التَّعلُّمُ القبليُّ
جــاء الإسلام متممًاَ لمكارم الأخلاق، فدعا إلى:
- كل ما هو حَسن وجميل قولًا وفعلًا، قــال تعــــالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.
- أمر بحسن الحديث، ونهى عن الفحش بالقول والعمل.
الفهم والتحليلُ
يسعى الإسلام إلى الارتقاء بالأخلاق للوصول إلى أعلى درجاتها في كل سلوك يقوم به الإنسان، قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء"، فيكون الإحسان في التعامل مع النفس ومع الآخرين.
أولًا: مفهوم التربية الذوقية
- التربية الذوقية عملية تهدف إلى تنمية سلوك الإنسان وتدريبه ليرتقي بأسمى مراتب الأخلاق الحميدة في تعامله مع نفسه ومع كل من حوله.
- وللتربية الذوقية أهمية كبيرة في حياة الإنسان؛
- فهي تضبط سلوكه وترتقي بتعامله مع ما يحيط به.
- وتكسبه الحس بجمال الأشياء، قال تعالى:﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾.
ثانيًا: مظاهر التربية الذوقية
التربية الذوقية تشمل تصرفات الإنسان جميعها، ومن ذلك:
أ. التصرفات الشخصية:
تظهر التربية الذوقية في سلوك الإنسان وتصرفاته الشخصية، ومن ذلك.
- حسن المظهر وأناقته، ومن ذلك: النظافة والتطيب، وتسريح الشعر، وستر العورة والحشمة، واختيار اللباس الأنيق الملائم للمناسبة من غير إسراف أو تكبر.
- التزام آداب تناول الطعام والشراب، ومن ذلك: الأكل باليد اليمنى، والأكل مما يلي، وتجنب الشرب من فم الإناء، وتجنب الحديث في أثناء مضغ الطعام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غُلامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمينِكَ، وَكُلْ مِمّا يَليكَ».
- التزام آداب السير، كالمشي بسكينة ووقار: قـال تعــالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
- عدم رفع الصوت في أثناء التواصل اللفظي مع الآخرين: قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
ب- التعامل مع ما حوله:
جاء الإسلام بمنهج أخلاقي يُوضِّح معالم تعامل الإنسان مع الآخرين؛ سواء كانوا أقاربَ، أو جيرانًا، أو أصدقاءَ. ومن ثَمَّ، يجب التعامل مع كلِّ أفراد المجتمع برُقِيٍّ. وفيما يأتي بيان لذلك:
1. التواصل والحوار مع الناس:
- ينبغي للإنسان عندما يتواصل مع الآخرين ويتحدث معهم ويحاورهم أن يتخير أطايب الكلام، قال تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.
- ويبتعد عن الكلام ِ الفاحش البذيء، قال رسول الله ﷺ: "ليس المؤمنُ بالطَّعانِ ولا اللَّعانِ ولا الفاحشِ ولا البذيء".
- ولا يرفع صوته أكثر من الحاجة.
- وأن ينصت لهم عند حديثهم ويبتعد عن مقاطعتهم.
- ويراعي المناسبة التي هو فيها عند اختيار الحديث، فلا يمزح في وقت التعزية.
- ولا يتناجى اثنان دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة، قال رسول الله ﷺ: "إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإنَّ ذلك يحزنه".
- كما يحرص على مشاعر الناس حتى وإن أخطؤوا.
- ولا يواجه الناس بالعتاب المباشر إذا علم بأمر لا يليق بأحد منهم، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت كان النبي ﷺ: إذا بلغه عن الرجل الشيء، لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: "ما بالُ أقوام يقولون كذا وكذا".
- كما ينبغي للتربية الذوقية أن تتجلى في الحوار بين أفراد الأسرة:
- بحسن المخاطبة بين الزوجين.
- وحسن مخاطبة البنين والديهم، والوالدين لبنيهم.
- وعدم المعاتبة بين الوالدين أو المناقشة في مشكلاتهم أمام أفراد الأسرة.
- وأن يمدح كل منهما الآخر بما فيه.
- كذلك ينبغي مراعاة التربية الذوقية عند المشاركة في مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بالتزام الاحترام المُتبادَل، واستخدام لغة مُهذَّبة في التحادث، والبُعْد عن الجدال. وقد ضَمِنَ سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَنْ ترك الجدال، ولو كان مُحِقِّا، بيتًا في رَبَض الجَنَّة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَنا زَعيمٌ بِبَيْتٍ في رَبضَِ الجَْنةَّ لمَِنْ ترََكَ المِْراءَ وَإنِْ كانَ مُحِقِّا » (رَبضَِ الجَْنةَّ:ِ نواحيها وأطرافها).
2- المرافق العامة: المرافق العامة كثيرة، ولكل مرفق آدابه، ومن ذلك:
أ. المسجد:
- ينبغي لمن أراد الذهاب إليه اختيار اللباس المنـاسب والتطيب، قـــال تعـــــالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
- كما عليه ركن السيارة في المواقف المخصصة لها، فلا يغلق الطرقات، ولا يضيق على جيران المسجد.
- فإذا دخل المسجد:
- وضع الأحذية في أماكنها.
- ولم يؤذ المصلين بـ:
- رائحة طعامه المؤذية.
- أو المرور أمامهم في أثناء الصلاة.
- أو تخطي رقابهم.
- أو التشويش عليهم، برفع الصوت، والضحك.
- أو التدافع عند الخروج من المسجد.
- أو المناداة في ساحاته.
ب. الطريق: وذلك بمراعاة آداب الطريق، ومنها:
- تجنب إغلاق الطرق في المناسبات.
- واجتناب مواكب السيارات، وتجنب استعمال أبواقها لغير حاجة.
- وعدم رفع صوت المسجل وغيره.
- وكذلك عدم قيادة السيارة بطريقة متهورة أو استعراضية.
- والتزام تعليمات السير المحددة للسرعة والإشارات الضوئية.
- مراعاة حقوق المارّة والمشاة.
ج. المؤسسات التعليمية:
- وذلك بالحفاظ على ممتلكاتها.
- وحسن استخدام مرافقها.
- والتزام أنظمتها وقوانينها.
- واحترام هيئاتها التدريسية والطلبة والعاملين فيها.
- وأداء الواجبات على أكمل وجه.
د.أماكن التنزُّه: يكون ذلك بــ:
* المحافظة على هذه الأماكن
* نظافتها.
* احترام خصوصية الآخرين؛ لكي تظلَّ البيئة نظيفة وآمنة للجميع.
هـ. وسائل المواصلات العامة: يكون ذلك بـــ:
* المحافظة على هذه الوسائل، وعلى نظافتها.
والتحلّي بالهدوء وتجنُّب التحُّدث بصوت عالٍ.
* عدم استخدام الهاتف على نحوٍ مُزعِج.
*يتعين احترام كبار السِِّّن والنساء.
* تقديم المساعدة للآخرين عند الحاجة.
و . المؤسسات العامة: يكون ذلك بـــــ:
*التزام الدور.
*الحفاظ على الهدوء.
*عدم التحدُّث بصوت عالٍ أو إحداث ضوضاء وجَلَبَة تُزعِج الآخرين.
*التحلّي بالصبر، والالتزام بالتعليمات والإرشادات.
ز. عناصر البيئة المختلفة:
- نهى الإسلام عن الإفساد في الأرض
- حث الإسلام على الرحمة بالحيوان والرفق به.
- حث الإسلام على إعمار الأرض بالزراعة وغرس الأشجار والاعتناء بالنباتات والجبال والأنهار والبحار وسائر موارد البيئة، لكي تظل صالحة لعيش الإنسان والحيوان، قال تعالى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
ثالثًا: آثار التربية الذوقية على الفرد المجتمع
للتربية الذوقية أثر واضح في سلوك الإنسان، وينعكس ذلك على المجتمع، ومن هذه الآثار:
- نيل محبة الله تعالى، فالله تعالى يحب صاحب الخلق الحسن، كما ينال مصاحبة سيدنا رسول الله الله ﷺ في الجنة، قـال رسـول الله ﷺ: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا».
- تعزيز العلاقات الاجتماعية الطيبة وترابطها، وبث المودة والحب والتعاون والتسامح والتراحم والاحترام بين أفراد المجتمع، وكسب حب الآخرين والتمتع بالسعادة والرضا؛ بغية استقرار المجتمع وتقدمه ورقيه وطمأنينته.
- الحفاظ على المُقدَّرات الوطنية، وذلك بغرس قِيَم الاحترام والتزام الآداب العامة في نفوس الأفراد. فالتربية الذوقية تُعزِّز شعور المسؤولية تجاه المجتمع والوطن؛ ما يدفع الأفراد إلى المحافظة على الممتلكات العامة والموارد الوطنية، ويُفِّزهم إلى تنميتها وتطويرها؛ سعيًا لمستقبل أفضل للوطن.
صور مشرقة
استضاف أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه الرسول ﷺ في بيته عندما قدم إلى المدينة المنورة، وأقام عنده حتى بنى مسجده وحجرة انتقل إليها، وكان بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مكونا من طابقين، فعرض على النبي ﷺ أن يسكن في الطابق العلوي وأن يكون هو في الطابق السفلي إذ كره أن يكون فوق النبي ﷺ، فرفض النبي ﷺ ذلك، وأخبره أنه يريد أن يكون في الطابق السفلي؛ ليكون أقرب للناس وللمسجد، وحتى لا يؤذي أهل بيته في أثناء دخولهم وخروجهم.
الإثراء والتوسع
تتنوع المناسبات الاجتماعية وتختلف طريق المشاركة فيها، وهناك العديد من الأخلاق والآداب ينبغي للمسلم أن يلتزمها عند زيارة الآخرين ومشاركتهم في مناسباتهم، منها:
- اختيار الوقت المناسب للزيارة، وعدم الإطالة فيها خصوصا عند زيارة المريض، واختيار المكان المناسب للجلوس، ومراعاة طريقة الجلوس.
- الاستئذان قبل دخول بيوت الآخرين أو الدخول على الوالدين في البيت، وعدم الوقوف أمام الباب مباشرة، والتزام المواعيد، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» .
- إفشاء السلام، وذلك بالمبادرة به عند لقاء الآخرين، والرد عليهم بأحسن مما قالوا إن هم بادروا بالسلام والتبسم والبشاشة عند لقائهم، قال تعالى: «وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا».
- إنزال الناس منازلهم، فقد سئل العباس رضي الله عنه عم النبي ﷺ أنت أكبر أو النبي ﷺ ؟ فقال: (هو أكبر، وأنا ولدت قبله) ، وهذه الإجابة فيها من الذوق الرفيع وتوقير النبي ﷺ، لكيلا يظن السائل أنه أكبر في المنزلة من النبي ﷺ.
- العطف على الصغار، وتوقير الكبار وتقديمهم، قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرِنا».
- احترام الخصوصية، وغض البصر، وحفظ الأسرار، وتجنب السؤال عن الأشياء المحرجة، والابتعاد عن الفضول الزائد، والتجسس على الآخرين.
- استثمار الوقت وإدراك أهميته، وذلك بالتفاعل مع المضيفين، وتبادل الحديث معهم، وعدم الانشغال بالهاتف، والبُعْد عن الجدال.
دراسة معمقة
هناك العديد من الكتب التي اشتملت على التربية الذوقية في الإسلام وما يتصل بها، ومن ذلك كتاب: (التربية الذوقية في الإسلام)، فقد تضمن الكتاب مفهوم التربية الذوقية وطرائق تنمية الذوق الرفيع لدى أفراد المجتمع واستدل على ذلك بالنصوص الشرعية المختلفة.