من سيرة الأديبة عائشة بنت الشّاطئ
وتركني عمّي وودّعني بعدَ أن اطمأنَّ إلى استقراري في القسم الداخلي ... فأقبلت على دروسي جادّة في تحصيل ما فاتني منها، وقد أوشك امتحان نصف السنة أن يعقد. وأدّيتُه بنجاح، ثمّ تابعتُ الدراسة بقيّة الموسم، وأنا أقاوم بكل طاقتي شعورًا بقلقٍ خفيّ، ظلّ يطاردني في اليقظة والمنام. وقد علّلتُه بأنّه فرطُ حرصٍ منّي على مواصلة التعليم، وصدى ما لقيته من مخاطر الطريق؛ ذلك لأنّه لم يكن هناك في الظاهر، ما يدعو إلى قلق أو خوف؛ فالرّسائل تأتيني من أمّي بانتظام، ولا جديد فيها من أخبارٍ عن الأسرة، ممّا يشغل البال.
وعدتُ إلى البيت بعد أن اجتزتُ امتحان النقل إلى السنة الثالثة، لأواجهَ ما طُوتْه عنّي أمّي في رسائلها إليّ من مأساتنا: مات جدّي الشّيخ، وواروه الثّرى دون أن أتزوّد منه بنظرةٍ وداعٍ أخيرٍ. ومضى دون أن أُشيّعَه إلى مثواه، بكلمةٍ ولاءٍ وعهدٍ ووفاءٍ، تؤنس وحشةَ رحلته إلى حيّ الموتى، في الطرف الأقصى من البلدة. وتعرّض بيتُنا بعدَه لهزّةٍ عاصفةٍ كادت أن تقوَضَه، إذ عاد أبي يُصرّ على حجزي في المنزل، وألفيتُ أمّي مضغوطةً بين شقّي رحى: لا تستطيع أن تتخلّى عنّي، كما لا تستطيع في الوقت نفسه أن تُعرّضَ البيتَ للخراب، وفيه شقيقاتٌ لي خمسٌ، وشقيقان أصغرُهما رضيعٌ في الشهور الأولى من عمره! وكلا الأمرين أحلاهما مرّ. وكانت أمّي أقربَ إلى أن تحميَني بأيّ ثمنٍ، غيرَ أنّي ما كدتُ أذكرُ ما أصابَ جدّي بسببي، حتّى تهيّبتُ التّضحية الفادحةَ التي تريد أن تتحمّلها من أجلي، وروّعني أن أتمثّلَ إخوتي السبعَ الصّغارَ حطامًا مبعثرًا بين أنقاضِ البيتِ الموشكِ على الانهيار. هنالك قرّرتُ أنَّ دوريَ قد جاء، لأحتملَ عن أمّي العبءَ الباهظَ، فأكونَ قُربانَ الفداءِ لسلامةِ البيتِ. وساعدت الظروف على حسم الموقف، حين أُصبتُ بانهيارٍ عصبيّ أعيا الرُّقاةَ والأُساةَ دواؤه، فانقطعتُ عن المدرسة، وتقرّر شطبُ اسمي من سجلّ طالباتِها؛ لعجزي عن الانتظام في الدّراسة. كانت أمّي شقيّةً بمحنتي، وقد تضاعف همّي بشقائها ... ومن أجلها تماسكت، ولأجلها رحتُ ألتمس منفذًا عبر الطريق المسدود، بعد أن أراحني اليأسُ من همّ التطلّع والطّموح ... رحتُ ألتمسُ منفذًا لتطمئنَّ أمّي إلى أنّ كلّ ما احتملْناه في الشّوط الذي فات، لم يذهب عبثًا. كان المنفذ الوحيد أمامي أن أستعيرَ الكتب المدرسيّة المقرّرة على طالبات السنة النهائيّة بمدارس المعلّمات، حيثُ عكفتُ على تحصيلها، ثمّ تسلّلتُ من البيت خُفيةً، وأبي غائبٌ عن المدينة في إحدى رحلاته، فأدّيْثُ امتحانَ شهادةِ الكفاءةِ للمعلّمات أمامَ لجنةِ مدرسةِ طنطا، وكنت الوحيدةَ التي تقدّمتُ إليه من المنزلِ، وكنتُ أولى الناجحاتِ في مصر، بفارقِ مئةٍ وثلاثينَ درجةً في المجموع، عن الطالبةِ التي تليني في ترتيبِ النجاح! لكنَّ ذلك الشوطَ لم يمضٍ، إلا بعد أن وقفتُ لحظةً في نهايته، وقد لاح لي من بعيد، طريقٌ آخرُ لم أكن قد اتّجهتُ إليه قطُّ، ولا جرُؤَتْ أحلامي على أن تتمثّلَه أو تتعلَّق به. وقد بدا الأمر حينذاك، أشبه بمصادفةٍ عابرة، لا تلبثُ أن تمضيَ دون أن تُغيّر متّجه خطواتي، أو تتركَ في دنياي أثرًا ذا بالٍ: حدث ذاك، يومَ أخذتُ مكاني في جانبٍ من قاعةِ الامتحانِ الشّفهيّ لشهادة المعلّمات، أنتظرُ دوريَ لأَوَدِيَه بعد الطالبات الرّسميّاتِ. وكان الأساتذة الممتحنون قد ضاقوا بتعثِّرهنَّ في تلاوة السور القرآنيّةِ والنصوصِ الشعريّة المقرّرة، فلمّا جاء دوري وتلؤْتُ مجوّدةً ما اختاروا لي من سورتَي النساءِ والنورِ ، سُئِلْتُ عمّا أحفظُ من النصوصِ الشعريّة، فكان جوابي أن سألت: من أيّ عصرٍ؟ وعجب الممتحنون لسؤالي، ثمّ طلبوا نصًّا من العصر الجاهليّ فأنشدتُهم أبياتًا من معلّقةِ طرفةَ بنِ العبدِ، ومرثية المهلهل بن ربيعةَ التغلبيّ في أخيه كليب. قالوا أسمعينا شيئاً من صدر الإسلام، فبادرتُ أُنشد لاميّةَ كعبِ بنِ زهير (بانت سعاد). ثمّ ما زالوا ينتقلون بي من عصر إلى عصر وهم في دهشة من حفظي، حتّى إذا وصلنا إلى العصر الحديث فاجأتُهم بسؤالي: مِنْ شعري أو منْ شعر سوايَ؟ ولم يُنسِني مرُّ السنين، ما بدا عليهم من عجب، وقد قال أحدُهم: إن كنتِ شاعرةً فأسمعينا إحدى قصائدك. وأنشدتهم قصيدةً لي "في الحنين إلى دمياط"، ولم يبقَ لديهم ما يمتحنونني فيه، فأقبلوا عليَّ يسألونني عن وجهتي في التّعليم بعد نيل هذه الشهادة لكفاءةِ المعلّمات .. وأجبتُ عن سؤال السادة الممتحنين: في نيّتي أن أعكفَ على تحصيل الموادّ المقرّرة على القسم الإضافيّ، ثمّ أتقدمَ من المنزلِ لأداء امتحانه النهائيّ. فأنكروا ما سمعوا من جوابي، وزيّنوا لي أن أعدل عن هذا الطريق القريب، إلى طريق الجامعة، ففيها وحده المجال الرحب الذي يستحق أن أتعلّق به وأسعى إليه. وفي ظنّي، أنّي لم أكن حتّى ذلك اليوم، قد سمعتُ عن الجامعة ... وفهمتُ من كلام الأساتذة الممتحنين، أنّ الطريقَ إلى الجامعة يحتاج إلى زادٍ من اللغتين الإنجليزيّة
والفرنسيّة، عجبتُ بدوري لشططهم في تقدير طاقتي وعدّتي، وأنّي لَمِن بيئةٍ لم تُدنِّسها كلمةٌ من لغة الفرنجة!