكاريّ للتّعجب من صرفهم عن الحق، والثّاني أمر مباشر للتّفكر والتّدبر.
- التّشبيه: احتوت الآيات على مشاهد القدرة الإلهيّة باستخدام التّشبيه.
- الجناس النّاقص: في قوله: "مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ"، حيث يدلّ على التّنوع والاختلاف رغم التّشابه الظّاهريّ.
- التّوكيد: في قوله: "إِنَّ فِي ذَٰلِكُم لَأٓيَٰتٍ"، فـ"إنّ" ولام التّوكيد "لآيات" يؤكدان وجود الدّلائل والبراهين.
أسئلة يمكن استخراجها
ما هي أهم مظاهر قدرة الله الّتي ذكرتها الآيات؟
أهم المظاهر هي: فلق الحب والنّوى وإخراج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ، وفلق الإصباح، وجعل الليل سكنًا، وتقدير الشّمس والقمر، وخلق النّجوم للهداية، وإنزال المطر لإنبات الثّمار المتنوّعة.
لماذا يصف الله الليل بأنّه "سكنًا"؟
يصفه بذلك لأنّه مكان للرّاحة والطّمأنينة بعد عناء النّهار، وهو ضروري لتجديد النّشاط والحيويّة.
ما هي الحكمة من خلق النّجوم كما ذكرتها الآية؟
الحكمة هي أن تكون وسيلة هداية للنّاس لمعرفة الطّرق في ظلمات البرّ والبحر.
ما المقصود بـ "مستقر ومستودع" في سياق خلق الإنسان؟
المستقر هو مكان استقرار الإنسان في الحياة الدّنيا، والمستودع هو القبر الّذي يودع فيه بعد الموت، أو قد يعني الأرحام الّتي هي مستودع للأجنّة.
ما الدّلالة البلاغيّة في قوله تعالى: "مشتبهًا وغير متشابه"؟
الدّلالة هي أنّ الله يخلق أنواعًا من الثّمار قد تتشابه في الشّكل الظّاهري، ولكنها تختلف في الطّعم والرّائحة والخواص، وهذا يدلّ على دقة الخلق وعظمته.

1. القرآن: خارطة طريق لبناء الإنسان
إن ما يميّز القرآن هو نظرته الشّمولية للإنسان، فهو لا يركز فقط على الشّعائر التّعبديّة، بل يولي اهتمامًا خاصًا للجانب النّفسيّ والقيميّ، وهذا ما يجعل منه خارطة طريق حقيقيّة لبناء جيل واعٍ، قادر على القيام بدوره كخليفة في الأرض، هذا الدّور يتطلّب أكثر من مجرد الإيمان؛ إنه يتطلب أخلاقًا وقيمًا راسخة تكون أساسًا للعمران والبناء.
2. قيم إنسانيّة من وحي القرآن
النّصوص القرآنيّة تلك، تقدّم منظومة قيم متكاملة، يمكن تلخيصها في النّقاط الآتية:
- العدل: هو الأساس الّذي تقوم عليه العلاقات الإنسانيّة، القرآن يجعله ليس مجرد مبدأ قانونيّ، بل هو سبيل إلى التّقوى، أي الوعي والخشية من الله، هذا الرّبط بين العدل والتّقوى يؤكد أن السّلوك الأخلاقيّ ليس منفصلًا عن الإيمان.
- التّقوى: هي المعيار الحقيقيّ للتّفاضل بين النّاس، القرآن يرفض كل أشكال التّفرقة على أساس العرق أو اللون أو النّسب، ويجعل الميزان الوحيد هو التّقوى، فهذا المبدأ يرسخ قيمة المساواة الإنسانيّة ويقضي على كل أشكال العنصريّة.
- التّأمّل والتّفكّر: القرآن يكرم العقل الإنسانيّ ويدعو إلى استخدامه للتّأمل في الكون، فهذه الدّعوة ليست مجرد حث على العلم، بل هي في جوهرها اعتراف بكرامة الإنسان وقدرته على الإدراك والتّفكير، مما يؤهّله ليكون خليفة في الأرض.
- التّسامح والعفو: يظهر القرآن أنّ التّسامح ليس ضعفًا، بل هو قوة تدفع الشّر والجهل والإساءة، هذا المبدأ يتكامل مع قيمتي الشّورى والعفو، حيث الشّورى هي أساس الحكم، لأنّها تضمن المشاركة والعدل، بينما العفو هو قمة الأخلاق، لأنّه ينشر المحبة ويعالج أسباب الخصام فعند هذا التّناغم بين الشّورى والعفو يعكس توازنًا فريدًا بين مبدأ الحكم الرّشيد والسّلوك الفرديّ النّبيل.
نستنتج أن:
إن هذه المنظومة من القيم، الّتي تتراوح بين العدل والتّقوى والتّفكّر والتّسامح، ليست منفصلة عن بعضها، بل هي متكاملة ومتشابكة فهي تشكل مجتمع متينًا لبناء إنسان صالح، قادر على تحقيق رسالته في هذه الحياة، ففهم هذه القيم وتطبيقها هو السّبيل لتحقيق الغاية الّتي من أجلها أنزل القرآن