الفلسفة12 فصل أول

الثاني عشر خطة جديدة

icon

 

يبين الدرس مفهوم الحقيقة ومعناها والنظريات الفلسفية المتعلقة بها.

ماهية الحقيقة

ما هو جوهر الحقيقة؟

يتطلبّ البحث في نظرية المعرفة النظر في الحقيقة (Truth) وماهيتها، كون الصدق شرطًا أساسيًّا وضروريًّا للمعرفة، لذا تعد عبارة  "المعرفة الكاذبة" عبارة متناقضة عند كل الفلاسفة من أفلاطون إلى يومنا هذا، وقد رأينا سابقًا إنّ المذهبين العقلي والتجريبي قد اختلفا في المصدر الذي نعرف منه الحقيقة؛ أهو العقل أم الحواس، وكلا المذهبين يدّعيان أنهّما مؤسسان على الحقيقة، إذن من المهم أن نبحث في معنى الحقيقة وماهيّتها ومعاييرها التي تحدّد ما هو صادق وما هو كاذب.

معنى الحقيقة

ما معنى الحقيقة عند الفلاسفة؟

لقد قدّم الفلاسفة أكثر من معنى للحقيقة/ الصدق:

1- إذ يرى بعضهم إنّ الحقيقة هي تطابق الفكرة مع الواقع،

2- بينما يرى فريق آخر إنّها ترابط/ اتّساق القضية مع مجموع القضايا المؤلِّفة لمعرفتنا،

3- فيما ينظر آخرون إلى الحقيقة على أنها أداة للعمل،

وتقدّم كل واحدة منها منظورًا لفهم ما يعنيه أن نجزم بصدق قضية أو جملة أو اعتقاد، وتتألف القضية (Proposition) من مجموعة من المعاني أو المفاهيم المترابطة بعضها ببعض بعلاقة ما، وتعبّر الكلمات الواردة في القضية عن هذه المعاني المترابطة، على سبيل المثال:

"الجسم ثقيل"

و"الأرض تدور حول الشمس"

و"عمّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية".

 

نظريات الحقيقة

بين نظريات الحقيقة؟

1- نظرية التطابق  Theory of Correspondence

تخبرنا هذه النظرية إنّ القضية تكون صادقة إذا تطابقت مع الواقع الذي يفترض أنْ تصوِّره، وتكون القضية كاذبة إذا لم تتطابق مع الواقع. ويعود الاهتمام بربط صدق القضية بمطابقة الفكر مع الواقع إلى أرسطو إذ يقول: "حين نقول عن شيء موجود إنه ليس موجودًا أو عن شيء غير موجود إنه موجود فإننا نقول الكذب، بينما حين نقول عما يوجد إنه موجود وعما ليس موجودًا إنه غير موجود فإنّنا نقول الصدق"، فعندما أقول: "نجح زيد في الامتحان"،

فإننا نعدّ هذه القضية صادقة، فإذا كان يوجد شخص اسمه زيد قد أدى الامتحان بالفعل، ونجح فيه، وحصل على شهادة تثبت ذلك، فستكون القضية قد وصفت الواقع الفعلي بدقة وبيّنت العلاقات التي تربط بين عناصره، ولكن إذا نظرت في القضية "زيد إنسان بخيل"، وقلت إنّ هذه القضية مطابقة للواقع، بينما قال شخص آخر إنّ هذه القضية لا تصف واقع زيد؛ فهو شخص كريم، فنحن في وضع خلافي لا يمكن تجاوزه، إذ سأظلّ أقول إنّ زيدًا بخيل والشخص الآخر سيظل مقتنعًا بإنّ زيدًا كريم؛ فلا يمكن معالجة هذا الموقف باللجوء إلى علاقة المطابقة.

إنّ اللجوء إلى شهادة الحواس أمر أساسيّ في عملية التحقّق من مطابقة القضية للواقع، وكما رأينا فإن الحواس قد تكون خادعة في بعض الأحيان، لذا لا يمكننا الاعتماد على شهادة الحواس وحدها، ويبقى السؤال قائمًا:

كيف يمكننا تطبيق هذه النظرية عندما تكون القضية المراد تحديد قيمة صدقها، أي إذا ما كانت صادقة أم كاذبة، لا تعبّر عن واقعة يمكن التحقّق منها حسيًّا؟ وإذا أخذنا الوقائع والتجارب الصوفية مثالًا، فسنجد إنّه من المستحيل إعطاؤها المكانة المعرفية نفسها التي نمنحها لموضوعات التجربة الحسية الواقعية اليومية، لنجد تبني معيار الحقيقة بوصفها تطابقًا ينسجم مع المذهب التجريبي الذي يهتم بالواقع والتجارب الحسية، بينما يعطي المذهب المثالي دورًا ثانويًّا للتجربة الحسية في بلوغ الحقيقة.

إن عدم كفاية معيار التطابق بوصفه معيارًا أوحد للحقيقة يؤكد الحاجة إلى النظر في معيار آخر لا يعطي للتجربة الحسّية دورًا أساسيًّا تكون به مصدرًا لصدق القضايا.

 

2- نظرية الترابط Coherence Theory

تبنّى العقليون والمثاليون نظرية الترابط لتكون معيارًا للحقيقة التي تعد أكثر انسجامًا مع المذهب المثالي، ووفقًا لنظرية الترابط فإن القضية أو العبارة تكون صادقة إذا انسجمت/ اتّسقت مع مجموعة من القضايا الأخرى الصادقة التي تؤّلف نسقًا أو مع معرفتنا ككل، وتعد الرياضيات أفضل مثل لهذه النظرية، إذ تعدّ القضايا الرياضية والمنطقية صادقة أو كاذبة في ضوء اتساقها وترابطها - أو عدم اتساقها وعدم ترابطها مع النسق الاستنباطي في الرياضيات البحتة والمنطق، اللذين يقدّمان نماذج للاتساق، ويشكّل نسق الهندسة الإقليدية مثالًا على ذلك، إذ تترابط التعريفات والبدهيات والمُسلّمات، التي يفترض صدقها؛ فتتّسم بالوضوح لدرجة أنها لا تحتاج إثباتًا، كما يلزم عنها بقية النسق استنادًا إلى الاستدلال المنطقي، وقد كان تصوّر ديكارت للمعرفة تصوّرًا عقليًّا على غرار الرياضيات، حيث يحدّد الإنسان لعلمه نقطة ابتداء لا يقوم بتحليلها أو نقدها، بل يفترض صدقها وينطلق استنادًا إليها نحو بناء النسق المطلوب.

 

3- النظرية البراغماتية Pragmatic Theory

تنطلق النظرية البراغماتية للحقيقة عند الفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس من تعريف الحقيقة بأنها التطابق مع الواقع، ولم يقصد بها التطابق مع الواقع الخارجي، كما تخبرنا نظرية التطابق في الحقيقة، بل عن طريق تتبع النتائج التي تقودنا القضية إليها أو آثارها الفعلية؛ فالبراغماتي ينأى بنفسه عن الأنساق الفلسفية وعن التجريد والدوغمائية فلا يقرّ بوجود حقيقة مطلقة مستقلة بذاتها صادقة في كل زمان وكل مكان، ولا يمكن لأي تجربة أن تغيّرها.

وتكون القضية صادقة في نظر البراغماتي إذا كانت تعبّر عن واقع تجريبي أو تصف موقفاً يقودنا إلى سلوك يحقّق النتائج المتوقعة كأن نقول "يوجد منصة إلكترونية (Podium) في القاعة الصفية المجاورة"، فإن ذلك يعني أنني إذا ذهبت إلى تلك القاعة ونظرت فيها سأجد المنصة، وإذا تصرفت وذهبت بالفعل إلى القاعة ووجدت المنصة في المكان المذكور، فعندئذ يكون سلوكي ناجحًا بناءً على اعتقادي بصحة القضية، فتكون القضية صادقة.

Jo Academy Logo