عرارٌ شاعرُ الاردن
لـ (يعقوب العودات - البدويُّ الملثّمُ)
مِنْ حقِّ الأردنِّ أَنْ يفخرَ بِـ (عرارٍ) ويباهي بشاعرِ نبَتَ في روابِيه وبِقاعِه، ودرَجَ على هضابِهِ وتِلاعِه، وقد لاقى المتاعبَ والأهوالَ.
منذُ عرفْتُ عرارًا وأنا كَلِفٌ به، مُستقْص آتارَهُ، ومنذُ عرفْتُ أبا وصفي وأنا كَلِفٌ بأخبارِهِ، وقد وطَّدْتُ العزمَ على إنصافِهِ، فإذا جازَ للأمم الحيّةِ أَنْ تفاخرَ بشعرائِها الَّذين ذادوا عَنْ حياضِها وخلَّدوها، جازَ للأردنِّ أَنْ يفاخرَ بشاعرِهِ
النّابخِ (مصطفى وهبي التل) القائلِ:
أنا (مصطفى وهبي) أتعرفُ مَنْ أنا؟
أنا (شاعرُ الأردنِّ) غيرُ مدافعٍ!
ومِنْ وقائعِ الذّكرى أُسجَلُ أنّه في يومِ نديٍّ مِنْ أَيّامِ نيسان1922َ حلَّ ضيفًا على بيتِنا في الكركِ معلمٌ شابٌّ فارعُ القامةِ، مستطيلُ الوجهِ، حادُّ النّظراتِ، بدويُّ القسَماتِ، ولفتَ انتباهي في هذا الماردِ الأسمرِ، جرأتُهُ في طلبِ ركوةِ القهوةِ منّي، وشعرُهُ الأسودُ الفاحمُ المنسدلُ على كتفيه، ووجهُهُ المعروقُ، ولثغتُّهُ (راء) محببةٌ تدخلُ الآذانَ بلا استئذانٍ، وقد سألتُهُ بروحِ طفولتي الوثّابةِ عن شَعْرِه المنسدلِ، أجابَ: تأسّيًا بعمرَ الخيّامِ، وكانت هذهِ أوّلَ مرةٍ أسمعُ باسمِ عمرَ الخيّامِ، وسألتُهُ لِمَ كفّاهُ صغيرتانِ والأناملٌ طويلةٌ؟ أجابني: الكفّانِ صغير تانِ لكنَّ المُخَّ كبيرٌ. أيقنْتُ وقتَها أنّني أمامَ فيلسوفِ شاعرِ.
وُلِدَ مصطفى وهبي في الخامسِ والعشرينَ مِنْ أيّارِ عام 1897 في إربدَ، وَرِثَ عَنْ أبيه صالحِ التلِّ رهافةَ الحسِّ وتوقُّدَ الذّكاءِ، وورثَ عن والدتِهِ مريم المحيلان حدّةَ اللسانِ والطَّبعِ، والعِنادَ. أنهى تعليمَهُ في مدرسةِ عنبرَ
في دمشقَ، وفي عام 1930 قدّمَ امتحانًا في القوانينِ والأنظمةِ المعمولِ بها في الأردنِّ، فتفوّقَ فيها ونالَ شهادةَ المحاماةِ علمًا أنّه درسَها على نفسِهِ دونَ الالتحاقِ بجامعةِ.
وعن ثقافتِهِ أستطيعُ القولَ: إنّه كانَ على جانبِ عظيمِ من سعةِ الاطَّلاعِ وكثيرًا ما كانتْ تدورُ بيننا مساجلاتٌ حادةٌ عَنْ قضايا اللغةِ، وغیرها. عُيّن عرارٌ مأمورًا للإجراءِ فرئيسًا لكُتّابِ محكمةِ إربدَ، ثمَّ مساعدًا للنائبِ العامِ في عمّانَ، ويومَ كانَ يشغلُ هذهِ الوظيفةَ كتبَ قصيدةَ ((إخواني الصعاليك)) يُشفِقُ فيها على أولئكِ المناكيدِ الَّذينَ سامَهم المُرابون ذُلًّا. ولم يكنْ عرارٌ في مذاهبِهِ الاجتماعيّةِ متطرّفًا، وإنّما كانَ ثائرًا على الإقطاعيّةِ وداعيًا إلى قيامِ مجتمع تعاونيٍّ حرِّ، مجرَّدٍ مِنْ الاستغلالِ السياسيِّ والاجتماعيِّ، يُؤمِّنُ للفقيرِ خبزَه وببسَرُ لهُ حياةً تفيضُ عدلاً، لذا نجدُهُ ثائرًا رافضًا للظلمِ، وقد تحمّلَ في ذلكَ فقدانَ مناصِبِه ودخولَ السّجنِ غيرَ مرّةٍ، ومِنْ شعرِهِ في هذا المقامِ: قولوا لـ (عبّود) علَّ القولَ يشفيني إنّ المُرابينَ إخوانُ الشّياطينِ كأنّما النّاسُ (عبدانٌ) لِدِرهمِهمْ وتحتَ إمرتِهم نصُّ القوانينِ أأَسْجُنُ الناسَ إرضاءً لخاطِرِكم وخشيةَ (العزلِ) مِن ذا (المنصبِ الدّونِ)؟ ونتيجةَ انتشارِ الفسادِ الإداريِّ والفقرِ واضطرابِ الواقعِ السياسيِّ وضياع فلسطينَ توجَّه عرارٌ إلى التّلهي بمضاربِ النّوَرِ ومصادقتهم، ويرى فيهم مجتمعًا متسامحًا تسودُهُ روحُ المساواةِ، ويعجُّ شعرُ عرارٍ بذكر النّوَرِومحاسنهم والتغنّي بعاداتِهم:
(بينَ الخرابيشِ) لا(عبدٌ) ولا (أمَةٌ)
ولا (أرِقّاءُ) في أزياءِ أحرارِ
(بينَ الخرابيش) لا حرصٌ ولا طمعٌ
ولا احترابٌ على (فِلْسٍ) و(دينارِ)
تغنّى عرارٌ بالمكانِ الأردنيِّ، فذکر کثیرًا وادي الشتا، ووادي اليابس، ووادي السّير المكان الَّذي أحبَّ فيه فتاةً شركسيَّةً وتغنّى بها بقولِهِ:
يا جيرة البانِ لیتَ البانَ ما كانا
ولا عرفْنا بوادي السير خِلّانا
وتناهى يومًا لعرارٍ أنّ النّوَرَ ضربوا قِبابَهم في وادي السّيرِ، فتمنّی لو جعلَ
المسؤولون الوقوفَ بوادي السيرِ إجباريًّا:
ليتَ الوقوفَ بِ (وادي السیر) إجباري
وليتَ جارَك یا (وادي الشتا) جاري
ومِنْ جوانبِهِ الوطنيّةِ المشرقةِ أنّهُ رأى في العدوِّ المحتلِّ لفلسطينَ خطرًا
يهدِّدُ الوطنَ العربيَّ ويُعجِّلَ في تهويدِ فلسطينَ، وفي ذلكَ قولُه:
يا ربِّ إنْ (بلفورُ) أنفذَ وعدَه ** كَمْ (مسلم) يبقى وكم(نصراني)
وكيانُ (مسجدٍ) قريتي مَنْ ذا الَّذيَ ** يُبقي عليهِ إذا أُزيلَ كياني
إنّ صِلَتي بعرارِ وثيقةُ العُرى، عميقةُ الجذورِ، تجعلُني أُجْمِلُ أهمَّ صفاتِهِ وخصائِصِه الَّتي عرَفْتُها فيهِ: وجهٌ نحاسيٍّ لا يَنْدى، وقلقٌ دائمٌ مستحوذٌ عليه، ووفاءٌ لافتٌ، فيومًا كنْتَ تلقى شاعرَنا عربيًّا قوميًّا، ويومًا أردنيًّا إقليميًّا مفرطًا،
ويومًا قطبًا مِنْ أقطابِ المعارضةِ، ويومًا مِنَ الموالينَ للقصرِ وآخرَ مِنْ روّادِ خرابيشِِ النَّوَرِ، لم تُبْطِرْه الألقابُ والنِّعمةُ، ولا تضعضعُهُ المنافي والنَّقمةُ، أَلِفَ الشَّقاءَ والحرمانَ. وخلاصةُ القولِ كان عرارٌ فريدًا في حياتِهِ، لا تلذُّ له حالةٌ حتّى يثورَ عليها، ولا يطمئنُّ إلى عيشٍِ حتّى يحارِبهُ.
(يعقوب العودات، عرار: شاعرُ الأردنّ)