اللغة العربية10 فصل أول

العاشر

icon

نص الاستماع:

زربية (1): قصة مترجمة

ترجمها عن الفرنسيّة: منصف المزغني

أخيرًا نُشِرتُ للأستاذ «شي» مقالة علميّةٌ فريدةٌ في بابها، نال مقابلَها مبلغًا ماليًّا مجْزيًا. هذا العجوز الّذي وهب حياته، وكلَّ مهجته لبحوثه لا يعرف كيف يُنظِّم حياته اليوميّة، وكان علينا - نحن الطّامحين لنيل الدّكتوراه تحت إشرافه- أن نعتني به بعد وفاة زوجته حتى يستخدم رأسماله الصّغير على الوجه الأفضل، ومن أجل هذه المهمة عقدنا اجتماعات عديدة!

تنقص الأستاذ «شي» أشياء كثيرة؛ فقد كان قليل الممتلكات والأثاث، ومن ناحية المبدأ فإن الأستاذ موافق على اقتناء الأشياء الضّرورية أكثر من غيرها، وحسب الأولويّة، وكل ما من شأنه أن يساعده على نشر كتابه القادم. سبق لنا أن تقدمنا بمقترحات لشراء أشياء كثيرة وللأسف كانت كلّها مرفوضة من جانبه. إزاء خيبتنا ونفاد صبرنا فإنّ الرّجل العجوز قد ضرب برفق على متكأ أريكة الخيزران وأطلق تنهيدة :

- لم يعد لدي وقت كثير

- ولكن، في نهاية الأمر، ما هو الشّيء الّذي يبهجك؟

- إنّني أفكر منذ زمن طويل، بل جدّ طويل، ولكن دعوني الآن أحتفظ بسرّي! هيا وأحضروا شاحنة صغيرة من المكتب الإداريّ على أن يُخْصم أجرُها من راتبي.

صرنا في حيرة من أمرنا، فنحن مرغمون على تنفيذ أوامره في الحال، وكنا مدركين أنّه ليس بمقدورنا إثناءه عما اعتزم القيام به، وهكذا سرنا في الطّريق برفقته.

أوقف السّيد «شي» الشّاحنة الصّغيرة أمام محلٍّ تجاري كبير وتوجه دون تردد نحو المصعد.

  • الطّابق الأخير من فضلكم! هكذا أمر .

في الطّابق الأخير تباع مواد الفراء والحليّ والمصنوعات التّقليدية والسّجاجيد، وأمام كومة السّجاد توقف! وبعد أن تمعن جيدًا في لائحة الأسعار والمقاسات اتخذ قراره.

  • أشتري هذه.

أُصبنا كلُنا بالذهول، حتى أننا حاولنا ثنيه عن عزمه .

  • أنت لا تملك، تقريبا، أية قطعة أثاث في البيت، فما نفع شراء سجادة؟! فضلا عن سعرها المرتفع!
  • لا عليكم، لدي أسبابي، هاكم الأموال، ادفعوا الحساب أرجوكم.

تناولت المال، ولكني مازلت أسعى إلى تغيير رأيه

  • إذا كنت، حقًا، تريد شراء سجّادة فلا فائدة في أن تكون بهذه السّماكة، فضلًا عن غلاء سعرها.
  • بالعكس إن السّجادة السّميكة هي القادرة، وحدها، على أن تمنح متعةً خاصّة!

أمام عجْزنا عن التّصرّف ضد إرادته دفعنا الحساب، ولففنا السّجادة، قبل أن نشحنها في السيارة.

حين وصلنا إلى العمارة حيث يقيم، ورفعنا السّجادة إلى الطّابق الثّاني انتظرناه أن يفتح باب شقته.

وكم كانت مفاجأتنا كبيرة! فبعد أن شكر السّائق، وفيما هو يصعد الدّرج، أَومَا لنا بيده:

  • ارفعوها إلى الثّالث !
  • ولكن لماذا يا أستاذ؟
  • افعلوا مثلما قلت لكم، سوف ترون!

لم يبق لنا إلّا أنْ نُذْعِنَ

توقّف أمام الشّقَة التي تعلو شقَته، وطرق طرقًا خفيفًا. لا أحد أجاب. لا شكَ أنّ الضّوضاء داخل الشّقّة قد بدَّدَ صوت الطرق الخفيف.

وَطَفِقَ يطرُقُ البابَ بقوة، وبفعل ارتجاج الباب ظهر وجهٌ باسمٌ لشاب طبّاخ المطعم الجامعيّ. كان ضجيج الأصوات وقهقهة الضحكات تصمّان آذاننا!

  • آه، هو حضرَتُك يا أستاذ «شي»! أية نسائم طيبّة حَملَتْكَ! رغم أننا جيران إلَا أننا لا نلتقي إلّا نادرًا! تفضَّل بالدخول. تفضّل

انحنى أستاذي العجوز قليلا ليصرح :

  • إنني ... ومنذ زمن طويل، أنوي أن أقدّم لك هدية متواضعة.

وببطء قام الطباخ بخطوة راقصة وأجابه وهو يضرب بكفّيه :

  •  اه ... اه! لقد سمعتهم يحكون أنك تلقَيْتَ مِنْحَةً إضافية.

تريد أن تُشْرِكَ جارك في تقاسم هذه المكافأة؟ «ليز هي» تعالَّي بسرعة واشكري...

ثم ظلّ فاغِرًا فاهُ من الدهشة وهو يرانا ننقل السجّادةَ داخل شقَّته!

في الدّاخِل كانت هناك مجموعة شُبان، وكانت وجوههم محمرّة، والعرقُ يتصبّب من جباههم وكانت السيدة اللّطيفة «ليز هي)» ذاهلة تستقبل الهديّة غير مصدقةٍ عينيها ولا أذنيها.

وخيّم الصمتُ على ذلك المجلس، فقد كان الكلّ يُحَمَلقُ في السّجادة بعيونٍ مفتوحة على آخرها وكأنهم أمام لعبة سحرية من "صن يوكونغ".

قطعت السيدة «ليز هي» الصمت وهي في منتهى الارتباك:

  • نحن شاكرون لك لطفك ... من هنا فصاعدًا لن نُزْعِج..

فقاطعها السيد « شي»

  • أرجوكم تقبّلوها إنها ليست غير  هدية بسيطة.

قاطع السيد «شي»، ثمّ أعطى الأمر: ابسطوا هذه السّجادة بسرعة!

وهو ما أنجزناه في الحال! كان الطّباخ الشّاب متضايقًا جدا ويحاول منعنا، ولكنّ السيد «شي» كان يلحّ:

  • دعهم وشأنهم، ستكون السّجادة عندكم كما هي عندي.

بعد قليل، وإثرَ العودة إلى شقَّة أستاذنا، عاتبناه على فعله هذا غير المسوّغ أو المفهوم.

وبدل أن يبحث عن مبرّرات، استقرّ مرتاحًا في أريكته الخيزرانيّة، وعيناه إلى السّقف، وبعد أن استمع إلى كل شكاوانا، تبدّت ابتسامة على شفتيه:

  • الأمر يستحقُ كلَّ هذا. إن فكرتي كانت جيدة! ثم واصل - وهو يشير إلى السقف -: لماذا تقولون إنّي أهديت السجّادة إلى غيري؟ ألم أدخل السّرورّ على نفسي مادامت السجادة تغطي سقف بيتي؟..

 

صن يوكونغ ملك القرود وهو بطل الرواية الكلاسيكية (( الحج إلى الغرب)) وله طرائق في التصرف والاحتيال.

الكاتب Hang Ying من مواليد 1944 وله في الفرنسية مجموعة قصصية بعنوان ((مساء خريف))

قصة صينية للكاتب: هانغ يينغ.

Jo Academy Logo