اتّسم المجتمع الأردني في بداية تأسيس الدولة بالطابع القبلي، وسيادة العادات والتقاليد والأعراف العشائرية الموروثة، وكان امتدادًا لما كان عليه في العهد العثماني، وغالبيته من الحضر سكّان القصبات والقرى، بينما انتشر قسم كبير من سكّانه في البادية الأردنية.
فئات المجتمع الأردني في عهد الإمارة
بلغ عدد سكّان الأردنّ عند تأسيس الإمارة ثلاثمئة ألف نسمة، وكان معظمهم يُمارسون الزراعة وتربية الماشية.
تكوّن المجتمع الأردني في عهد الإمارة من الفئات الآتية:
- سكّان القرى من الفلّاحين الذين ينتظمون في عشائر وقبائل مختلفة، وفي أُسر ممتدّة غاب عنها التفاوت الطبقي.
- سكّان القصبات: لم يشهد الأردنّ عند قيام الدولة مدنًا عربية إسلامية على غرار ما كان موجودًا في الأقطار العربية المجاورة، وإنّما وجدت قصبات تطوّرت في ما بعد إلى مدن حديثة، مثل: إربد وعجلون والسلط وعمّان ومأدبا والكرك والطفيلة ومعان. فقد كانت هذه القصبات مراكز إدارية تشمل النشاط السياسي والديني والتعليمي والقضائي، وتضم فئات من الحرفيّين والتجّار وكبار موظفي الدولة المدنيّين والعسكريّين، وتضمّ المرافق العامّة ودور العبادة من مساجد وكنائس. كان النظام العشائري هو التنظيم الاجتماعي السائد في القصبات والقرى والبادية الأردنية، وكانت معظم القصبات مُقسّمة إلى حارات أو أحياء تقطنها عائلات أو عشائر مختلفة، وكان المجتمع في هذه القصبات ينقسم إلى فئتين، هما: فئة كبار الملّاكين والتجّار والموظّفين المدنيّين والعسكريّين ورجال الدين، وفئة الحرفيّين وأصحاب المحلّات الصغيرة والعمّال المهرة، وهؤلاء يُشكّلون غالبية سكّان القصبة.
وضمت القصبات الشركس والشيشان الذين بدأت هجرتهم من بلاد القوقاز إلى الأراضي العثمانية مع نهايات القرن التاسع عشر، في أعقاب الاضطهاد الذي تعرّضوا له من روسيا القيصرية وعملوا في الزراعة وبعض الحرف اليدوية وعند تأسيس الجيش الأردني التحقوا به للدفاع عن وطنهم الجديد ولا يزال الحرس الشركسي في الديوان الملكي جزءاً أساسياً من الحراسات الملكية، واستقرّوا في كلّ من عمّان ووادي السير وجرش وناعور والزرقاء والسخنة والرصيفة وصويلح، وأصبحوا جزءًا لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعي الأردني.
وضمّت القصبات الأردنية أعدادًا من الأشقّاء السوريّين واللبنانيّين والفلسطينيّين والحجازيّين والمغاربة، الذين قدموا إلى الأردنّ قبل تأسيس الإمارة وبعده للعمل بالتجارة والِحَرف المتنوّعة والوظائف الإدارية في مؤسّسات الدولة.
- سكّان البادية: مارس سكّان البادية تربية الإبل والأغنام والماعز في تنظيم قبلي عشائري، وكانوا يتألّفون من فئتين، هُما: فئة مربّي الإبل الذين يعيشون في قلب البادية الأردنية ضمن مناطق ومراعٍ محدّدة، قد يشتركون بها مع قبائل أخرى. وكانت القبائل الكبيرة تتمتّع بسطوة على القبائل الصغيرة، فلم تخلُ حياة البادية من عادات الغزو والنزاع على المراعي ومصادر المياه وغيرها. وفئة مربّي الأغنام الذين يعيشون في المناطق الزراعية والبادية ويتنقلون بينهما.
التغيّر الاجتماعي في عهد الإمارة
- شهد المجتمع الأردني في عهد الإمارة تغيّرًا ملموسًا في الحياة الاجتماعية، من حيث عدد السكان وأنماط المعيشة والتفكير والعلاقات الاجتماعية.
- على الرغم من أنّ السمة العامّة لسكّان الأردنّ كانت الطابع الريفي إلى منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، وكانت الهجرة من القرية إلى المدينة محدودة جدًّا في عهد الإمارة، إلّا أنّ عدد سكّان المدن أخذ بالازدياد بصورة ملحوظة.
- تضاعف عدد سكّان عمّان العاصمة بصورة كبيرة بسبب انتقال العمّال والموظّفين من القرى إليها، وانتقال المهاجرين من الأقطار العربية المجاورة للعمل فيها، وأصبحت الزرقاء مقرًّا لمعسكرات الجيش العربي، وتحوّلت تدريجيًّا إلى مدينة حديثة. أمّا المفرق الواقعة على مفترق الطرق بين العراق وسوريا وفلسطين، ومرور سكة حديد الحجاز وأنابيب شركة نفط العراق (IPC) المتّجهة إلى حيفا، فقد نمت وازداد عدد سكّانها.
استقرار القبائل البدوية
- شرعت الحكومات الأردنية منذ تأسيس الإمارة بتوطيد الأمن في القرى والمدن والبادية، حيث عملت على إحلال السلم بين القبائل ومنعها من الغزو، وصدّ الغزوات القادمة من الخارج.
- تأسيس نيابة العشائر لمتابعة شؤونهم وقضاياهم، وتنظيم محاكم خاصّة لهم،
- العمل على تحسين أحوال البدو ودمجهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
- إنشاء قوّة البادية وتشييد المخافر على أطراف البادية وافتتاح المدارس والرعاية الصحية، وبذلك تراجع عدد سكّان البادية واستقرّوا في مدن الإمارة وقراها.
الرعاية الصحية
- بدأ الاهتمام بالرعاية الصحية للسكّان في بداية عهد الإمارة، فتأسّست دائرة الصحّة، ومن المستشفيات الموجودة آنذاك: مستشفى الحكومة والمستشفى الإيطالي في عمّان، والمستشفى الإنجليزي في السلط، ومستشفى إربد الحكومي. وافتُتحت أوّل صيدلية في عمّان في عام 1925م ، وبلغ عدد الأطباء (28) طبيبًا وطبيبة في عام 1926م، كان جلّهم من سورية ولبنان وفلسطين.
- افتُتحت وحدة طبّية متنقّلة لمنطقة البادية في عام 1937م تألّفت من طبيب وممرضَين اثنين، وأُنشئت أوّل وزارة للصحّة في عام 1950م.
- تولّى المخاتير والهيئة الاختيارية مراقبة الأوضاع الصحّية في قراهم، وإبلاغ الحكومة عند ظهور الأمراض والأوبئة، مثل الملاريا والتيفوئيد والتيفوس والسلّ والجدري والسعال الديكي والحصبة، والإبلاغ عن حالات الولادة والوفيات في قراهم وأحيائهم.
- أسهم إنشاء الكثير من المدارس الابتدائية في عهد الإمارة في نشر الوعي الصحّي والاجتماعي والثقافي في البلاد، وكان لها دورٌ كبير في إحداث التغيّر الاجتماعي والسياسي والتقدّم العلمي.
العمل التطوّعي والتكافل الاجتماعي
- بدأ العمل الاجتماعي في الأردنّ تطوعيًّا عن طريق الجمعيات الخيرية، التي تشكّلت في الفترة بين عامَي (1912م-1935م) بموجب قانون الجمعيات العثماني، وكانت تهدف إلى تقديم العون والمساعدة للفقراء والمحتاجين، ودعم التعليم والمدارس.
- تشكّلت أوّل جمعية بعد تأسيس الإمارة باسم جمعية النهضة الأرثوذكسية في عام 1925م، ثُمّ تلاها تسجيل عدد من الجمعيات الخيرية بموجب قانون الجمعيات الأردني لعام 1936م. وبعد الاستقلال، أُنشئت إدارة خاصّة للشؤون الاجتماعية.
- افتُتح عدد من العيادات المجّانية من قِبَل أطباء كنوع من التكافل الاجتماعي، وذلك إسهامًا في تحسين معالجة الأهالي الفقراء والمرضى.
- أسهم الأهالي بفتح الطرق وصيانة القديم منها، وإصلاح الينابيع وصيانتها، وحفر آبار تجميع المياه، وبناء المدارس وصيانة القديم منها، وإنشاء المستوصفات والعيادات الصحّية.
- كان للإرساليات التبشيرية المسيحية دور في إنشاء المدارس الحديثة وبناء المستشفيات
دائرة النافعة: النواة الأولى لوزارة الأشغال العامّة والإسكان منذ تأسيس إمارة شرق الأردنّ، وسًمّيت وزارة الأشغال العامّة في عام 1954م، ثُمّ أُلحقت بها دائرة متخصّصة بالعطاءات الحكومية، ومؤسّسة الإسكان والتطوير الحضري.
مشاركة المرأة الأردنية في الحياة العامّة
- تركّز نشاط المرأة الأردنية مع بداية تأسيس الإمارة على العمل التطوّعي، فشاركت في تأسيس العديد من الجمعيات الخيرية، التي تهدف إلى رعاية الأيتام والاهتمام بالأُسر المحتاجة ومكافحة الأميّة وبخاصّة بين النساء.
- في عام 1926م تأسّست أوّل جمعية نسائية باسم جمعية التضامن النسائي الاجتماعي، وكانت برئاسة الملكة مصباح زوجة الملك عبد الله الأوّل ابن الحسين ووالدة الأمير طلال ولي العهد، وعدد من زوجات التجّار والأعيان والمشاورين.
- أُنشئت جمعية التضامن النسائي الاجتماعية في عام 1944م؛ بهدف العناية بالنساء الفقيرات والتدبير المنزلي وتعليم الخياطة، وجمعية الاتّحاد النسائي الأردني في عام 1945م.
الآثار السكانية للحرب العربية اليهودية عام 1948م.
- أسفرت الحرب (العربية - اليهودية) في عام 1948م، عن هجرة عشرات الألوف من اللاجئين الفلسطينيّين المُهجّرين من مدنهم وقراهم إلى الأردنّ، وغدت الضفّة الغربية جزءًا من الأردنّ بعد وحدة الضفّتين في عام 1950م، وتضاعف عدد سكان الأردنّ بصورة كبيرة، وواجهته مجموعة من التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية.
- ازداد الضغط على الموارد والخدمات الحكومية في الموازنات العامّة، وتضخّم حجم البطالة، وانخفض المستوى المعيشي للسكّان، وارتفعت أعباء الإنفاق الدفاعي والأمني.
الهجرة القسرية: حركة سكّانية تجري بالعنف والقسوة في إخلاء السكّان مساكنهم ومدنهم وقراهم، إلى مناطق جديدة بعيدة عنها بحثًا عن الأمان والاستقرار؛ لأسباب عدوانية خارجية وممارسات للعنف والتطهير العرقي أو نتيجة للكوارث الطبيعية
ومن أبرز التطوّرات الاجتماعية في هذه الفترة ما يأتي:
- دخول أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيّين إلى الأردنّ، وإسكانهم في مخيّمات قريبة من المدن الأردنية. وتولّت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى (UNRWA) تقديم الإغاثة لهم والمساعدة في تأمين الرعاية الصحّية والتعليم والسكن.
- منح الحكومة الأردنية الجنسية للاجئين الفلسطينيّين المُقيمين في الضفّتين الشرقية والغربية.
- التطوّر الاقتصادي الذي أفرز فئات اقتصادية ذات دخل مرتفع.
أبرز مظاهر التغيّر الذي شهده المجتمع الأردني (1921-1950م)
- بروز فئات اقتصادية ذات دخل مرتفع.
- التراجع التدريجي للنشاط الزراعي للسكان، بسبب تطوّر القطاعات الاقتصادية الأخرى كالصناعة والتجارة وقطاع الخدمات.
- توفير الرعاية الصحّية للمواطنين.
- النموّ السكّاني الكبير، ونموّ التجمّعات الحضرية بعد عام 1948م.
- مشاركة المرأة في الحياة العامّة.