التعلم القبلي
يُعدّ الإنسان كائناً اجتماعياً بطبعه؛ إذ لا يمكنه العيش وحيداً، فهو بحاجة ملحة إلى أخيه الإنسان. ومن ثَمَّ، فإن التواصل مع الآخرين ومخالطتهم ضرورة لا بُدّ منها. وقد تعددت الروابط التي تجمع الناس بعضهم ببعض، مثل رابطة الأسرة، والقرابة، والعشيرة والعمل، والعقيدة، والصداقة، والجوار.
الفهم والتحليل
الصداقة: هي علاقة إنسانية اجتماعية تجمع بين شخصين أو أكثر، على أساس من المودة والاحترام والثقة والتعاون في مختلف الظروف والأحوال.
أولاً: أهمية الصداقة
تمثل الصداقة أهمية كبيرة في حياة الإنسان، وتتجلى أهميتها فيما يأتي:
أ. الشعور بالسعادة: يشعر الإنسان بالراحة حين يُجالس الأصحاب؛ ما يجعله في حالة من السعادة، بعيدًا عن الضيق والحزن والكآبة.
ب. توطيد سُبل العون والمساعدة: يُسارع الأصدقاء الأوفياء إلى مساعدة بعضهم وقت المِحن، والوقوف معًا صفًا واحدًا في مواجهة المُلِمَّات والشدائد، فضلًا عن تقديم المشورة والنصيحة بما يعود بالخير والنفع عليهم، قال رسول الله ﷺ: "مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى"
ج. الشعور بالثقة والطمأنينة: يعزز وجود الأصدقاء الأوفياء شعور الإنسان بالثقة والأمان، قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾
ثانياً: أسس اختيار الأصدقاء
يتعين على الإنسان أن يُحسن اختيار أصدقائه، وأن يراعي في ذلك مجموعة من الأسس، أبرزها:
أ. الصلاح وحسن الأخلاق: ينبغي للإنسان أن يبحث عن صفات الشخص وسلوكاته وأخلاقه قبل اتخاذه صديقًا؛ لأن الإنسان يتأثر بمن حوله، قال رسول الله ﷺ: «المَرْءُ علَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» فالصلاح يدفع الأصدقاء إلى تذكير بعضهم إذا نسوا، وحفظ كل منهم غيبة الآخر إذا تحدث الناس عنهم بسوء، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ» وقد شبّه رسول الله ﷺ الصديق السوء بنافخ الكير، فقال ﷺ: «إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ المِسْكِ ونَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (نافخ الكير: الحداد الذي يصهر الحديد، وينفخه، فيتطاير الشرر، يُحْذِيَكَ: يعطيك).
ب. رجاحة العقل: صاحب العقل الراجح يُحسن التصرف، ويُقدم النصيحة، ويُرشد إلى الخير.
ج. التوافق والانسجام: يجب أن يكون بين الأصدقاء، تناسب في العمر والفكر والاهتمام، قال رسول الله ﷺ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ؛ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»
ثالثًا: حقوق الصداقة
للصداقة حقوق يتعين على الصديق أداؤها. وهذه أبرز الحقوق:
أ. المودة وحُسن المعاملة: يكون ذلك بمعاملة الصديق بلطف ولين، والإنصات له إذا تحدث، وانتقاء أفضل الكلمات عند مخاطبته، والاستئذان منه في حال استخدام شيء يخصه.
ب. التناصح: تُعَدُّ الصداقة الصالحة سبباً لإسداء النصيحة، والإرشاد إلى الخير والعدل، والبعد عن السوء ومجالس الفاسدين، وهي أيضاً سبب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
ج. التماس الأعذار والصفح عن الزلات: يكون ذلك بمراعاة الصديق لصديقه في مختلف الأحوال والظروف، والتماس العذر له إن بَدَرَ منه ما يُغضب؛ لأن الإكثار من العتاب سبب لخسارة الأصدقاء جميعًا. قال بشار بن بُرْد: إِذا كُنتَ في كُلِّ الأُمورِ مُعاتِباً صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُهُ
د. التواصل مع الأصدقاء: يكون ذلك بلقائهم، وزيارتهم، وتبادل الحديث معهم؛ لما في ذلك من إدخال الفرح والسرور في قلوبهم.
هـ. الوقوف مع الأصدقاء في الأفراح والأتراح، وعند نزول الشدائد بهم. وقد قيل: "الصديق وقت الضيق".
صور مشرقة
تتجلى الصداقة بأبهى صورها في شخصية سيدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، ومواقفه مع سيدنا رسول الله ﷺ؛ فقد كان رضي الله عنه أول صاحب لسيدنا محمد ﷺ قبل البعثة، وأول من أسلم من الرجال، وكانت له مواقف مشرّفة مع سيدنا رسول الله ﷺ؛ فقد صدقه ليلة الإسراء والمعراج حين أخبر سيدنا رسول الله ﷺ قريشًا بالمعجزة فكذّبوه، فظهرت الصداقة من سيدنا أبي بكر رضي الله عنه باتباع الحق وطريق الصلاح. وفي الهجرة، طلب ﷺ الصحبة من سيدنا رسول الله ﷺ فقال ﷺ: «الصحبَةَ يا رسول الله، ثم بكى لما وافق سيدنا رسول الله ﷺ حتى قالت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها : (فَوَاللَّهِ مَا شَعَرتُ قَطُّ قَبلَ ذَلِكَ اليَومِ أَنَّ أَحَدًا يَبكِي مِنَ الفَرَحِ حَتَّى رَأَيتُ أَبا بَكرٍ يَبكِي يَومَئِذٍ) .
الإثراء والتوسع
يجب أن تكون علاقة الأصدقاء متوازنة، من دون إفراط أو مغالاة في المشاعر تجاه بعضهم حبًا أو كرهًا؛ لأن القلوب تتقلب، فقد يأتي يوم على الإنسان، ويصبح من أحبّه أو أسرف في مودّته من أبغض الناس إليه، فيصيبه الندم على محبته تلك، وقد يبالغ المرء في كره أحدهم أو بغضه، ثم تنقلب الأحوال، ويصبح صديقًا مقرّبًا، فيستحي من بغضه ومعاملته قبل ذلك. ولهذا كان الاعتدال حلًا وسطًا بين الحب والكره، قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:( أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا.(