الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى
يتناول الدرس أوضاع أوروبا في العصور الوسطى، وتأثير الكنيسة على الحياة، ويبين العلاقة بين الحضارة العربية الإسلامية وبداية النهضة الأوروبية، مع توضيح لأبرز الفلاسفة في العصور الوسطى.
مقدمة
في الوقت الذي ازدهرت فيه العلوم والثقافة والفلسفة في العالم الإسلامي، كانت أوروبا على هامش الفكر الإنساني، إذ كانت الإمبراطورية الرومانية في حالة تفكّك وتخوض حروبًا مع قبائل من شمال أوروبا، ولما كانت الدولة غير قادرة على التصدّي لهم،
ما دور الكنيسة في العصور الوسطى؟
سيطرت الكنيسة على الشعوب الأوروبية واعتنقوا المسيحية، وبذلك قامت الكنيسة بما لم تستطع الدولة القيام به، فقوي شأن الكنيسة مع الزمن وتحكّمت بشؤون الناس، حتى قامت بإصدار صكوك الغفران وأنشأت محاكم التفتيش.
نظرًا لسيادة سلطة الكنيسة على كل شيء، فقد ارتبط التعليم بها، إذ كانت المدارس ترتبط بالكنائس، فصار الاهتمام مركّزًا على علم اللاهوت، وأصبح العقل في خدمة العقائد الدينية،
القديس أوغسطين
كان القديس أوغسطين (Augustine)أوّل الآباء الذين اهتموا باللاهوت، وقد ولد في شمال أفريقيا، وكان أبوه وثنيًّا وأمه مسيحية، ولم يصبح مسيحيًّا إلا وهو في الثلاثينيات من عمره، وكان لفكره الذي كرسه للدفاع عن المسيحية أثر كبير في توجهات آباء الكنيسة في أوروبا فيما بعد، وصارت أقواله بمنزلة مرجعية لا تناقش.
أثر القرن الحادي عشر على الحياة الأوروبية في العصور الوسطى
وبقيت أوروبا تحت سلطة الكنيسة التي تحكّمت في عقول الناس وعواطفهم وفرضت عليهم ما يجب أن يعتقدوا به قرونًا عديدة، وقد انتشرت الخرافات خلال هذه القرون حتى إذا جاء القرن الحادي عشر، بدأت أوروبا تتعرّف إلى العرب المسلمين وثقافتهم عبر الحروب الصليبية والأندلس، والذي أدى كذلك إلى نقل التراث اليوناني إلى أوروبا.
تواصل الأوروبيين مع المسلمين
كان التواصل بين الأوروبيين والعرب المسلمين مباشرًا منذ القرن الثاني عشر الميلادي، فقد أقبل بعض المثقفين الأوروبيين على دراسة العلوم والفلسفة كما وجدوها في مؤلّفات العلماء والفلاسفة المسلمين، وعملوا على ترجمة هذه المؤلّفات إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم آنذاك في أوروبا، وكان من بين ما تمت ترجمته كتاب القانون في الطب لابن سينا الذي ظل يدرس في المعاهد الطبية الأوروبية إلى وقت متأخر من عصر النهضة، وقد ترجمت في معظم كتب ابن سينا وكتب الغزالي وكل كتب ابن رشد،
مطران طليطلة )ريموند(
وقام مطران طليطلة )ريموند( في القرن الثاني عشر بتأسيس مركز لترجمة ما كتب باللغة العربية في العلم والفلسفة، وترجموا كذلك التراث اليوناني، الذي تُرجم من قبل إلى اللغة العربية، بترجمته إلى اللاتينية وبخاصّة كتب أرسطو وشروحات الفلاسفة المسلمين عليها، ويمكن القول إنّ الأوروبيين قد عرفوا أرسطو مما كتب عنه باللغة العربية قبل أن يعرفوه من اللغة اليونانية.
وقد أدّت الحروب الصليبية إلى الاتصال والتواصل بين الأوروبيين وبين المسلمين في صقلية، وفي بلاد الشام،
دور فريدريك الثاني في نقل الفلسفة:
وكان )فريدريك الثاني( من الذين استحسنوا كثيرًا من آراء وعقائد المسلمين وساروا على طريقتهم، كما أعجب هذا الملك الأوروبي بفلاسفة المسلمين، وأفاد من تجربة بيت الحكمة، فأنشأ في بداية القرن الثالث عشر مركزًا في نابولي يقوم على نقل التراث الفلسفي من العربية إلى اللاتينية.
الفلاسفة المدرسيون
بعد اطّلاع الأوروبيين على إنجازات المسلمين، من علماء وفلاسفة، وترجمة أعمالهم وعبر هؤلاء العلماء والفلاسفة اطّلع الأوروبيون على التراث اليوناني ذاته، وبدأت عناية واهتمام هؤلاء الأوروبيين بالفلسفة، وقد تبين ذلك فيما سمّي بالفلسفة المدرسية، التي قامت على يد رجال الكنيسة وبحثوا فيها عما يدعم العقيدة والدين المسيحي.
مسألة الكليات في الفلسفة المدرسية
وكانت مسألة الكلّيات Universals من أهم القضايا التي عالجها الفلاسفة المدرسيّون؛ ومسألة الكليات تعني أنّ الأسماء الكلية في اللغة، التي تطلق على الأجناس والأنواع مثل الحيوان والإنسان، هل هذه الكلّيات مجرد أسماء أم أن لها وجودًا واقعيًّا؟ وهذا السؤال أدى إلى ظهور مذهبيْن في الفلسفة هما:
المذهب الاسمي Nominalism اعتمد الاسميّون على وجهة نظر أرسطو الذي أنكر أن يكون للمُثُل وجود واقعي.
والمذهب الواقعي Realism لقد أخذ الواقعيون بنظرة أفلاطون في المُثُل وهو الذي رأى أنّ لها وجودًا واقعيًّا وحقيقيًّا،
أشهر الفلاسفة المدرسيين
جون سكوتس إريجينا 877-815) John Scotus Erigenaم(، وكان من أهم أفكاره أنّ الكلّيات هي حقائق أساسية حصلت الجزئيات (الأفراد( عنها، وأفاد من هذه الفكرة في دعم فلسفته في الله، فقد كان يرى أنّ اللّه هو الكلي الشامل، ولذلك كان أسمى الموجودات، ومنه حصلت الموجودات الأخرى كلها.
فلاسفة العصور الوسطى
يُعد القديس أنسلم1109-1023 Anselm م من الفلاسفة الذين كان لهم تأثير كبير في فلسفة عصر النهضة، فقد اشتهر عنه البرهان على وجود اللّه الذي سُمّي البرهان الوجودي، ومضمونه أن الناس على اختلاف عقائدهم مجمعون على تعريف اللّه بأنه ذلك الموجود الذي لا يمكن تصوّر ما هو أعظم منه، وبناء على ذلك فهو الموجود الكامل، وما كان كذلك يجب أن يكون موجودًا وجودًا واقعيًّا وليس فكرة في الذهن، إذن الله موجود.
ولعل أشهر فلاسفة العصور الوسطى هو توما الأكويني1274-1226)Thomas Aquinas م(
الذي اعتقد أن العقل والوحي يكمل بعضهما بعضًا، ورأى في مؤلفات أرسطو أساس المعرفة العقلية،
أما الوحي فقد جاء في الكتاب المقدس لإكمال المعرفة الإنسانية لبيان تلك الأمور التي عجز العقل عن فهمها، وفي موضوع معرفة الله فقد اعتقد توما الأكويني أنّه توجد صفات إيجابية وصفات سلبية، وأقر أن البشر يعرفون ما ليس هو اللّه؛ أي الصفات السلبية مثل إنّ اللّه ليس جسمًا، وأنّ اللّه لا متناهٍ.