الفلسفة12 فصل أول

الثاني عشر خطة جديدة

icon

 

هل المعرفة ممكنة؟

يبين الدرس أراء الفلاسفة من امكانية المعرفة بين الشك واليقين ويوضح أبرز الفلاسفة من إمكانية المعرفة

ما أقسام الفلاسفة حول إمكانية المعرفة؟

 ينقسم الفلاسفة في مسألة "هل المعرفة ممكنة؟" إلى قسمين:

الأوّل: الذين ينكرون إمكانية المعرفة وهم أصحاب مذهب الشك ( Scepticism ) الذين يشكّون في إمكانية المعرفة الإنسانية وينكرون قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة خارج ذاته، سواء أكان ذلك عن طريق العقل أم الحواس.

الثاني: الذين يرونَ أن المعرفة ممكنة وهم أصحاب مذهب اليقين ويعرفون بالمذهب الدوغمائي ( (Dogmatismالذين يثقون في قدرة الإنسان على الوصول إلى الحقيقة، وفي تجاوز أي عقبات تحول دون ذلك، سواء أكان ذلك عن طريق العقل أم الحواس.

اتجاه الشك:

-بين الشك لذاته والشك المنهجي؟

يمكننا التمييز في الشك بين اتّجاهين:

الشك من أجل الشك الذي لا يؤدي إلى غاية ما،

والشك المنهجي الذي لا يكون حقيقيًّا، بل مصطنعًا يفرضه صاحبه بإرادته من أجل الوصول إلى اليقين.

من أبرز فلاسفة الشك القدماء: (بروتاغوراس و بيرون)

بروتاغوراس السفسطائي اليوناني، الذي شكّك بقدرة الحواس والعقل على المعرفة وإدراك الحقيقة، وذهب إلى القول إنّ "الإنسان مقياس الأشياء جميعًا" فتصبح المعرفة نسبية وذاتية؛ لذا يكون الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة، إذ إنّ اختلاف الأفراد في التكوين والشعور سيؤدي إلى ظهور الشيء نفسه، كل مرة بطريقة مختلفة عن تلك التي سيبدو بها في النهاية، وعليه لا يمكن تحديد حقيقة موضوعية للشيء، وإذا اختلفت الأحكام من شخص لآخر، لا يمكننا الحديث عن وجود حقيقة مطلقة، ليصبح الصواب هو ما أراه أنا صوابًا والخطأ هو ما أراه أنا خطأً، والخير هو ما يبدو لي خيرًا، والشر هو ما يبدو لي شرًّا.

ما الفرق بين الشك كمذهب والشك كمنهج؟

كان الفيلسوف اليوناني بيرون206-270 (Pyrrho)  ق.م قد قال بالشك المطلق في الحس والعقل معًا، وقد ظهر في مرحلة علت فيها موجة الشك المطلق في العصور اليونانية والرومانية القديمة، ووفقًا لبيرون، يصبح الحكم نفسه قابلًا للصدق أو الكذب بدرجة متساوية، فالحكم نفسه يكون صادقًا مرة وكاذبًا مرة أخرى، وفي نهاية الأمر نصل إلى موقف الامتناع عن الحكم، وما ينطوي عليه من اللامبالاة وعدم الاكتراث الذي قد ينتهي إلى الموقف (اللاأدري)، وفي هذه الحال لا يمكننا الوصول إلى حقيقة موضوعية، فالشك المطلق لا يقود إلى المعرفة؛ لأنه لا يؤدي إلى أيّ يقين ولا مخرج منه، وهنا نذكر قول سقراط "إنيّ أعرف شيئًا واحدًا وهو أنيّ لا أعرف".

 

الموقف اللاأدري، هو موقف يقوم على تساوي أدلة النفي مع أدلة الإثبات للقضية الفكرية المطروحة.

 

ويمكن القول إنّ فلاسفة الشك القدماء مثل بروتاغورس وبيرون قدّموا صورًا من الشك المعرفي الذي لا يؤدي إلى غاية ما؛ فكان الشك غاية في ذاته، وليس وسيلة للوصول إلى غاية أخرى.

 لكنّ الشك الذي يشكّل منبعًا للفلسفة الحقة هو ذلك الذي تكون غايته اليقين والحقيقة، فيكون عندئذ بمنزلة النقد الحذر والتمحيص الذي ينفذ إلى بواطن الأمور فيؤدي إلى تمييز الثابت من المتغيّر والحق من الباطل، ويمكن القول إن كل الفلسفات الكبرى التي عرفها التاريخ تقوم على مثل هذا الشك المستنير الذي يولّد اليقين.

موقف أفلاطون من الشك

لقد شكّ أفلاطون ورفض وصف المعرفة الحسية بصفة الحقيقة، وخرج من شكّه إلى الاعتقاد بعالم المُثُل والحقائق الأزلية، وإنّ نسبة عالم المُثُل إلى عالم الحس كنسبة الأشياء الموجودة خارج الكهف إلى الظلال والأشباح التي يراها سجين الكهف عندما توقد نار في طرف الكهف فيعكس ضوؤها الأشياء الخارجية صورًا وظلالًا وأشباحًا، فلا يرى السجين غيرها، وكذلك حالنا كما تهيأ لأفلاطون إذ نعتقد إنّ عالم المحسوسات والأشياء هو عالم الحقائق، بينما هي مجرد صور لعالم الحقائق.

 

موقف ديكارت من الشك

وأصبح الشك مع ديكارت منهجًا صريحًا لإقامة الفلسفة، على أساس تجربة فكرية في الشك يستطيع أي منا ممارستها، لقد بدأ بشك منهجي، فرفض جميع المذاهب القائمة، وشكّ في كل ما تعلمه من قبل واستبعد شهادة الحواس، فالسمع قد لا يكون دقيقًا، والبصر قد يرينا الأشياء على غير حقيقتها، واستُبعدت شهادة المخيلة وشهادة العقل والاستدلال؛ بمعنى أنه شك في كل شيء: حواسه وعقله والعالم الخارجي وأمعن في الشك إلى درجة افتراض وجود شيطان ماكر يعبث به ويضلله، واستمر في الشك حتى وجد في شكِّه بداية اليقين، فحين يشك يفكر، وما دام يفكر فهو موجود، فكان اليقين الأول "أنا أفكّر إذن أنا موجود". وانطلاقًا منه توصل إلى حقائق أخرى، وأيقن ديكارت أن طبيعة الإنسان الحقيقية هي الفكر، وأن الوجود ملازم للفكر )النفس( وليس للجسم.

موقف كانط من الشك

أصبح العالم الحسي هو "عالم الظواهر" الذي تحدثنا عنه العلوم الطبيعية وقوانينها )قوانين الظواهر( التي وضعها كانط، على نحو يدرك موقف العلم الحديث منفصلًا عن عالم الجوهر أو الشيء في ذاته الذي لا يتعامل معه العلم الحديث، وتتحدث عنه الميتافيزيقا وحدها، فغدا عالم المُثل الذي رأى أفلاطون أنه عالم الحقائق الخالدة هو نفسه عالم الجوهر عند كانط البعيد عن متناول المعرفة العلمية اليقينية، رغم إنّه عالم قائم بالفعل كما يؤكّد كانط الذي لم ينكر وجود عالم الشيء في ذاته، بل أنكر إمكان معرفته فقط.

 وبهذا المعنى يبدو كانط شاكًّا في إمكان المعرفة الميتافيزيقية، ولكنه عاد فأثبت الحقائق الميتافيزيقية كوجود الله وخلود النفس، بالاستناد إلى الضمير الخلقي حين لم يبقَ لديه إلا ميتافيزيقا الأخلاق بعد أن رفض الميتافيزيقا الوجودية )التقليدية( التي كانت تدور حول إثبات وجود الله والنفس وجوهر العالم المادي؛ أي إن الشك قد لازم تلك الفلسفات كلها على نحو ضمني.

 

إضاءة

عالم الظواهر هو العالم الذي تدركه الحواس. أما عالم الشيء في ذاته فهو ما لا تدركه الحواس.

 

مذهب اليقين:

إذا كان مذهب الشك لا يؤكّد شيئًا بالنسبة إلى مسألة إمكان المعرفة أو عدم إمكانها،

فإنّ مذهب اليقين:

1-  يضع الثقة في قدرة الإنسان على بلوغ الحقيقة المطلقة،

2- إذ لا قصور في قدراته التي لا حدود لها على الوصول إلى المعرفة،

3- ويرى قسم من الفلاسفة الاعتقاديين إنّ العقل هو أداة المعرفة اليقينية، بينما يرى قسم آخر إنّ الحواس والتجربة هي أساس ضروري لكل معرفة.

4- ومن منظور فلسفي، يطلق هذا الموقف الاعتقادي على كل من يؤكّد رأيًا أو مذهبًا دون إعطاء مبررات عقلية، ويتجلى ذلك في الصور التلقائية عند الناس الذين يصدقون الأمور ببساطة ويتّخذون موقفًا دون تمحيص، ويتجلّى في الفلسفات الطبيعية اليونانية الأولى التي كانت تتصوّر إمكان تفسير العالم الطبيعي بافتراض الماء أو الهواء أو النار...؛ فظهر الشكل المذهبي الاعتقادي بعد ظهور الشك في قيمة تلك التفسيرات الساذجة، أي إنّ مذهب اليقين بصفته فلسفة ظهر ردَّ اعتبار لمعرفة الحقيقة والدفاع عنها في صورة اعتقاد بقدرة العقل المطلقة،

فأصبح السؤال: ما أصل الحقيقة ومصدرها؟ أهي الحواس أم العقل؟ وما طبيعتها؟ أهي أفكار، أم إحساسات، أم أحكام؟ وتطّور النقاش حول هذه الموضوعات ولم يعد بين الشكاكين والدوغمائيين بل أصبح بين العقليين والتجريبيين.

Jo Academy Logo