في قَديمِ الَزّمانِ، وَفي بِلادِ الصّينِ البَعيدَةِ، عاشَ إِمبِراطورٌ كَبيرُ السِّنِّ، قَدِ ابيَضَّ شَعرُهُ، وَانحَنى ظَهرُهُ، وَلَم يُرزَق بِوَلَدٍ يَرِثُ العَرشَ مِن بَعدِهِ. وَكانَ هذا الإِمبِراطورُ مولَعًا بِالنَّباتاتِ وَالأَزهارِ، يَجِدُ فيها راحَةَ نَفسِهِ وَطُمَأنينَةَ قَلِبِهِ، فَإِذا نَظَرَ إِلى زَهرَةٍ مُتَفَتِّحَةٍ،أَشرَقَ وَجهُهُ، وَإِذا رَأى غُصنًا نَضيرًا، تَهَلَّلَ صَدرُهُ كَأَنَّما بَثَّت فيهِ الحياة أَنفاسها مِن جَديدٍ.
- الشرح:
بيان حال إمبراطور الصين الذي تقدم به العمر، وشعوره بالوحدة لعدم وجود وريث له، واتخاذه من الطبيعة (النباتات) ملاذًا لراحته النفسية وسعادته.
- معاني المفردات والتراكيب
مولعًا بالـ: شديد الحب والتعلق بها.
نضيرًا : جميلاً، ناعمًا ، ذا رونق (خاص بالنبات).
تَهَلَّلَ صَدْرُهُ: انشرح وفرح فرحًا شديدًا.
بُثَّتْ: نُشرت أو وُزعت (دبت فيه الحياة).
وريث: من يرث العرش والحكم بعده.
- الاستخراج:
اسم كان:هذا أسلوب شرط: "فإذا نظر إلى زهرة... أشرق وجهه"
وَذاتَ يَومٍ، قَرَّرَ الإِمبِراطورُ اختِيارَ وَريثٍ لِمُلكِهِ، وَلكِنَّهُ لَم يَجعَلِ الأَمرَ ميراثًا بِالدَّمِ وَلا بِالمَالِ، بَل أَرادَ أَن يَختَبِرَ قُلوبَ الفِتيانِ وَصِدقَهُم؛ فَأَعلَنَ عَن مُسابَقَةٍ يَفوزُ فيها مَن يَنجَحُ في زِراعَةِ بَذرَةٍ إِمِراطورِيَّةِ في غُضونِ سِتَّةِ أَشهُرٍ. شاعَ الخَبرُ في القُرى وَالمُدُنِ، فامتَلَاَتِ القُلوبُ بِالحَماسَةِ، وَصارَتِ المُسابَقَةُ حَديثَ النّاسِ في كُلِّ مَكانٍ. وَعِندَما حانَ وَقتُ تَوزيعِ البُذورِ، احتَشَدَ الفِتيانُ في ساحَةِ القَصرِ، وَمَدّواَ أَيدِيَهُم لِيأخُذوا البُذورَ، وَكَأَنَّهُم يَأخُذونَ جَواهِرَ نَفيسَةً، ثُمَّ عادوا إِلى بُيوتِهم وَهُم يَحمِلونَ أُمنِيَّةً عَظيمَةٌ يَرجونَ نَيلَها.
- الشرح:
تتحدث الفقرة عن قرار حكيم ومفاجئ من إمبراطور الصين لاختيار خليفة له. فبدلاً من اعتماد نظام الوراثة التقليدي القائم على الدم أو المال، قرر الإمبراطور اختبار أخلاق الشباب (قلوبهم وصدقهم). أعلن عن مسابقة فريدة من نوعها تعتمد على "زراعة بذرة إمبراطورية" لمدة ستة أشهر، مما أثار حماس الشباب في كل مكان، فاجتمعوا في ساحة القصر بلهفة شديدة للحصول على هذه البذور وكأنها كنوز ثمينة.
- معاني المفردات والتراكيب:
ميراثًا: ما يُترك للآخرين بعد الموت (وهنا يقصد الحكم).
يختبر: يمتحن.
غضون: خلال أو في مدة زمنية معينة.
شاع الخبر: انتشر وذاع بين الناس.
احتشد: تجمّع في مكان واحد بأعداد كبيرة.
نفيسة: غالية الثمن وذات قيمة عالية.
- الاستخراج:
اسم إشارة: هذا جمع تكسير: القرى أسلوب شرط: "مَن ينجح في زراعة بذرة... يفوز (فيها)"
كانَ الفَتى (جونُ) أَحَدَ أَفضَلِ المُزارِعينَ الَّذينَ تَقَدَّموا لِلمُسابَقَةِ؛ فَقَدِ اشتُهِرَ بَينَ أَهلِ قَريَتِهِ بِمَهارَتِهِ في الزّراعَةِ؛ إِذ كانوا يَتَسابَقونَ لِشِراءِ المَحاصيلِ الَّتي يُنِتِجُها في مَزرَعَتِهِ؛ كَالبِطّيخِ الحُلوِ، وَالمَلفوفِ الطّازَجِ، وَالبازِلَاءِ الخَضراءِ. وَكُلَّما افتَقَدوهُ وَبَحَثوا عَنهُ، وَجَدوهُ في مَزرَعَتِهِ بَينَ النَّباتاتِ، يَعتَني بِها؛ فَيَقلَعُ عَنها الأَعشابَ الضّارَّةَ، وَيُعَرِّضُ بَعضَها ِأَشِعَّةِ الشَّمسِ، وَيَجعَلُ بَعضَها الآخَرَ في الظَّلِّ؛ حِرصًا عَلى نُمُوِّها نُمُوًّا مِثالِيًّا.
- الشرح:
تُعرفنا هذه الفقرة بالبطل (جون)، وهو شاب متميز في فن الزراعة وأحد المتقدمين للمسابقة. تبرز الفقرة مهارة جون العالية التي جعلت أهل قريته يتهافتون على شراء محاصيله المتنوعة مثل البطيخ والملفوف والبازلاء. كما تصف تفاني جون وإخلاصه في عمله؛ حيث يقضي جل وقته في مزرعته، يزيل الأعشاب الضارة، ويراعي احتياجات كل نبات من ضوء الشمس أو الظل لضمان نموها بشكل مثالي.
- معاني المفردات والتراكيب:
اشتهر: صار معروفاً وذا صيت بين الناس.
المحاصيل: ما تنتجه الأرض من حبوب وثمار وخضراوات.
الطازج: الحديث القطف الذي لم يتغير طعمه أو يذبل.
يفتقدوه: يشعرون بغيابه أو يبحثون عنه لعدم وجوده.
يعتني: يهتم ويرعى.
نموًامثاليًا: نموًا كاملاً وسليمًا من غير عيوب.
- الاستخراج:
اسم كان: "الفتى" (جون). اسم موصول: "الذين" خبر كان: "أحدَ
أَمسَكَ (جونُ) البَذرَةَ الإِمبِراطورِيَّةَ بِيَدِ مُرتَعِشَةٍ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ، وَشَرَعَ بإِعدادِ أَصيصٍ
لَها؛ فَوَضَعَ في قاعِهِ حِجارَةً كَبِيرَةً، وَغَطّاها بِالحَصى، ثُمَّ مَلَأَ الأَصيصَ بِتُربَةِ سَوداءَ خِصيَةٍ، وَغَرَسَ البَذرَةَ تَحتَ سَطحِها بِرفقٍ، وَحَرَصَ عَلى سِقايَتِها كُلَّ يَومٍ، وَهُوَ يَقولُ في سِرِّهِ: ها هُنا، بِداخِلِ هذا الأَصيصِ، سَتولَدُ حِكايةُ أَمَلي، وتَتَفَتَّحُ زُهورُ مُستَقبَلي.
وَمَضَتِ الأَيَامُ، فَإِذا بِالفَتى (تْشِن) يُعلِنُ عَن بَدءِ نُمُوِّ بَذرَتِهِ خارِجَ سَطحِ التُّريَةِ، فَأَخَذَ أَهلُ القَريَةِ يُهَنِّونَهُ، ثُمَّ تَبِعَهُ (مانتشو) وَ(وُونْج)، وَسُرعانَ ما نَمَت بُدُورُ الفِتيانِ حَتّى امتَلَاَتِ القَريَةُ بِأُصُصٍ زاهِيَةٍ. أَمّا أَصيصُ (جون) فَظَلَّ ساكِنًا، لا حَياةَ فيهِ؛ إِذلَم تَنمُّ فيهِ البَذرَةُ قَطُّ.
ساءَت حالُ (جون)، وَشَعَرَ بِالحَيرَةِ بِسَبَبٍ أَصيصِهِ الفارِغِ؛ فَقَد غَيَّرَ التُّربَةَ مِرارًا، وَأَضافَ السَّمادَ إِلَيها، وَجَرَّبَ نَقلَ البَذْرَةِ إِلى أَصيصٍ آخَرَ؛ رَجاءَ أَن تَكونَ المُشكِلَةُ في الأَصيص، وَمَعَ ذلِكَ لم تَخرُجْ مِنَ التُّربَةِ وَرَقَةٌ وَلا ساقٌ.
- الشرح:
تصف هذه الفقرة اعتناء "جون" الفائق ببذرته؛ فقد استعد لذلك بتجهيز أصيص بأسلوب علمي دقيق، مستخدماً الحصى والتربة الخصبة، وكان يسقيها يومياً بتفاؤل كبير. ومع مرور الوقت، بدأت بذور الفتيان الآخرين (مثل تشن، ومانتشو، وونج) بالنمو والازدهار حتى امتلأت القرية بالأزهار الملونة، بينما ظل أصيص جون فارغاً لا حياة فيه. ورغم شعوره بالحيرة والقلق، لم يستسلم جون، بل حاول تغيير التربة وإضافة السماد ونقل البذرة لأصيص آخر، لكن دون جدوى، إذ لم ينبت لها ساق أو ورقة.
- معاني المفردات والتراكيب:
أصيص: وعاء فخاري أو بلاستيكي تُزرع فيه النباتات.
خَصيبة: تربة غنية بالعناصر الغذائية صالحة جداً للزراعة.
بِرِفْق: بلين وعناية وهدوء.
زاهية: مشرقة وجميلة الألوان
ساءت حالُه: أصبح حزيناً أو في وضع سيء.
الحيرة: التردد والارتباك وعدم معرفة السبب.
- الاستخراج:
فعل ماضٍ: وَضَعَ فعل مضارع : تخرج أسلوب نفي: لا حَياةَ فيهِ ظرف مكان: تَحْتَ
مَضَتِ الأَشهُرُ السَّنَّةُ كَلَمحِ البَصَرِ، وَتَهَيَّ الفِتيانُ لِتَقديمِ الأُصُصِ إِلى الإِمبِراطورِ؛ فَنَظَّفوها، وَمَسَحوا أَوراقَ نَباتاتِهِم حَتّى غَدَت لامِعَةً كَاللُّؤلُؤٍ، وَذَهَبوا بِها إِلى القَصرِ. أمّا (جون)، فَكانَ يَجلِسُ أَمامَ أَصيصِهِ الفارِغ دامِعَ العَينَينِ لا يَدري ما يَفعَلُ. فَبَينَما هُوَ كَذلِكَ قالَ لَهُ والِدُهُ: يا بُنَيَّ، خُذ أَصيصَكَ الفارغَ إِلى الإِمبِرَاطورِ، فَقَد فَعَلتَ كُلَّ ما في وُسعِكَ، وَلَن يُضَيِّعَ اللهُ تَعالى جُهدَكَ أَبَدًا.
دَخَلَ الفِتيانُ القَصرَ، وَوَقَفوا في صُفوفٍ مُنتَظَمَةٍ حامِلينَ نَباتاتِهِمُ المُزهِرَةَ. كانَ الإمبِراطورُ يَسيرُ بَينَهُم مُتَفَحِّصًا نَباتاتِهِم، وَعُيونُهُم تُلاحِقُهُ بِلَهفَةٍ، وَقُلوبُهُم تَخفِقُ كَأَجنِحَةِ الطَّيرِ؛ فَمَنِ الَّذي سَيُعلَنُ اسمُهُ فائِرًا في المُسابَقَةِ؟ وَمَن سَيكونُ إمبِراطورَ البِلادِ القادِمَ، وَسَيَحظى بِالعَرشِ؟ وَعِندَما انتَهى (الإِمبِراطورُ) إِلى (جون)، وَرَأى أَصيصَهُ الفارِغَ، تَجَهَّمَ وَجهُهُ وَقالَ: ما هذا؟ أَأَحضَرتَ إِلَيَّ أَصيصًا فارِغًا؟
تَماسَكَ (جون) كي لا يَبكيَ مِن شِدَّةِ الحُزنِ، وَقالَ: سَيِّدي الإِمبِراطورَ، لَقَد بَذَلتُ كُلَّ جُهدي في زِراعَةِ البَذرَةِ، وَلَم أُقَصِّرْ في رِعايَتِها؛ فَأَعَدتُ زِراعَتَها غَيرَ مَرَّةٍ دونَ جَدوى. أَشعُرُ بِالأَسَفِ الشَّديد لِعَدَم نُمُوَّها.
- الشرح:
تصل القصة إلى ذروتها بعد مرور الأشهر الستة؛ حيث استعد الفتيان لمقابلة الإمبراطور بنباتاتهم الزاهية التي تعتنوا بها حتى أصبحت أوراقها لامعة كاللؤلؤ. أما "جون"، فقد كان محطماً يجلس أمام أصيصه الفارغ وعيناه تملؤهما الدموع، لكن والده شجعه على الذهاب بصدق قائلاً له إن الله لا يضيع أجر المجتهد. عند دخول القصر، وقف الفتيان بزهورهم، بينما كان الإمبراطور يتفحصها بوجوم، وعندما وصل إلى جون ورأى أصيصه الفارغ، سأله باستنكار عن سبب إحضاره وعاءً خالياً. تماسك جون وأجاب بكل أمانة وشجاعة أنه بذل كل جهده وأعاد الزراعة مراراً دون جدوى، معبراً عن أسفه الشديد لعدم نموها.
- معاني المفردات والتراكيب:
غَدَتْ: أصبحت.
دامع العينين: تسيل الدموع من عينيه من شدة الحزن.
تلاحقه بلهفة: تتابعه بشوق وحماس شديد.
تَجَهَّمَ وجهه: عبس وظهرت عليه علامات عدم الرضا.
لم أقصر: لم أتهاون أو أهمل.
- الاستخراج:
أسلوب نداء: "يا بني" أسلوب استفهام: أحضرت إليَّ أصيصاً فارغاً؟
التَفَتَ الإمبِراطورُ صَوبَ فِتيانِ القَريَةِ، وَقالَ بِصَوتٍ هادِرٍ كَالزَّعدِ: أَيُّها الفِتيانُ، إِنَّ البُذورَ الَّتي أَعطَيتْكُم إِيّاها غَيرُ صالِحَةٍ لِلزِّراعَةِ، فَمِن أَينَ جاءَت نَباتاتُكُم؟ سَكَتَ الفِتيانُ وَطَأطَؤوا رُؤوسَهُم.
نَظَرَ الإِمبِراطورُ إِلى (جون) مُبتَسِمًا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى كَتِفِهِ، وَقالَ: إِنَّ هذا الفَتى هُوَ الأَجدَرُ بِأَن يَكونَ إِمبِراطورَ البِلادِ القادِمَ؛ فَالبِلادُ لا تَقومُ إِلَّا عَلى الصِّدقِ، وَلا يَعلو شَأنُها إِلّا بِهِ. غَمَرَ الفَرَحُ قَلبَ (جون) حينَ سَمِعَ كَلامَ الإِمبِراطورِ، وَالتَفَتَ إِلى والِدِهِ، فَوَجَدَ عَينَيَهِ تَلمَعانِ فَخرًا وَاعتِزازًا بِهِ.
وَعِندَها أَدرَكَ فِتيانُ القَريَةِ أنَّ الصِّدقَ هُوَ سَبيلُ الرِّفعَةِ في الحَياةِ.
- الشرح:
تصل القصة إلى لحظة الحقيقة الحاسمة؛ حيث يكشف الإمبراطور للجميع المفاجأة التي لم يتوقعها أحد، وهي أن جميع البذور التي وزعها كانت عقيمة وغير صالحة للإنبات أصلاً. وهنا يظهر زيف وخداع الفتيان الذين استبدلوا بذورهم لينالوا إعجاب الإمبراطور، فسيطر عليهم الخجل ونكسوا رؤوسهم أمام الحقيقة. في المقابل، يقع اختيار الإمبراطور على "جون" ليكون خليفته وقائد البلاد القادم؛ لأنه الوحيد الذي امتلك شجاعة الصدق ونزاهة الأمانة. وتنتهي القصة بمشهد عاطفي يملؤه الفخر بين جون ووالده، ليتعلم الجميع درساً لا ينسى بأن الصدق هو الطريق الوحيد للرفعة والمكانة العالية.
- معاني المفردات والتراكيب:
هادر: صوت قوي وعالٍ (كصوت الرعد).
طأطؤوا رؤوسهم: خفضوها خجلاً وندماً.
الأجدر: الأحق والأولى.
تعلو شأنها: ترتفع مكانتها وتزدهر.
غمر الفرح قلبه: ملأه بشدة وفاض به.
الرفعة: العلو والقدر والشرف.