اسلامية تخصص فصل أول

الثاني عشر خطة جديدة

icon

 

التعلم القبلي

كرم الله تعالى الإنسان، وخلقه لغاية جليلة، هي عبادته تعالى وعمارة الأرض امتثالًا لأوامره، وجعل تأدية الإنسان هذه المهمة من أعظم وجوه أداء الأمانة الكبرى التي حملها الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾  ولذلك حرص الإسلام على تنمية الإنسان ذاته، وتطوير قدراته؛ لكي يتمكن من أداء دوره في الحياة على أفضل وجه.

 

الفهم والتحليل

حثّ الإسلام الإنسان على أن يكون فاعلًا في حياته، ومؤدّيًا رسالته في المجتمع؛ لذا دعاه إلى تطوير قدراته وإدارة ذاته على نحو فاعل.

أولًا مفهوم إدارة الذات وأهميتها

إدارة الذات تعني قدرة الفرد على استثمار قدراته، ومهاراته، وإمكاناته، وتعزيزها؛ لتحقيق أهدافه، وخدمة مجتمعه.

إن نجاح الإنسان في حياته، وفي تحقيق أهدافه، يعتمد على نجاحه في إدارة ذاته وفقًا لواقعه وقدراته؛ فلإدارة الذات وتطويرها أهمية كبيرة في حياة الإنسان، وتتمثل هذه الأهمية فيما يأتي:

أ . تمكين الإنسان من تخطيط حياته، وتحقيق أهدافه.

ب. مساعدة الإنسان على استثمار وقته في كل ما هو مفيد ونافع.

ج. تمكين الإنسان من التعامل مع التحدّيات، والتغلّب على المشكلات بنجاح.

د. تحلي الإنسان بشخصية إيجابية وفاعلة في المجتمع.

هـ. تمكين الإنسان من ضبط عواطفه وانفعالاته وتوجيه سلوكه؛ ما يُسهّل عليه بناء علاقات جيدة مع المحيط الذي يعيش فيه.

و. منح الإنسان القدرة على تحمّل المسؤولية وإنجاز المهام؛ لإحداث التغيير الإيجابي المنشود.

 

ثانيًا مبادئ إدارة الذات

لإدارة الذات مجموعة من المبادئ، منها:

أ . معرفة الإنسان ذاته، واكتشاف القدرات الكامنة فيها، وتحمّل المسؤولية، وتحديد نقاط القوة لديه لتعزيزها واستثمارها، وتحديد نقاط الضعف لمعالجتها وتحويلها إلى نقاط قوة؛ فلا أحد أبصر وأعرف بما في نفس الإنسان من نفسه، قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾

ب. تحديد الأهداف، وترتيب الأولويات، ووضع خطة لتحقيق الأهداف، فلا معنى للحياة، ولا قيمة لها إن لم يكن للإنسان هدف واضح يسعى لتحقيقه والوصول إليه، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

ج. استثمار الوقت وتنظيمه وصولًا إلى تحقيق الأهداف المنشودة؛ فالوقت هو الحياة، والعبد سيسأل عنه يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» وينبغي للإنسان أن يراعي في ذلك كله التوازن بين الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

د. التفكير الإيجابي والتفاؤل الذي يمنح الإنسان الطاقة الإيجابية لإحداث الأثر الحسن في حياته وحياة من حوله، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقد نهى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم عن وصف نفسه (إن أصابها شيء من الضيق والضجر) بالخُبْثِ؛ لما في وصف النفس بذلك من أثر سلبي فيها؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي»

هـ. ملاحظة السلوك، وتقييم التصرفات؛ ليصبح الإنسان أكثر وعيًا بسلوكه، وقادرًا على اكتشاف مواضع الخلل، والتقصير، فيساعده ذلك على الرجوع إلى المسار الصحيح قبل فوات الأوان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

أربط مع علم النفس

تطوير الذات هو أحد مجالات علم النفس الذي يُعنى بمساعدة الأشخاص على تحديد نقاط القوة لديهم وتطويرها، وتحديد نقاط الضعف ومعالجتها، وتعزيز المهارات والخصائص التي يمتلكونها؛ لمساعدتهم على مواجهة مصاعب الحياة بثقة.

 

ثالثًا: جوانب إدارة الذات وكيفية تطويرها

حرص الإسلام على بناء الشخصية السوية المتكاملة، والارتقاء بها من جوانب عدة، أبرزها:

أ. الجانب المعرفي: يتمثل ذلك في زيادة معرفة الإنسان بالحقول العلمية والمعرفية والمهارات اللازمة لتحقيق أهدافه، وتحصين فكره من الشبهات بحضور مجالس العلم، والقراءة، والحصول على الدرجات العلمية، والمشاركة في الدورات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» . وكذلك الاطلاع على ما في الثقافات الأخرى من معارف وعلوم مما لا يتعارض مع الدين.

ب. الجانب الجسدي: يتحقق ذلك بالتزام الإنسان العادات الصحية السليمة، وممارسة الرياضة؛ ليقوى بها على أداء المهام المنوطة به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكَيْلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». كذلك يُتعين على الإنسان أن يحرص على التداوي والعلاج عند المرض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءٌ»

ج. الجانب الروحي: يتحقق ذلك بتعميق الصلة بالله ، وتنفيد أوامره، واجتناب نواهيه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

د. الجانب الوجداني والانفعالي: يتمثل ذلك في ضبط الإنسان مشاعره وانفعالاته؛ ما يزيد من الألفة، وحسن التواصل مع الآخرين، والنجاح في الحياة الاجتماعية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»

هـ. الجانب الاجتماعي: يتمثل ذلك في تفاعل الإنسان مع محيطه الاجتماعي، وإقامة علاقات إيجابية مع من حوله، وأداء واجباته نحو مجتمعه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»

 

صور مشرقة

أ. قال سلمان الفارسي في نصيحته لأبي الدرداء رضي الله عنه: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ». فلمّا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال: «صَدَقَ سَلْمَانُ»

ب. سئل ابن المقفع: من الذي أدبك كل هذا الأدب؟ فأجاب: نفسي. فقيل له: أيؤدّب الإنسان نفسه بغير مؤدّب؟ قال: كيف لا؟ كنت إذا رأيت في غيري حَسَنًا أتيته، وإن رأيت قبيحًا أَبَيْتُهُ، بهذا وحده أَدّبتُ نفسي.

 

الإثراء والتوسع

من الأمور التي تُعين على حُسن إدارة الذات:

أ. الإيمان بالله تعالى، والثقة به، وحُسن التوكل عليه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلاَ تَعْجِزْ»

ب. الثقة بالنفس، وقوة الإرادة، والصبر؛ فذلك كله يدفع الإنسان إلى الإصرار والمثابرة لتحقيق أهدافه بالرغم من الصعوبات، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ۚ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾. وللمسلم في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في مثابرته وإصراره وصبره في سبيل الدعوة؛ ما يساعده على إحراز النجاح الكبير بتوفيق الله تعالى.

ج. العلم وزيادة المعرفة؛ فَعَن طريق التعلّم المستمر، يُمكن للفرد تحديد أهدافه بوضوح، ووضع خُطط فاعلة لتحقيقها. كذلك يعمل الوعي الذاتي على تعزيز مواطن القوة وتجنّب مواطن الضعف. وبالمثل، فإن العلم يساعد على إدارة الوقت بفاعلية؛ ما يُعزّز الإنتاجية، ويُحقّق التوازن بين الحياة الشخصية والحياة المهنية.

 

Jo Academy Logo