اللغة العربية7 فصل أول

السابع

icon

 

جرش مدينة الأعمدة

كان الصبي يتراكض مع أترابه بين أعمدة جرش وشوارعها العتيقة، بين آثار هذه المدينة الساحرة، ويطبع في ذهنه المشاهدات وهذِهِ الرُّوى الخالداتِ؛ من الساحة الرئيسة، إلى المسرح الجنوبي، إلى المدرج، إلى شارع الأعمدة، إلى قبو زيوس(، إلى استراحة جرش السياحية. كَبَرَ الصَّبي وكبر معه حبه وعشقه لسهول جرش، وجبال جرش، ووديان جرش، وشمس جرش الساطعة التي يراها على جدرانها أظهر منها على جدران جاراتها، حتى النهار هناك أجمل؛ فهو يحتضن جرش. يتناول الصبي ريشته وألوانه، ويحاول رسم شارع الأعمدة، يُمَرْقُ الصفحات: الأولى، والثانية، والثالثة إلى أن ينال رضا أستاذه. كبِرَ الصَّبي وأصبح فتى يافعا، ومشاركة منه في يوم النشاط المدرسي جمع بعض الصور التي التقطها لهذه المدينة في رحلاته، وأضاف إليها بعض البطاقات والرسومات التي ابتاعها مِنْ أَكَشَاكِ رَبَّةٍ عَمُونَ ومكتباتها، وإن شئت فإنك تستطيع تسميتها (فيلادلفيا). أقول : جَمَعَ هذه الصُّور والبطاقاتِ وَوَضَعَها بصورة أنيقة في كراسة خاصةٍ مِنْ صُنْعِه،ِ وقدَّمَهَا إِلَى مَعْرِضِ مدرسته، فنال استحسان مدير المدرسة وأساتذتها وتقديرهم، ومنح جائزة تقديرية. ظَلتْ جرش تعيش في وجدان هذا الفتى الحالم، وكانت أشبه ما تكون بالمدينة الفاضلة عنده، وظَلَّ عِشْقُهُ لَهَا يَزداد في كل زيارة، وفي كل رحلة كان يرى فيها شيئاً جديدًا، بل أشياء، وفي كل رحلة كانَ يَخال الحجارة المتراكمة والأعمدة المتناثرة تحدثهُ عَنْ عَظَمَةٍ (جراسا) وفن (جراسا )، وليل (جراسا) البهيم الآسر الأعمدة الملقاة على التراب بزخارفها تنطق بعبارات كانها حديث السيوف الصَّدِئة،ِ والرماح المكسورة الإزميل الَّذِي نَحَتَ هَذِهِ التيجان، والأبواب، ومصاريعها، وواجهاتها ازميل فنان ينقل نُضْرَةَ الدَّالِيةِ وَبَوْحَ الريحان إلى الحجر، ثم يصعده ليتحدث صامتا إلى العين والخيال، هذه الحجارة تناغَمُ مَعَ القصيدة، وَهِيَ تحاكي آثار تَدْمُرَ وساحاتِ تَدْمُرَ وأَبهاءَ تَدْمُرَ فَالزخارف صدى عميق للإيمان بالله، وعجائب صنعهِ فِي خَلْقِه،ِ وتعبيرٌ عَنْ جمالية في الكون والنفس، وعرض لأجمل أشكالِ النَّبَاتِ والزهر. كبر الفتى وأصبح شابا ناضجا، وبعد أن أنهى المرحلة الجامعية الأولى عمل في وزارة التربية  والتعليم، وفي تلك السنوات السبع كان يصطحب طلابه إلى آثار جرش، إلى هذه الحضارات التي مرت من هنا، إلى هذه الحضارات التي سادَتْ ثُمَّ بَادَتْ . وكان هذا المعلم يتألم ويَتَأَسَّى أَحيانًا لِجَهْلِ أَبَنائِهِ بتاريخ وطنهم وأُمَّتهم، وإلى هذا الحين، ما زال صاحبنا يصعد إلى أعلى درجات مدرج جرش، ويُسرّحُ طَرْفَهُ بَعيدًا، يُراقِبُ الجبال المكسوة بالرداء الأخضر الجميل، يشاهد أبعد ما يُمكن لِمِنْظَارِهِ أَنْ يَحْتَطِفَ مِنْ مَناظر، يُناديهِ الصَّحْبُ : هَلْم، وهُوَ يَتَفَكَّرُ في ذلك البعد اللا متناهي، في ذلك الجمال الهادئ الصامت .

 أسامة شهاب، جرش تاريخها وحضارتها، ص 11-13  بتصرف

Jo Academy Logo