اللغة العربية 10 فصل ثاني

العاشر

icon
  • الاستماع

 المفتاحُ

لـ (هند أبو الشّعر)

تجرُّ حذاءَكَ الكبيرَ ببطءِ على المِساحاتِ الإسفلتيَّةِ، تتابعُ الظَِّلالَ الصباحيّةَ المغمّسةَ بالنّدى، تراها تستطيلُ معكَ، تلحقُ خُطاكَ المتعبةَ، رماديّةً وباهتةً، تَبعثُ في النّفسِ الوَحْشةَ والتّردُّدَ: تُحسُّ بأنّ كلَّ الأشياءِ باهتةٌ، والنّهاُر ينفرشُُ ببطءٍ على الدُّورِ .. لا تحِبُّ هذهِ الساعةَ، دائمًا، وفي الوقتِ نفسِهِ، أنتَ والمِساحاتُ الإسفلتيّةُ، بحذائِكَ المُجعّدِ، وكومةُ المفاتيحِ إيّاها تُثْقِلُ جَيبكَ الخاوي .. وهم، كلَّهم يتكرَّرونَ أمامَكَ .. نفسُ الوجوهِ المُنْسلّةِ مِنْ بيوتٍ مليئةٍ بالأجسادِ، يضغطونَ الفقرَ والغضبَ في مِساحةِ ضيّقةٍ على الجبينِ، ويتطلّعونَ بإصرارِ عجيبٍ إلى المِساحاتِ الإسفلتيّةِ.

-مهمومون.!

هذا ما قُلْتَ لنفسِكَ يا (فايز الجابر) وأنتَ تفعلُ مثْلَهُم، تغرزُ جبينكَ في الأرض، وكأنّكَ مشدودٌ بجاذبيّةِ لا تُقَاوَمُ إلى المساحاتِ الرّماديّةِ البشعةِ، تُجَرِّبُ فجأةً وبحركةِ سريعةٍ، أنْ ترفعَ بصرَك إلى الأُفقِ، تجدُهُ بعيدًا .. وتعرفُ تمامًا، مثلَ كلِّ صباحٍ بأنّه مجرّدُ مِساحاتٍ خاليةٍ وغريبةِ .. ليستْ لكَ .. ولا لهذهِ الوجوهِ المقطِّبَةِ .. ليستْ لكم وإنّما للآخرينَ ..! يجذِبُكَ المِغْناطيسُ الأرضيُّ إلى المِساحاتِ الإسفلتيَّةِ وتَقْنَعُ بمراقبةِ حذائِكَ المُجعّدِ القديمِ

صباحُ الخيرِ؟

يُصِرُّ بائعُ الكعكِ على تحيِِّكَ، تمامًا كما يفعلُ كلَّ صباحٍ، وهو يستعدُّ للوقوفِ أمامَ أبنيةِ المدرسةِ، يظُنُّكَ يا (فايز الجابر) شيئًا ذا قيَمَةٍ، لكَ سلطةٌ ووظيفةٌ محترمةٌ، فأنتَ الحارسُ الليليُّ للمدرسةِ .. تُردِّدُ تحيَّتَهُ بأحسنَ منها

 

وتسألُهُ عَنْ صحتِهِ، ثُمَّ تنسلُّ بظلِّكَ الضّامرِ مِنْ مدى بصرِهِ .. تلاحِقُكَ رائحةُ الكعكِ الطّازجةِ .. تهربُ .. والمِساحاتُ تهربُ معكَ .. لا تدري لماذا تحرِّكُ يدَكَ بحركةِ لا شعوريّةِ إلى جيبكَ .. تتلمّسُ كومةَ المفاتيحِ اللعينةَ ... عشراتُ الأبوابِ تغلِقُها كلَّ يومٍ وتفتحُها أيضًا .. مفاتيحُ تفتحُ الغرفَ المغلقةَ .. الغرفَ المتراصّةَ .. صفوفٌ تملؤُها عشراتٌ مِنَ الأدراجِ الفارغةِ، دائمًا فارغةٌ بعيدةٌ عَنِ الحياةِ أمامكَ .. وأنتَ تنسلُّ يا (فايز الجابرَ) في المَمرّاتِ وحيدًا .. لا أحدَ معكَ، والممرّاتُ المُعتِمةُ طويلةٌ وموحشةٌ .. وأنتَ وحدَكَ، بيدِكَ كومةٌ المفاتيحِ، الكومةُ نفسُها الَّتي تفتحُ الأبوابَ للنّاسِ وتعجزُ عَنْ أنْ تفتحَ لكَ بابًا واحَدًا جديدًا .. تتلمَّسُ الكومةَ، وتُمْسِكُ بِهِ بقوّةٍِ، المفتاحُ الأخيرُ للغرفةِ الإسمنتيّةِ، حيثُ تنتظرُّكَ الأجسادُ المتراصَّةُ، تغطُّ بنومِ عميقٍ، وتنتظرُ خطُواتِكَ الصباحيّةِ .. الحذاءُ ذاتُه .. وفي السّاعةِ ذاتِها ..

 تنحدرُ عَنِ الرّصيفِ .. تواجِهُكَ الحُفَرُ .. الحُفَرُ نفسُها الَّتي لا تتغيّرُ .. تحفظُها عَنْ ظَهرِ قلبِ، وتتأقَّفُ، يا للقسوةِ .. الأحذيةُ مبقورةٌ .. الشّوارعُ محفَّرَةٌ .. والقلوبُ يخفُّرُها الخوفُ والفقرُ والحاجةُ .. وأنتَ يا (فايز الجابر) بظلِّكَ الضّامرِ، تشدُّ على كومةِ المفاتيحِ الرّسميَةِ الَّتي تُثْقِلُ جيبَكَ ..

ماذا لو أنكَ أُصبْتَ بحالةِ جنونٍ فَجأةً .. ؟ وبدلا مِنْ أَنْ تذهبَ إلى الغرفةِ الإسمنيّةِ إيّاها، ركبْتَ أوّلَ باص وتوجّهْتَ إلى بابِ السّفارةِ الأمريكيّةِ .. ؟ لماذا لا تفعلُ مثلَهم .. ؟ كلُّهم يتهامسونَ ويحملونَ أوراقًا ويقفونَ تحتَ الأشعّةِ الحارقةِ، للحصولِ على (الفيزا)، بالأمس فقط طاردَتْكَ الفكرةُ .. حلُمْتَ بها ..... تلبّسَتْكَ طِوالَ الليلِ، وأنتَ تسيرُ وحيدًا في الممرّاتِ الطويلةِ المُعْتِمَةِ .. سمعتَهم عندَ الظّهرِ يتدارسونَ الأوضاعَ في دكّانِ (أبي أحمد)، قالوا أشاءَ كشرةً عَن الأعمال البدوية هناكَ .. وفهمتَ منهم أنّهم هناكَ فى أمريكا

 

Jo Academy Logo