درس: الإنسان والبيئة
مفهوم العلاقة بين الإنسان والبيئة:
منذ فجر الخليقة والإنسان يعيش في حالة تفاعل مستمر مع البيئة وما تتضمنه من تحديات وصعوبات. ومع تطوّر الفكر البشري سعى الإنسان إلى التأقلم مع الظروف البيئية والكوارث الطبيعية، فكان أحيانًا خاضعًا لتأثيراتها، وأحيانًا قادرًا على التحكم بها والتكيّف معها.
ولفهم طبيعة هذه العلاقة المعقّدة بين الإنسان والبيئة ظهرت عدة نظريات واتجاهات فكرية تفسّر العلاقة المتبادلة بينهما، ومن أهمها:
1-نظرية الحتمية البيئية
2-نظرية الإمكانية البيئية
3-نظرية التوافقية البيئية
أولًا: نظرية الحتمية البيئية
ترى نظرية الحتمية البيئية أن البيئة الطبيعية تتحكم في سلوك الإنسان وتشكل طباعه، اعتمادًا على مفهوم الحتمية الجغرافية الذي يجعل الإنسان مستسلمًا للبيئة ومسلمًا بواقعها.
وبحسب هذه النظرية يُنظر إلى الإنسان على أنه كائن سلبي خاضع للظروف البيئية المحيطة به، إذ تؤثر البيئة تأثيرًا كبيرًا في الثقافة والقيم والنظم الاجتماعية وحتى الأخلاق والطباع. كما تفسّر الاختلافات بين المجتمعات البشرية على أساس اختلاف الظروف البيئية.
أبرز روّاد مدرسة الحتمية البيئية
1-عبد الرحمن بن خلدون:
ركّز في مقدّمته على العلاقة بين الإنسان وبيئته، وأشار إلى تأثير المناخ في طبائع الشعوب وتأثير الهواء في لون البشرة.
2-فريدريش راتسل (Friedrich Ratzel):
في كتابه "الجغرافية البشرية" رأى أن نشاط الإنسان بما فيه النشاط السياسي يخضع لضوابط البيئة الطبيعية وقوانينها.
3-إلين سمبل (Ellen Semple):
في كتابها "تأثيرات البيئة الجغرافية" درست تأثير المناخ في أخلاق الشعوب، فوصفت شعوب شمال أوروبا بأنها نشيطة وجادّة وعقلانية وأكثر حرصًا واتزانًا، بينما رأت أن سكان البحر المتوسط يميلون إلى المرح والعاطفة والخيال.
نقد نظرية الحتمية البيئية
وُجِّهت إلى هذه النظرية عدة انتقادات، من أهمها:

1- قصور في تفسير السلوك البشري:
إذ إن البيئة ليست العامل الوحيد المؤثر في سلوك الإنسان، بل هناك عوامل متعددة تشارك في تشكيل السلوك، كما أن التاريخ يثبت وجود تشابه في حضارات وسلوكيات شعوب مختلفة رغم اختلاف بيئاتها وتضاريسها ومناخها( وبالتالي تعد هذه النظرية غير منطقية في تفسير تور البشر واكتسابهم للطباع)
2- إغفال دور العقل والتكنولوجيا:
تجاهلت النظرية قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة بفضل تطوره الفكري والتكنولوجي، فقد استطاع الإنسان في كثير من الحالات السيطرة على الظروف البيئية والتعايش معها وتطويعها لخدمة حاجاته.
ثانيًا: نظرية الإمكانية البيئية
ظهرت نظرية الإمكانية البيئية ردًّا على الانتقادات التي وُجِّهت إلى نظرية الحتمية البيئية التي بالغت في تفسير العلاقة بين الإنسان والبيئة وغلّبت الطبيعة على قدرات الإنسان.
وتؤكد هذه النظرية الدور الفعّال للإنسان وقدرته على تعديل البيئة واستغلالها لتحقيق أهدافه وإشباع حاجاته، مع احترام قدرات الإنسان وإمكانياته.

الفكرة الرئيسة للنظرية الامكانية البيئية
ترتكز هذه النظرية على أن الإنسان قوة إيجابية فاعلة، وليس خاضعًا بالكامل لمؤثرات الطبيعة وضوابطها ، بل يمتلك القدرة على تعديل البيئة وتغييرها وتطويعها بما يتوافق مع أهدافه واحتياجاته.
وبذلك لا توجد حتمية مطلقة، بل توجد إمكانية واختيار ومرونة، مع التأكيد على أن تأثير البيئة الطبيعية على الإنسان يقلّ مع زيادة التطور التكنولوجي.
أبرز روّاد نظرية الإمكانية البيئية
1- فيدال دي لابلاش (Vidal de La Blache):
يرى أن الإنسان يؤثر في البيئة ويعيد تشكيلها وفقًا لحاجاته وأهدافه.
2- لوسيان فيفر (Lucien Febvre):
يرى أن البيئة تقدم للإنسان مجموعة من الاحتمالات، والإنسان يختار منها ما يناسبه لتحقيق أهدافه.
3- كارل ساور (Carl Sauer):
يرى أن البيئة هي نتاج التفاعل بين الإنسان والطبيعة، وأن الإنسان يترك بصمته على البيئة من خلال أنشطته المختلفة.
نقد نظرية الإمكانية البيئية
بالغت هذه النظرية في تقدير سيطرة الإنسان على البيئة، مما أدى إلى تجاهل حدود الطبيعة، ونتج عن ذلك ظهور العديد من المشكلات البيئية مثل:
1-التلوث البيئي
2- ثقب طبقة الأوزون
3- التصحر
وتعد هذه المشكلات من مظاهر اختلال التوازن البيئي.
ثالثًا: نظرية التوافقية البيئية
تقوم نظرية التوافقية البيئية على فكرة أن العلاقة بين الإنسان والبيئة هي علاقة تفاعلية تبادلية.
فهي تعترف بدور الإنسان في التأثير في البيئة، كما تعترف بتأثير البيئة في الإنسان، وذلك بحسب ظروف متغيرة.
ففي بعض البيئات يكون تأثير الطبيعة على الإنسان كبيرًا، بينما في بيئات أخرى يبرز دور الإنسان وتأثيره من خلال نشاطاته وتدخلاته.
الفكرة الرئيسة للنظرية التوافقية البيئية
ترتكز هذه النظرية على أن العلاقة بين الإنسان وبيئته:
1- ليست حتمية مطلقة كما في نظرية الحتمية البيئية.
2- وليست حرية مطلقة للإنسان كما في نظرية الإمكانية البيئية.
3- بل هي علاقة مرنة ومتوازنة تعتمد على عاملين رئيسين هما:
أ- مدى صعوبة البيئة وتعقيدها.
ب - قدرة الإنسان على التكيف والتعايش معها.
الانتقادات الرئيسة لنظرية التوافقية البيئية
1- اتسمت بطابع وصفي يغلب عليه العمومية
2- افتقرت الى الدقة العلمية والمعايير الكمية الواضحة
3- جاءت اقرب الى تسوية فكرية بين الحتمية البيئية والإمكانات البشرية دون ان تولي اهتمام للتطورات التكنولوجية والاقتصادية التي مكنت الانسان من تجاوز العديد من القيود مثل تحلية مياه البحر والزراعة الذكية وهذا ماجعلها عاجزه عن مواكبة التحولات المعاصرة في علاقة الانسان في البيئة