التعلم القبلي
الاختلاف بين الناس سنة من سُنَنِ الله تعالى في خلقه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ؛ فقد خلق الله تعالى الناس مختلفين من حيث اللغة، واللون، والعرق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ . وهذا الاختلاف مدعاة للتعارف والتواصل والاحترام، وليس مدعاة للتنافر والتضاد، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
الفهم والتحليل
الاختلاف في الرأي بين الناس أمر إيجابي، فالاختلاف في الرأي تجاه القضايا والأشياء يؤدي إلى إثراء الحياة وتقدمها.
أولاً: سبب الاختلاف في الرأي
اختلاف الناس في الرأي أمر طبيعي، وهو يُعزى إلى اختلافهم، وتفاوت أفهامهم، ومعتقداتهم، وقدراتهم العقلية والعلمية، وأهدافهم، ومصالحهم، وبيئاتهم، وأزمانهم، وطرائق تفكيرهم.
ثانيًا: موقف الإسلام من الاختلاف في الرأي
عدّ الإسلام الاختلاف في الرأي الذي سببه التفاوت في الفهم أمرًا مقبولاً؛ شرط ألا يؤدّي إلى العداوة أو الخصام. فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في قول رسول الله ﷺ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ؛ ففريق منهم أخّر صلاة العصر حتى وصل إلى بني قريظة، وتمسّك بظاهر قول سيّدنا رسول الله ﷺ. وفريق آخر صلّى العصر في وقتها، ونظر إلى المعنى المقصود من قول سيّدنا رسول الله ﷺ وهو الإسراع في السير. وقد أقرّ سيّدنا رسول الله ﷺ كلا الفريقين على اختلافهما في فهم قوله، ولم يُعَنّف أيًا منهما على اجتهاده وما أقدم عليه.
أما الاختلاف في الرأي الذي سببه الكبر والتعصّب للأشخاص والأفكار فهو أمر مذموم يؤدّي إلى الفُرقة والتنازع بين الناس، قال رسول الله ﷺ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ»(بَطَرُ: رَدُّ، غَمْطُ: احتقار).
وقال تعالى: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمۡ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمۡ وَفَرِيقًا تَقۡتُلُونَ ﴾
ينتج من الاختلاف المقبول في الرأي فوائد عدة، منها: الإثراء الفكري وتبادل الأفكار، وتعدد الحلول للمشكلة الواحدة، وهو وسيلة للوصول إلى القرار السديد، وما مبدأ الشورى الذي قرره الإسلام إلا تأكيد لهذا الاختلاف المقبول، قال تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، وما ظهور المذاهب الفقهية إلا نتيجة اختلاف العلماء في الرأي؛ إذ قدّمت المدارس الفقهية ثروة فقهية للحضارة الإنسانية.
ثالثًا: آداب الاختلاف في الرأي
للاختلاف في الرأي آداب ينبغي للمختلفين التحلّي بها؛ لكيلا يصل الاختلاف إلى الخلاف والنزاع والتنافر والفُرقة والشقاق. وتنطلق هذه الآداب من العدل والإنصاف؛ فيهما يكون الاختلاف بناءً ومُثمرًا.
ومن ذلك:
أ. تجنّب التعصّب للرأي، والإقرار للآخر بحقه في إبداء رأيه، بعيدًا عن التعالي والاستهزاء أو الانتقاص من قدره أو فكره. وإذا ثبت للشخص أنّ رأي الآخر لا يوافق الصواب، وجب عليه أن يحترمه؛ فالإبقاء على الأخوّة مع الاختلاف في الرأي في المسائل الخلافية أولى من دفع المخالف إلى الشقاق والعداوة.
ب. التثبت من قول المخالف، وذلك بالتبصّر والأناة وعدم العجلة حتى يتضح الأمر، فيتحقّق من صدق الناقل، وأنّ المنقول لا وجه له في الصحة يقتضي قبوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾
ج. ضبط النفس، وذلك بمخاطبة الناس بأدب ورفق وحلم، والبعد عن التقليل من شأن المخالف، أو اتهامه بالفسق، قال رسول الله ﷺ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلَ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (البذيء: الذي يتكلم بما يكره سماعه، أو من يُرسل لسانه بما لا ينبغي، أو من يُحقّر الآخرين).
د. الاعتراف بالخطأ، والرجوع إلى قبول الحق من الآخر إذا تبيّن صوابه، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
صور مشرقة
أرسل الإمام مالك (إمام أهل المدينة) رسالة إلى الإمام الليث بن سعد (إمام أهل مصر) يناقشه فيها في سبب عدم أخذ الليث بن سعد بعمل أهل المدينة الذي يأخذ به الإمام مالك . ومما جاء في رسالته: «أحمد الله إليك، وعصمنا الله وإياك بطاعته، وعافانا وإياكم من كل مكروه، وقد بلغني – رحمك الله – أنك تفتي الناس بأمور مخالفة لما عليه الناس عندنا، وأنت في أمانتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، فانظر – رحمك الله – في هذا الأمر، واعلم أنه ما دعاني إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة والحرص عليك، وفقنا الله وإياك لطاعته». فرد عليه الليث برسالة، جاء فيها أن الصحابة والتابعين قد اختلفوا بالفتيا في مسائل كثيرة خالفوا فيها ما عليه أهل المدينة، وقال له: «بلغني كتابك الذي تذكر فيه صلاح حالكم الذي يسرني، أدام الله ذلك عليك، وأتمه بالعون على شكره والزيادة في إحسانه، وقد جاءني كتابك، فجزاك الله عما قدمت خيراً، وقد وقع كتابك مني بالموقع الذي تحب، والحمد لله رب العالمين».
الإثراء والتوسع
أمر الإسلام بالألفة والاعتصام بحبل الله المتين، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ونهى عن الفرقة والنزاع؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفشل وذهاب القوة، وعجز الأمة عن القيام بوظيفتها في هداية الناس، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، وقال رسول الله ﷺ : «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».