الدرس الفلسفة: تعريفها ونشأتها وأهميتها
تساؤل/ مقدمة تأملية
هل نظرت إلى السماء في ليلة صافية، ورأيت النجوم تتلألأ؟
هل رأيت هذا الكون الواسع الفسيح الذي يتجاوز حدود خيالك، وهل سألت مَنْ الذي أوجده، وكيف أوجده؟ ولماذا أوجده؟
وهل سألت نفسك أيضًا لماذا أنت بالذات بصفتك إنسانًا توقّفت أمام هذا المشهد الرائع؟ ولماذا تساءلت؟
وهل سألت نفسك أيضًا لماذا تتساءل حول كل ما يدهشك؟
(العلاقة بين الدهشة والسؤال) إنّ الإنسان كائن مميّز عن غيره من الكائنات الأخرى، لقد شعرت بالدهشة من جمال السماء وضخامتها وروعتها، ومن ثم تساءلت لأن لك رغبة في أن تعرف حقيقة هذه السماء الموجودة، وهذه سمة جوهرية في البشر عمومًا، الدهشة التي يتبعها السؤال.
إنّ السؤال ذاته يعبّر عن جوهر الإنسان؛ فهو استجابة للدهشة التي تصيب الإنسان، وبيان لحقيقة هذا الإنسان في رغبته الحقيقية في أن يعرف، وهذه الرغبة تبدأ بالسؤال، ومن ثم تسعى إلى البحث عن الإجابة المعبّرة عن المعرفة. ولكن، لا بد من طريق نستخدم فيه عقولنا للوصول إلى الإجابة، التي قد تتنوّع بتنوّع البشر، ولكن في النتيجة تتشارك عقول هؤلاء البشر لتصل إلى الحقيقة عبر منهجية توصلوا إليها خلال تاريخهم في استخدام عقولهم، وبناء المنهجية التي قادت إلى هذا الكم الكبير من المعارف التي توصّل إليها الناس خلال مسيرتهم الحضارية عبر مراحل التاريخ المختلفة.
تعريف الفلسفة
إنّ الفلسفة هي تساؤل الإنسان في بحثه عن الحقيقة من خلال استخدام العقل.
وهو التعريف الذي تبناه العرب المسلمون عندما استخدموا كلمة الفلسفة التي عربّوها عن الكلمة اليونانية، فيلوسوفيا، والتي تشابهت في كل لغات العالم، ومنها اللغة الإنجليزية تحت كلمة (Philosophy)، بمعنى حبّ الحكمة، أي أنّ الإنسان كائن عاقل يفهم ويستوعب ما يجري حوله، ويستخدم عقله من أجل معرفة الحقيقة التي تتعلّق بفهمه لنفسه: ويبحث عن الأجوبة المتعلقة بالأسئلة الأساسية مثل: مَنْ هو، ومم يتكون، وما قدراته؟ ولماذا يختلف عن الكائنات الأخرى؟
وكذلك، ليفهم علاقاته مع غيره من الناس وكيف يتواصل معهم، على أساس أنه كائن اجتماعي، عليه واجبات وله حقوق. ومن أجل أن يفهم العالم المحيط به، ويبحث عن أجوبة الأسئلة الأساسية التالية: من الذي أوجده؟ وكيف وجد، ومتى وجد ولماذا وجد؟ وهذه التساؤلات هي التي قادت الناس عمومًا والفلاسفة خصوصًا للبدء في بناء معارفهم وعلومهم منذ قرون، وتناولها الفلاسفة على أساس أنّ كل هذه المعرفة هي تعبير عن حب الحكمة، المُعبَّر عنها بالبحث العقلاني في كل أشكال المعرفة؛ لهذا كانت الفلسفة ومنذ نشأتها، وعبر مسيرتها تتضمّن كل المعارف الإنسانية، لأن الحكمة أن تعرف ذاتك، وتعرف الآخرين، وتعرف كيف تتعامل وتتعاون معهم لبناء حضارة نافعة للناس، وهذا يشمل كل العلوم والمعارف التي كانت جزءًا أصيلًا من الفلسفة حتى تم اكتشاف المنهجيات العلمية، وبدأت العلوم الطبيعية كالطب والفيزياء والفلك بالاستقلال عبر مسيرة الفكر الإنساني.
كيف نشأت الفلسفة؟
نشأت الفلسفة أساسًا من سمة الإنسان الأساسيّة، وهي أنّ له عقلًا يشاهد ويراقب ويربط ويتساءل عن ذاته وعن وجوده، وعن كل ما يتعلق به من تغيرات الحياة من حوله، فيوجد برد وتوجد حرارة وتوجد حياة ويوجد موت، فالتغيرات كثيرة ولا بدَّ للإنسان من أن يتساءل ليعرف أساس هذا الذي يحدث من حوله، ولهذا نشأت حضارات إنسانية متنوّعة منذ آلاف السنين. إذن الفلسفة في الجوهر دهشة ومراقبة وتساؤل لكل ما يحدث حول الإنسان، ولكنها أصبحت حقلًا معرفيًّا عند اليونانيين الذين تساءلوا وقدموا الإجابات حول هذه التغيّرات وأسبابها، وإن كانوا قد تأثروا بغيرهم من الأمم في هذا المجال.
أما ما يتعلق بالعرب قبل الإسلام وعلاقتهم بالفلسفة، فإنهم لم يعرفوا الفلسفة كما هو متعارف عليها؛ تفكير عقلاني نسقي فيما يتعلّق بالإنسان والعالم والله وبناء منظومات معرفية عقلية، بل كانوا قومًا أقرب إلى الفطرة التي شابتها عقائد متوارثة حول مجمل الحياة المتعلّقة بهم تقوم على نوع من الخبرة المباشرة والتجربة المعيشة التي نسجوها في أقوال حكمية أو أشعار متداولة، ولكن مع مجيء الإسلام تعزّز فهمهم لذواتهم ولعلاقاتهم في كافة جوانبها عبر العقيدة والعبادات والمعاملات الإسلامية؛ فهي في معناها الأصيل حب الحكمة القائمة على الحقيقة، والحكمة هي المعرفة النظرية التي تقود إلى السلوك العملي الصحيح في مختلف جوانب الحياة.
إضاءة
لا بد وأن تعلم أن معنى الفلسفة يتغير كلما تقدمت المعارف الإنسانية وتطورت مناهج البحث وتنوعت الرؤى عبر العصور .
أهمية الفلسفة
قامت الفلسفة وما زالت تقوم بدور مهم، سواء للفرد أو المجتمع، أو للبشر بصورة عامة، وتتبدى هذه الأهمية في الآتي:
-1 الفلسفة هي الجهد الإنساني في السعي إلى فهم كل ما يتعلّق بالإنسان عبر البحث العقلي، وهو ما أدى إلى أن تبحث الفلسفة في كل المعارف والقضايا التي لها علاقة بالإنسان.
-2 كانت الفلسفة نقطة البداية للتساؤل والبحث باعتبارها الإطار الجامع للعلوم كلها، فقد أسّست البحث في العلوم الطبيعية كالفيزياء، والكيمياء، والطب، والهندسة، والرياضيات.
-3 تهدف الفلسفة بصورة أساسية إلى الوصول إلى الحقيقة، لذا فهي لا تتعارض مع أي حقل معرفي أساسي كالدين مثلًا ؛ فالدين يقدّم الحقيقة الإلهية، من خلال الوحي من الله تعالى عبر الرسالات المرسلة للرسل عليهم السلام، في حين أنّ الفلسفة تسعى إلى الكشف عن الحقيقة عبر الفعل الإنساني المعتمد على العقل، والحقيقة واحدة وإنَّ تعددت طرائق الوصول إليها.
-4 أدّت الفلسفة دورًا مهمًّا في تقدّم المعارف والعلوم الإنسانية، لأنها سعت إلى تطوير التفكير والمعرفة الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.
-5 حقّقت الفلسفة إنجازات كبرى لأنها تبدأ من العقل الإنساني، وهو السمة المشتركة بين البشر. فقد قدمت دورًا في معرفة الإنسان لذاته وللبيئة المحيطة به.
-6 أسهمت الفلسفة في فهم الإنسان للبيئة من حوله، ما ساعد على إيجاد المعارف الإنسانية المتنوّعة، التي أدّت إلى تطوّر الحضارة من خلال تحرير عقل الإنسان من التبعية والأخطاء، وتحريره من المعتقدات الخاطئة التي كانت تحول دون تقدّمه، لأن الفلسفة تسعى إلى معرفة الحقيقة عبر استخدام العقل الإنساني وكل الأدوات التي توصل إلى الحقيقة.
أتأمل
لا يمكنني أن أعلّّم أي أحد أي شيء، كل ما يسعني فعله هو حث الأشخاص على التفكير. سقراط
الفيلسوف والقاضي ابن رشد
قال الفيلسوف والقاضي ابن رشد (520ه595-ه(
"فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدّي النظر البرهاني )المنطق والفلسفة( إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له".
ابن رشد: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997 ، ص 96 .