يبين الدرس مفاهيم الحرية والحتمية والإرادة وتطور هذه المفاهيم عبر التاريخ وآراء الفلاسفة حولهم.
أولًا: الحرية: Freedom
(أنا حرّ). نسمع هذه العبارة كثيرًا تنطلق من أفواه الناس وفي كتاباتهم، فهل يعي الناس معانيها بصورة صحيحة.
كيف ظهر مفهوم الحرية؟
- إن الحرية كانت منذ بداية الاجتماع البشري محل اهتمام بالغ للناس، خاصة عندما كان البشر يستعبدون بعضهم بعضًا.
- وعندما بدأ الإنسان يسعى لفهم ذاته، وبدأ يمارس الفلسفة كما هي تعبيرًا عن إدراكه لهذه الذات ولعلاقاته ولأهدافه التي يسعى لتحقيقها ليعيش حياة أفضل.
- وبدأت الفلسفة تهتم بفهم الحرية بوصفها جزءًا أصيلًا من ذات الإنسان في أنه كائن عاقل يفكر ويختار وأنه قادر على القيام بأفعال خاصة به، ويعلم في الوقت نفسه أن هناك حدودًا لا يمكنه تجاوزها.
تعريفات لمفهوم الحرية:
- الحرية مفهوم فلسفي.
- مفهوم أخلاقي واجتماعي يتعلق بعلاقات الناس ببعضهم بعضًا في سياق اجتماعي متنوع الأبعاد، فالإنسان الذي يعيش وحده لا يسأل نفسه إن كان حرًا أم لا؛ بسبب غياب الحاجة الأخلاقية والاجتماعية والقانونية لهذا السؤال.
- الحرية في جوهرها قدرة الإنسان على الفعل أو عدم الفعل بإرادة واختيار سواء بالقول أو بالفعل ضمن حدود مرتبطة بوجوده مع الآخرين وضمن امكاناته الذاتية والاجتماعية، وذلك بعدم الإضرار بهم، واحترامه لهم ولحقوقهم ضمن القوانين الحاكمة لعلاقاتهم ببعضهم بعضًا.
- يعي الفرد حقوقه ويمارسها ويعرف حدود وإمكانات الفعل الخاص به ضمن هذا الشرط، وأن تدرك أن الآخرين لديهم الحق ذاته في الفعل الخاص بهم في السعي لتحقيق مصالحهم والتعبير عن ذواتهم ومعايشة اعتقاداتهم، والقدرة على ممارسة العمل الخاص بهم في ما لا يمنعك أو يمنع الآخرين من هذا الحق.
الفلسفة والحريّة
لماذا اهتمت الفلسفة منذ بدايتها بموضوع الحرية؟
- بوصفها شرطًا جوهريًا لتقدم الإنسان وممارسته لحياته بصورة تتناسب مع ماهيته وخصوصيته.
- وقد تنوعت تعريفاتها ومحاولة فهمها بناءً على المرحلة الفكرية والاجتماعية والبيولوجية والوجدانية التي يمر بها الفرد والمجتمع.
- فقد تأثرت بالواقع السياسي بصورة كبرى في معظم مراحلها، وإن كان بعض الفلاسفة قد حاولوا أن يُعرّفوها بصورة فلسفية لتتسق مع هدفهم في معرفة جوهر الفكرة التي يبحثون فيها.
إضاءة: إنسانية الإنسان تعني أنه كائن عاقل أخلاقي اجتماعي حر.
ماذا تعني الحرية في إطارها العام؟
- القدرة على الفعل من دون قيد أو حَجْر، وأن يكون الإنسان قادرًا على فعل ما يريده في الوقت الذي يشاء، ضمن إمكانية متنوعة في الاختيار بين القيام بالفعل أو تركه. وهذا يتضمن أن الفرد الحر ينبغي أن يكون سليمًا معافى في عقله وجسده، ليتمكن من الاختيار وتنفيذ رغباته وتحقيق اختياراته،
- ويتضمن هذا مفهومًا جوهريًا في الحرية وهو الاختيار الذي يشمل القدرة الطوعية على الفعل أو عدم الفعل، ضمن أسباب عديدة متاحة أمامه على أن يفعل أو لا يفعل، وهي مرتبطة بخاصية إنسانية وهي الإرادة، فهو الذي يقرّر ما يريد وله القدرة على الفعل والتنفيذ بصورة إيجابية بالتنفيذ أو بصورة سلبية بالترك، فأنت حر في تناول كأس من الماء أو عدم تناوله، إذا كنت سليم الجسم معافى راغبًا ومريدًا من دون أن يفرض عليك أحد ما يريد.
كيف اهتم الفلاسفة اليونانيون بالحرية؟
- اهتم الفلاسفة اليونانيون بالحرية وربطوها بالواقع السياسي بصورة أساسية.
- وعدّوها عنوانًا للقدرة على الفعل المعبر عن مصلحة الفرد والمجتمع.
- وأنها يجب أن تقوم على قدرة الفرد على فعل الأفضل لتحقيق الخير المرتبط بالمعرفة.
- والقائمة على الإرادة الحرة والاختيار الذاتي بعيدًا عن أي نوع من الإكراه والإجبار.
كيف درست الفلسفة الحديثة الحرية؟
- بوصفها قيمة كبرى وضرورية لتقدم المجتمع.
- الفرد غير الحر لا يمكنه الإسهام في تقدم المجتمع وتطوره وازدهاره.
بين مفهوم الحرية في فكر الفلاسفة؟
- رأى العقليون مثل الفيلسوف سبينوزا أن الحرية تتحقق بالعقل والوعي بأسبابها الصحيحة.
- كذلك كانط الذي رأى أن الإنسان قادر على معرفة الصواب عبر إرادة حرة خيِرة تدفعه إلى أفضل الأفعال التي يقودها العقل الأخلاقي الذي لا يختار إلا أفضل الخيارات لأنها موقف تجاه الحياة عامة وليست مجرد فعل، بل هي فعل واعٍ تقوده قوانين الأخلاق المطلقة بما ينسجم مع مصالح الناس جميعًا.
بيّن موضوع الحرية في الفلسفة الوجودية؟
- اهتمت الفلسفة المعاصرة بموضوع الحرية.
- وعدّتها الفلسفةُ الوجودية جوهر الإنسان في وعيه وسلوكه وماهيته.
- فهي ترى أن الإنسان بطبيعته حر تمامًا، بل ومحكوم بالحرية.
- ولكنه مسؤول عن اختياراته وأفعاله بسبب أنه هو الذي يصنع ماهيته عن طريق ما يمارسه من أفعال.
خصائص الحرية:
- الحرية كمفهوم متنوع التعريفات والاختصاصات والوظائف والأسباب والدوافع.
- تفترض أن يكون الإنسان صحيح الجسم معافى؛ ليتمكن من ممارسة حريته القائمة على إرادته ووعيه بموقعه ودوره في المجتمع الذي يعيش فيه.
- فالحرية تمارس في إطار مجتمع بكل ما فيه، وفي مقدمة ذلك القانون.
- والتحرر من الغرائز المهيمنة على الفرد والموجّهة له إلى خيارات لا عقلانية قد تنفعه مؤقتًا وتضر بالآخرين.
- فالإنسان لا يمارس حريته الطبيعية، أي يفعل ما يشاء وقتما يشاء لأنها فوضوية ضارة بعيدة عن المسؤولية والحقوق والتكافل.
- لا بد لها من قوانين تضبطها وتوجهها وتحاسب عليها، ليتمكن الإنسان من العيش مع الآخرين عبر عقد اجتماعي مستمد من الدين أو القانون ليتمكن الناس من العيش بهدوء لتحقيق أهدافهم بسلام وطمأنينة من دون تناقض أو تضارب في المصالح والدوافع.
الحرية في الفكر الإسلامي
- اهتم المفكرون المسلمون بموضوع الحرية.
- واتخذت هذه المسألة شكل مشكلة الجَبْر والاختيار.
- وابتدأت هذه القضية الفكرية عندما نظر المفكرون في معاني بعض الآيات القرآنية، إذ وجدوا أن بعضها يتضمن الجَبْر وأخرى تتضمن حرية الاختيار، من أمثلة ذلك:
قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [سورة التوبة:51]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: 39 [
ما المقصود بالتأويل؟
هو حمل المعنى الظاهر إلى معنى آخر يحتمله السياق.
- وأدرك هؤلاء المفكرون أن القرآن لا تناقض فيه، لهذا عمدوا إلى تأويل الآيات المختلفة كي تتفق مع ما يرون من جوهر الدين، وأُسُس العدل الإلهي، ونتج عن هذا التأويل ثلاثة مواقف:
- موقف يقول بالجبر
- موقف يتبنّى الاختيار والحرية
- موقف توفيقي بين الرأيين.
- موقف الجبرية
بيّن موقف الجبرية؟
- يمثل هذا الموقف الجهمُ بن صفوان، وعنده أن قَدَر الله أزلي ولا أفعال للعباد بذاتهم، بل يوجدها على أيدي البشر بقدرته وحده، وذلك يعني أن النشاط الإنساني مرتبط بالله ولا قدرة للإنسان أبدًا.
- وأن مصير الإنسان محدد مسبقًا بصرف النظر عن حدود الإرادة الإنسانية.
- فهو في فعله يشبه بقية المخلوقات كالجمادات تمامًا.
الجهم بن صفوان، ولد بالكوفة وهو أول من قال بأن الإنسان مجبر.
- وقد استند الجبريون في آرائهم إلى أن الله هو الخالق ولا خالق غيره، لأن الإنسان إذا أوجد فعله فهذا يعني أن هناك خالقًا آخر غير الله، وهو شرك.
- وقد استندوا إلى فهمهم لبعض الآيات القرآنية، ولبعض تأويلاتهم لمجريات حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي كانت استسلامًا لله وإيمانًا بقدره.
- ولبعض مجريات أفعال الصحابة في فهمهم لقدر الله.
الجَبْر والحرية
بماذا ربط الجبرية الحرية؟
- فَهمَ الصحابة رضي الله عنهم قدر الله على محمل الإيمان، وأن الأمر مرتبط بمشيئة الله.
- ولكنهم أدركوا أيضًا أنهم قادرون على الاختيار والفعل لهذا لم يستسلموا بصورة سلبية، بل تفاعلوا مع إيمانهم وآمنوا بقدراتهم، وذلك نابع من إيمانهم وفهمهم العميق لمضمون الآيات القرآنية، لهذا أدركوا أنهم قادرون، فتحركوا وتفاعلوا مع أهدافهم بالشورى وتبليغ الناس بالحق.
- موقف القدرية أو أصحاب الاختيار
بيّن موقف القدرية أو أصحاب الاختيار؟
- بدأ هذا الموقف صراحة معبدُ بن عبد الله الجهني الذي توفي سنة 80 للهجرة وهو أول من قال بالقدر.
- وقال أنصار هذا الفكر إن الإنسان قادر على فعله بنفسه، ويفعله بإرادته ويوجده بقدرته، وهذا يعني أن الله لا يُقدِرَ هذه الأعمال بصورة أزلية، فالفعل مرتبط بالإنسان.
بماذا تميّز فكر المعتزلة حول حرية الأنسان؟
- وقد استكمل المعتزلة هذه الفكرة وأضافوا لها مِساحة أكبر لحرية الإنسان مفادها أن الله عَلِمَ وَقَدَرَ كل شيء بصورة أزلية لكل شيء.
- ولكن أفعاله سبحانه يريدها وفق العِلم الأزلي وكلها خير، لأن الله لا يخلق الشر بأي حال.
- أما أفعال الإنسان فلا يريد الله أن توجد أو لا توجد، ولهذا لا يخلق منها شيئًا بقدرته؛ سواء أكانت خيرًا أم شرًا، فقد فوض الأمر فيها للإنسان وهو الذي يقرر أن يفعل أو لا يفعل حسب قدرته المستقلة.
- وإن كان الله يعلم بصورة أزلية ما سيختار الإنسان من أفعال، فيجازيه بصورة عادلة على ما أعطاه من القدرة والاختيار.
كيف استند المعتزلة الإنسان حرٌ وقادر على إيجاد فعله؟
عدد هذه الأدلة؟
- الدليل القرآني: وقد اعتبروا أن الآيات التي تبين قدرة الإنسان دليل على حريته، كما في الآية: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ﴾. [سورة النساء: 110 [
- الدليل النفسي، ويقوم على إحساس الإنسان وشعوره بالحرية بصورة مباشرة، فالإنسان قادر على الشعور بالفرق بين حركاته الاختيارية والاضطرارية، إذ يستطيع تناول كأس من الماء أو كأس من عصير، على عكس لو أنه كان مصابًا بمرض يمنع يده من هذا الفعل.
- الدليل الأخلاقي: إن الإنسان مكَلَف بالقيام بأفعال يجازى عليها بالثواب أو العقاب، فكيف يُفرِق بين هذه الأفعال لو كان مجبرًا؟
- الدليل العقلي: وهذه مسألة مهمة، وهي أن الله عادل إذ كيف يرضى الله عن طائفة من الناس، ويغضب على أخرى إذا كان هو خالق أفعالهم؟
- الموقف الوسط بين الجَبْر والاختيار
من تبنى موقف الوسط بين الجبر والاختيار، وكيف؟
- وقد تبناه الأشاعرة والماتريدية.
- فقد قالوا إن الله هو خالق أفعال العباد، لأنه مريد كلِ ما يصدر عنهم من أفعال سواء أكانت خيرًا أم شرًا، فإذا أحس الإنسان بقدرته على الفعل فهذا لا تأثير له في خلق الأفعال ذاتها لأن الخلق فعل الله، ولكن الإنسان إذا أراد شيئًا وسعى لفعله خلقه الله له.
- فالأمر هنا أن الأفعال من عمل الله، حُقِقتْ برغبة وسعي طالبها، لهذا فإن عِلّة العلل في الفعل هو الله.
صنف الأفعال عند الأشاعرة؟
الأفعال لدى الأشاعرة نوعان:
الأول الأفعال الاضطرارية التي لا علاقة للإنسان بها فهو ليس من خلقه ولا من رغباته ولا إرادة له فيه، ولا يسأل عنه.
الثاني الأفعال الاختيارية حيث يشعر الإنسان بقدرته عليها ويريدها، فيخلقها الله له فتتحقق له فيصبح مسؤولًا عنها. وتلك هي نظرية الكسب.
ما المقصود بالمدرسة الماتريدية؟
مدرسة سنيّة أسسها أبو منصور الماتريدي توفي سنة 333 للهجرة وتجمع بين الأدلة العقليّة والنقلية وهي وسط بين الأشاعرة والمعتزلة.
ماذا تعني نظرية الكسب؟
هي نظرية قال بها الأشاعرة، تقرر التوفيق بين حرية الإنسان ومسؤوليته وقدرة الله المطلقة في الخلق والإيجاد: يخلق الله الفعل عند قدرة العبد لا بقدرته وإرادته.
ثانياً: الحتمية
مثال توضيحي للمحمية:
(إذا نظرت إلى الواقع من حولك فسوف ترى أنه مكون من أجزاء مترابطة بعضها ببعض، مبنية بناءً محكمًا يمكنك في لحظة ما تحديد حالته في لحظة ثابتة)
- فعلى سبيل المثال لا تستطيع المشي على الماء.
- أو السير في الهواء لوجود قوانين طبيعية لا يمكنك تجاوزها أو اختراقها.
- فلو ألقيت من يدك أي شيء سرعان ما يسقط على الأرض لوجود الجاذبية التي تسحب الأشياء إلى الأسفل.
- هذا النظام الطبيعي محكوم بقوانين ثابتة تفرض على الإنسان حدودًا لا يمكنه تحديها بوضعه الطبيعي،
ما المقصود بالحتمية؟
تعني أنك لا تستطيع تغييرها أو اختلاقها بما صُممت عليه من طبيعة تتحدى قدرة الإنسان العادي على الفعل.
مثال توضيحي آخر حول الحتمية:
- لو رميت قطعة من النقود المعدِنية إلى الأعلى فسوف تسقط إلى الأسفل إذا لم يعترضها شيء.
- هذه هي الحتمية الطبيعية التي تقف مانعًا وحائلًا لممارسة الإنسان لأفعاله كيفما يريد وفي الوقت الذي يريد؛ لذا فالحتمية تحدد إطار أفعالنا ونتائجها لأنها مرتبطة ومحكومة بأسباب ومؤثرات تسبقها خارج حدود قدرتنا، وهذا يعني أن الحوادث المستقبلية ثابتة وغير قابلة لأن تتغير تمامًا.
السؤال: هل نحن بوصفنا كائنات عاقلة قادرة على الحركة والاختيار ولدينا العقل والوعي والإدراك والقدرة على الفعل، مرتبطون في أفعالنا ونتائجها بهذا العالم المادي المحكوم بقوانين صارمة لا تتغير ولا تتبدل؟
نتيجة المثال التوضيحي حول الواقع المادي كما يراه الفلاسفة:
- يرى بعض الفلاسفة أن قراراتنا وسلوكاتنا ومقاصدنا وأفعالنا مثل الواقع المادي (محكومة بواقع لا يمكن تغييره)، وأنه مفروض علينا بالطريقة نفسها المتعلقة برمي قطعة النقد المعدِنية وسقوطها على الأرض.
- اهتم الفلاسفة بهذه المسألة لأنها تتعلّق بمفهوم الحرية، وهل لدى الإنسان الإرادة على الفعل في إطار مشابه لهذا الواقع المادي المحكوم بقوانين صارمة تحول دون قيام الإنسان بأفعال حرة، في الوقت الذي يريد وبالكيفية التي تناسب حريته وإرادته واختياره، أم أنه لا حرية له فهو محكوم بقوانين الطبيعة الحتمية التي تمنعه من ممارسة هذه الحرية في الفعل حتى وإن كان ظاهريًا يفعل ما يريد وقتما يشاء.
بماذا يرتبط تحكُّم الحتمية على الفعل الإنساني؟
- مسألة جوهرية وهي المسؤولية وخاصة المسؤولية الأخلاقية.
- فإذا كانت أفعالنا نتيجة لخياراتنا فنحن مسؤولون عما نفعل.
- وإذا كان الأمر مقدَرًا علينا ومفروضًا من واقع صارم لا نستطيع تغييره.
- فإننا نتصرف بطريقة مغايرة، وتتلاشى مسؤوليتنا عمّا ينتج من أفعالنا.
العلاقة بين الحتميّة والحريّة
ما العلاقة بين الحتميّة والحرية؟
- إن الحريّة هي نقيض الحتمية والجبرية، لأنها تعطي الإنسان مساحة للفعل الحر يمكِّنه من تحقيق أهدافه وتطوير معارفه وتعزيز علاقاته مع غيره من الناس، عبر إطار المسؤولية التي تحفظ سيرورة المجتمع ليبقى في حالة سلام ووئام وتقدم، وعبر قدرته على ممارسة الأفعال الصائبة واختيار المواقف الأخلاقية الصحيحة والمناسبة.
- إن إدراك الإنسان أنه لا يعيش الحتمية في أفعاله ومعارفه وأنه قادر على الاختيار بين البدائل المتاحة هو ما أسهم بقوة في تقدّم المعارف الإنسانية، وتقدّم الحياة البشرية عمومًا؛ لأن الإنسان يدرك أن الحياة متاحة أمامه، ويستطيع أن يفعل ما يمكّنه من القدرة على فعله، فإذا أردت أن تزور صديقًا فبإمكانك القيام بهذه الزيارة أو إلغاؤها لأن لديك القدرة على اختيار البدائل التي لا يقف مانع يمنعك من فعلها.
إضاءة: يرى بعض الفلاسفة أن هناك عددًا من الحتميات:
كالحتمية الميتافيزيقية
والحتمية النفسية
والحتمية الطبيعية
والحتمية التاريخية
والحتمية المنطقية.
ثالثًا: الإرادة Will
مثال توضيحي للإرادة:
ترتبط الإرادة بوصفها قوة نفسية يعيشها الإنسان في حياته كل لحظة، فإذا كنت تريد الذهاب إلى رؤية أحد أصدقائك فهذا يعني أنك ترغب في الذهاب إلى هذا الصديق لأنك تشتاق إلى رؤيته، ومن ثَمَ تقوم بالذهاب إليه.
ما المقصود بالإرادة؟
- الإرادة هي ميل الفرد إلى فعل شيء ما في زمن ما.
- وهي التي تدفع الفرد إلى إنجاز الفعل.
- وفي العادة تسبق الفعل وتسير معه، لأنها قوة نفسية قائمة على الرغبة والمعرفة تتضمن نوعًا من الوعي والإدراك بالفعل والهدف.
- وتدفع الإنسان إلى تحقيق هدفه، وهو يدرك أو يتصور الأسباب التي تدفعه إلى هذا الفعل،
- ويعرف هذه الأسباب وقيمتها وهدفها، ويعتمد عليها في عزمه على الفعل، ويمكنه أن يفعل أو لا يفعل.
- الإرادة في العادة قوة على أن تفعل بصورة اختيار لا اضطرار فيه، بمعنى أنك لست مكرهًا عليه، بل هي أمر ذاتي له للقيام بالمراد، أو ما يسعى إليه الإنسان، أو ما يحقق رغباته.
ما أنواع الإرادة؟
- الإرادة الصالحة التي تتوجه إلى فعل الخير مثل مساعدة الوالدين أو كبار السن أو إزالة المعوقات في الشارع، أو إطعام الجائع.
- الإرادة السيئة أو الخبيثة التي تتوجه إلى فعل الشر، كالسرقة والتدمير والعبث في ممتلكات الآخرين أو إتلاف إطارات سيارات الجيران أو إتلاف موجودات الحدائق العامة.
- تتنوع الإرادات بتنوع الأفراد والجماعات، فهناك إرادة فردية خاصة بكل فرد،
- وهناك إرادة عامة خاصة بمجموعة من الناس سواء أكانت أسرة أم أُمَة، ومنها إرادة الاعتقاد وإرادة الحياة في الاستمرار بالصورة التي يريدها الفرد أو الأمة حسب تصوراتهم وأهدافهم في التقدم والرفاهية.
ولعل أبرز الإرادات هي إرادة الوعي، في أن تدرك ما تريد وتسعى له مريدًا مقتنعًا به.
لماذا من المهم للفرد أن يعيَ ذاته وأهدافه؟
لا يتبع الآخرين من دون إرادة، بل يعرف الأشياء وحدودها، وهل يرغب بها مريدًا لتحقيقها؟
وهي تتضمن وعيه لذاته واحترامه لها.
من هو فيلسوف الإرادة؟
إن من أبرز الإرادات إرادة الحياة التي عدّها الفيلسوف شوبنهور (1860-1788) Schopenhauer الحقيقية لأنها المعبر عن كل الإرادات، على افتراض أن الحياة ذاتها هي إرادة للحياة، يجب إدراكها ووعيها لتتمَ معايشتها بالصورة التي تحقق إنسانية الإنسان.
فكرة تراثية
اهتم المتكلمون المسلمون بموضوع الإرادة، وربطوها بموضوع الاستطاعة، فإذا أردت شيئًا لا بد من أن تكون مستطيعًا القيام به، والاستطاعة عندهم تعني أن تتوافر الأدوات التي تحقق الإرادة أو الاستطاعة، ومنها على سبيل المثال الأعضاء، فمن أراد المشي لا بد له من وجود الأرجل، ومن أراد أن يرى جمال الزهرة فلا بد له من عينين يبصر بهما.
إضاءة:
الإرادة العامة هي الإرادة الجمعية لشعب أو أمة، بافتراض أن هذه الإرادة تتقدّم وتستوعب الإرادة الفردية لأنها هي الإرادة الحقيقية من دون أن يكون ذلك مُصادَرَة لإرادة الفرد ما لم تكن متعارضة مع إرادة الأمة ومتناقضة معها أو ضارة بها.