قصيدة فتح طبرية
- أولا: أتعرف نبذة عن الشاعر
- اسمه: بهاء الدين أبو الحسن علي بن محمد.
- لقبه: لُقّب بابن الساعاتي نسبة إلى مهنة والده.
- مولده ووفاته: وُلد في دمشق وتوفي في القاهرة (553-604هـ).
- مكانته الأدبية: شاعر مُكْثِر ومُحسِن، فائق النظم لطيف المعاني.
- أدبه: تميز شعره ونثره بالصنعة البديعية، وله ديوان شعر كبير في مجلدين.
- أغراضه الشعرية: نظم في الغزل، ووصف الطبيعة، ومدح السلاطين والأمراء، وله في صلاح الدين الأيوبي مدائح مشهورة.
- ثانيا: أتعرف جو النص
نظم الشاعر قصيدته إثر انتصار صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين وفتح حصن طبرية عام (583هـ / 1187م). ويذكر الشاعر في الأبيات انتصارات صلاح الدين المتلاحقة، طالبا منه أن يُلحق أخوات المدينة بها تحريرا؛ ليزيد ابتهاج المسلمين باسترداد ما أُخذ منهم. وقد مهدت معركة حطين الطريق لصلاح الدين لفتح بيت المقدس.
فتح طبرية
- جَلَتْ عَزَماتُكَ الفَتْحَ المُبينا فَقَدْ قَرَّتْ عُيونُ المُؤْمِنينا
المفردات:
- جَلَتْ: بيّنت وكشفت.
- عَزَمات: جمع عزيمة، وهي القوة، والصبر والإمكانات والقدرات.
- المُبينا: الواضح الظاهر. قَرَّتْ: اطمأنت.
يخاطب الشاعر القائد صلاح الدين الأيوبي مُشيدا بقوة إرادته وعزيمته الصادقة التي كانت سببا في تحقيق هذا النصر الواضح في (فتح طبرية( وهو الفتح الذي استلهم الشاعر وصفه من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحا مُّبِينا﴾. وفي هذا البيت يظهر الشاعر مشاعر التعظيم والإجلال لعزيمة القائد والتغني بها، مبينا الأثر العظيم لهذا الفتح في نفوس المسلمين، حيث استخدم عبارة )قَرَّتْ عُيونُ المُؤْمِنينا( ككناية عن حالة الفرح الشديد والاطمئنان والسرور التي عمت الأمة الإسلامية بعد هذا الانتصار المبارك.
- رَدَدْتَ أُخَيْذَةَ الإِسلامِ لمّا غَدا صَرْفُ القَضاءِ بِها ضَمينا
المفردات :
- رَدَدْتَ: أرْجعت. غدا: أصبح. القضاء: القدر.
- الضمينا (ضمن): كفيلا.
- الأخيذة (أخيذ): المرأة تُسبى في الحرب، والمقصود بـ أخيذة الإسلام: طبرية.
يُواصل الشاعر خطابه للقائد صلاح الدين الأيوبي، مبينا أنه استطاع ببطولته أن يسترد ما سُلب من بلاد المسلمين، حيث صوّر الشاعر (طبرية) بصورة امرأة مأسورة استعادها القائد وحررها. ويشير الشاعر إلى أن هذا النصر كان قدرا مقدرا من الله، فكأنّ (القضاء والقدر) قد صار هو الكفيل والضامن لعودة هذه المدينة المختطفة حين هيأ الله لها هذا القائد الفاتح.
وفي اختيار الشاعر لكلمة (أخيذة) لمسة فنية دقيقة؛ فهي أدق في الدلالة من كلمة (سليبة)؛ لأن "السليبة" قد تُطلق على أي شيء مادي يُنتزع قهرا، أما "الأخيذة" فترتبط في اللغة بالمرأة التي تُسبى، وهي تمثل أغلى ما يُصان ويُحمى، مما يثير في نفس القارئ مشاعر النجدة والكرامة، ويعزز القيمة الجمالية والمعنوية لبيان عظمة هذا الفتح وأثره الكبير.
- غَدَتْ في وَجْنَةِ الأَيَّامِ خَالا وفي جِيدِ العُلا عِقْدا ثَمينا
المفردات:
- غَدَت (غدو): أصبحت.
- وَجْنَة (وجن): الخدّ.
- خَالا: شامة سوداء.
- جِيد: العنق.
- العُلا (علو): العلو والرفعة.
- عِقْدا ثمينا: قلادة غالية (ويُضبط حرف العين بكسرة: (عِـقدا.
يستعرض الشاعر الأثر الجمالي لهذا النصر (فتح طبرية) على التاريخ، فيشبه استرداد الأراضي بـ الزينة التي تُجمل وجه الأيام، حيث صوّر طبرية كالشامة (الخال) التي تظهر في خد فتاة جميلة فتزيدها حسنا وتميزا. ولا يكتفي بهذا التشخيص، بل يصوّر طبرية أيضا بـالعقد الثمين الذي يزين عنق (العلا والرفعة)، وفي هذا إشارة واضحة إلى عظمة هذا الإنجاز الذي رفع شأن الأمة. كما يظهر في هذا البيت تناقض مشاعر المسلمين والصليبيين من جراء الفتح، حيث كانت الفكرة المحورية هي تحول هذا النصر إلى زينة وفخر للأيام.
- فَيَا لَلَّهِ كَمْ سَرَّتْ قُلُوبا! ويَا لَلَّهِ كَمْ أَبْكَتْ عُيونا!
ينتقل الشاعر إلى أسلوب التعجب لبيان شدة تأثير هذا الفتح وعمقه في النفوس، موضحا حالة التناقض بين مشاعر الفرح والتأثر؛ فقد أدخل النصر السرور والبهجة على قلوب المسلمين الكثيرة، وفي المقابل أبكى عيون الصليبيين حزنا على ما أصابهم. وقد استخدم الشاعر هنا الطباق بين كلمتي )سَرَّتْ – أَبْكَتْ) لإبراز هذا الفرق الشاسع في المشاعر، كما وظّف (كم الخبرية التكثيرية( للدلالة على كثرة أعداد القلوب التي فرحت وأعداد العيون التي بكت حزنا، مما يؤكد ضخامة الحدث وتأثيره الشامل.
- وما طَبَرِيَّةٌ إِلَّا هَدِيٌّ تَرَفَّعُ عَنْ أَكُفِّ اللَّامِسينا
المفردات:
- هَدِيٌّ: عروس.
- تَرَفَّعُ: تنزّه.
يصف الشاعر مدينة طبرية بأنها عروسٌ طاهرةٌ عفيفة، صانها الله من دنس الغزاة، فهي تتنزه وتترفع عن أن تمسّها أيدي المعتدين، وفي هذا تصوير لطبرية بصورة عروس حسناء تتنزه عن الناس فلا تستطيع يد لمسها؛ وذلك ليدل الشاعر على عزتها وشرفها وقداستها. ومن الناحية اللغوية، فإن الفعل (تَرَفَّعُ) أصله (تترفع) وقد حُذفت التاء منه لضرورة شعرية.
- حَصانُ الذَّيْلِ لم تُقْذَفْ بسوءٍ وسَلْ عنها اللَّيالي والسِّنينا
المفردات :
- حَصان: العفيفة من النساء.
- لم تُقْذَفْ بسوء: لم تُتّهم.
- سَلْ: اسأل.
يُؤكد الشاعر على طهارة طبرية ونقائها، فيشبهها بـ المرأة المصونة العفيفة التي لم يُصبها سوء ولم تُدنس سيرتها، حيث استخدم تركيب (حَصانُ الذَّيْلِ) ككناية عن العفة والطهارة وحسن السيرة. ويجعل الشاعر من الزمان شاهدا على صدق قوله، فاستخدم صورة فنية صوّر فيها (الليالي والسنين) كأشخاص يُسألون ويشهدون على تاريخ هذه المدينة ونقائها.
- مَنالٌ بَدَّ أَهْلَ الأرضِ طُرا سِواكَ ومَعْقِلٌ أَعيا القُرونا
المفردات :
- مَنال (نيل): هدف وغاية.
- بَدَّ: فاق.
- طُرا (طرر): الجماعة، والمقصود الناس جميعهم بلا استثناء.
- مَعْقِل (عقل): حصن.
- القرون: الأمم السابقة.
- أعيا القرون: أتعب سادة القوم وأعجزهم.
يُبرز الشاعر فرادة هذا الإنجاز، موضحا أن فتح طبرية كان هدفا وغاية فاقت قدرات أهل الأرض جميعا، ولم يتمكن من تحقيقها أحدٌ غير القائد صلاح الدين. فمدينة طبرية كانت حصنا منيعا (معقلا) استعصى على الأمم السابقة وأعجز القادة والسادة عبر الزمان، والمقصود بعبارة (مَعْقِلٌ أَعيا القُرونا) أن فتح بيت المقدس وتحرير قلاعه كان أمنية أعجزت الملوك والأمراء، ولم تتحقق إلا على يديك يا صلاح الدين.
- قَضَيْتَ فَرِيضَةَ الإِسلامِ منها وصَدَّقْتَ الأَمانِيَّ والظُّنونا
المفردات :
- قَضَيْتَ: أدّيتَ.
- الأماني: جمع أمنية، وهي الرغبة بالشيء.
- الظنون: جمع (ظنّ)، وهو الاعتقاد.
يُبين الشاعر أن القائد صلاح الدين بفتحه لطبرية قد أدى واجبا دينيا عظيما، والمقصود بـ )فريضة الإسلام) هنا هو الجهاد في سبيل الله. لقد استطاع القائد بهذا النصر أن يحقق آمال المسلمين ويجعل أمانيهم واقعا ملموسا، مؤكدا صدق ظنونهم بقدرته على النصر. وتتجلى في هذا البيت القيمة الدينية المتمثلة في أداء الواجب وتحرير بلاد المسلمين والوفاء بالعهود، كما تظهر عاطفة الفخر والاعتزاز بالقائد الأيوبي.
- تَهُزُّ مَعاطِفَ القُدْسِ ابتِهاجا وتُرْضي عَنْكَ مَكَّةَ والحَجونا
المفردات:
- معاطف: جمع معطف، وهي الألبسة الخاصة بما يلبس شتاء.
- ابتهاجا: فرحا وسرورا. الحجونا: جبل في مكة.
يصور الشاعر المدى الواسع لأثر هذا الانتصار، حيث جعل الأماكن المقدسة تفيض بالفرح؛ فـ القدس تهتز سرورا بهذا الفتح، وكذلك مكة وجبالها (الحجون) أصبحت راضية عن القائد. وقد استخدم الشاعر هنا أسلوب )التشخيص( الذي أضفى حيوية وحركة على المشاهد الساكنة؛ حيث صور القدس إنسانا يهتز فرحا، وصوّر مكة والحجون أشخاصا يرضون، وذلك لتعميق الأثر العاطفي وتأكيدا على أن هذا النصر هو سبب ابتهاج هذه البقاع ورفع الظلم عنها.
وتظهر براعة الشاعر في استخدام التشخيص بأنه جعل الجمادات تنطق وتعبر عن فرحها، مما يساهم بشكل كبير في إبراز المعنى وإظهار مشاعر الفرح التي شملت الأمة من أقصاها إلى أقصاها، محيلا النص إلى سياق ديني مقدس يربط بين القدس ومكة.
- فَلو أَنَّ الجَمادَ يُطيقُ نُطْقا لنادَتْكَ ادْخُلوها آمِنينا
المفردات:
- يُطيق: يقدر على أو يستطيع.
يستمر الشاعر في توظيف أسلوب (التشخيص) لبيان مدى ابتهاج الأرض بقدوم القائد صلاح الدين؛ فيؤكد أنه لو كانت الجمادات والحجارة تملك القدرة على الكلام، لارتفع صوتها ترحيبا به وبجيشه. وفي قوله )ادخلوها آمنينا ( استخدم الشاعر التناص القرآني (مستلهما من الآيات التي تبشر بالأمن)، ليضفي صبغة قدسية على الفتح، مؤكدا أن دخول المسلمين لهذه البلاد أصبح دخولا آمنا ومستقرا ومباركا، مما يعزز شعور الطمأنينة والنصر.
- جعلتَ صباحَ أهليها ظلاما وأبدلتَ الزئيرَ بها أنينا
المفردات:
- الزئير: صوت الأسد (دلالة على قوة الأعداء قبل الهزيمة).
- الأنين: صوت المتألم (دلالة على ضعفهم وانكسارهم).
يصور الشاعر حال الأعداء (الفرنجة) بعد انكسارهم، فقد قلب القائد موازين القوة لديهم وحول نهارهم المشرق إلى ظلام دامس يلفه الهوان. ويبرز في البيت الطباق الواضح بين (الزئير) و(الأنين) ليؤكد التحول الجذري من حالة الغطرسة والقوة التي كانوا عليها إلى حالة الذل والوجع، فبعد أن كانت أصواتهم تزمجر كالأسود تهديدا، أصبحت الآن أنينا خافتا من أثر الهزيمة الساحقة.
- أعدتَ بها الليالي وهي بيضٌ وقد كانت بها الأيامُ جُونا
المفردات:
- جُونا: سودا (مفردها جَوْن).
يُبرز الشاعر الأثر المعنوي والواقعي للفتح في تبدل أحوال البلاد وأهلها؛ فبعد أن كانت الأيام مظلمة وسوداء )جُونا( تحت وطأة الاحتلال وظلمه، أعادها صلاح الدين بفتحه المبارك ليالي "بيضاء" تفيض بالنور والسرور. وقد استخدم الشاعر المقابلة ليوضح الفرق الشاسع بين عهدين، عهد الظلم الذي شبهه بالسواد، وعهد التحرير الذي شبهه بالبياض، مما يرسخ صورة الفتح كفجر جديد للأمة.
- فلا عَدِمَ الشآمُ وساكنوهُ ظُبا تشفي بها الداءَ الدفينا
المفردات:
- الظُّبا: جمع (ظُبَة)، وهي طرف السيف أو حدّه.
- الداء الدفين: المرض المستتر أو القديم (والمقصود به الاحتلال الصليبي).
يدعو الشاعر لأرض الشام وأهلها بدوام العزة والمنعة، متمنيا أن تظل السيوف القوية (الظُّبى( حاضرة لحمايتها. ويستخدم الشاعر صورة فنية قوية حيث شبه وجود المحتلين بـ )الداء الدفين( أي المرض المزمن الذي سكن جسد الأرض، مبينا أن هذا النوع من الأمراض لا يُشفى بالأماني، بل بحد السيوف التي يحملها القادة المخلصون لتطهير البلاد واستعادة عافيتها.
- أَدَرْتَ على الفِرِنجِ وقد تلاقَتْ جموعُهُمُ عليكَ رَحى طَحونا
المفردات:
- رَحى: أداة طحن الحبوب (والمقصود هنا شدة الحرب).
- طحونا: صيغة مبالغة تدل على شدة الطحن والسحق.
يُصوّر الشاعر القوة العسكرية لصلاح الدين في مواجهة الصليبيين، فعلى الرغم من تجمع جيوشهم الكبيرة وتلاقيهم لمحاربته، إلا أن القائد استطاع أن يدير عليهم "رَحى الحرب" التي سحقتهم تماما. وفي قوله )رَحى طَحونا( صورة فنية بارعة، حيث صوّر الحرب بآلة الطحن (الرحى) التي لا تبقي ولا تذر، ليدل على بسالة جيش المسلمين وقدرته على إبادة القوى المعتدية مهما بلغ عددها.
- ففي بَيْسانَ ذاقوا منكَ بُؤسا وفي صَفَدٍ أَتَوْكَ مُصَفَّدينا
المفردات :
- مُصَفَّدينا: مقيدين بالأغلال والسلاسل (من الصَّفَد وهو القيد).
يستعرض الشاعر المواقع والمدن التي شهدت انكسار الأعداء، ففي (بيسان) أذاقهم صلاح الدين مرارة الهزيمة والبؤس، وفي (صَفَد) كان النصر حليف المسلمين لدرجة أن الأعداء جاءوا خاضعين مُصَفَّدين (مقيدين) بالأغلال. ويبرز في البيت استخدام الجناس الاشتقاقي بين كلمتي )صَفَد( و )مُصَفَّدينا ( ،وهو تلاعب لفظي ذكي يعزز المعنى ويؤكد أن هذه المدينة التي كانت حصنا لهم، صارت مكانا لقيدهم وذلهم.
- لقد جاءَتْهُمُ الأَحداثُ جَمْعا كأَنَّ صُروفَها كانَتْ كَمينا
المفردات:
- صُروف: نوائب ومصائب الزمان.
- كمينا: جيش يختبئ لمفاجأة العدو.
يصف الشاعر حالة الصدمة والضياع التي عاشها الأعداء، فالمصائب والهزائم (الأحداث) تتابعت عليهم دفعة واحدة وبشكل مفاجئ. ويستخدم الشاعر صورة فنية يشبه فيها تقلبات الزمان ونوائبه (صروفها) بالكمين المحكم الذي أُعدّ لهم بعناية، مما يوحي بأن قدر الله ونصره للمسلمين كان يتربص بالمعتدين من حيث لا يحتسبون، فلم يجدوا مهربا من هذه الهزيمة المتكاملة.
- وخانَهُمُ الزَّمانُ ولا مَلامٌ فلسْتَ بِمُبْغِضٍ زَمنا خَؤونا
المفردات:
- خَؤونا: كثير الخيانة (صيغة مبالغة).
يختم الشاعر هذا المقطع بالحديث عن انقطاع أسباب النصر عن الأعداء، فكأنّ الزمان الذي كان يطاوعهم قد تخلّى عنهم و"خانهم" في هذه المعركة، ولا لوم على الزمان في ذلك لأنه بطبعه متقلب. ويشير الشاعر بذكاء إلى أننا كمسلمين لا نكره هذا الزمان "الخؤون" في هذه اللحظة، لأنه خان الأعداء وغدر بهم لصالح الحق، فكانت خيانته لهم نصرا مؤزرا لصلاح الدين.
- لقد جَرَّدتَ عَزما ناصريا يُحدِّثُ عن سَناهُ طُورُ سينا
المفردات:
- جَرَّدتَ: سللتَ (من سلّ السيف) أو أظهرتَ.
- سَناه: ضياؤه ونوره.
- طُور سينا: جبل الطور في سيناء.
يمدح الشاعر قوة وإرادة صلاح الدين، واصفا عزيمته بـ )الناصرية( نسبة إلى اسمه ( الناصر )، وهي عزيمة مباركة لها نور وضياء وصل صداه إلى الأماكن المقدسة مثل ( طور سيناء )، وفي هذا الربط دلالة على قدسية هذا الفتح وعلو شأن القائد الذي ارتبطت انتصاراته بمواطن الأنبياء، وكأن هذا النصر هو حديث الزمان والمكان في كل بقاع الأرض المباركة.
- فكُنْتَ كِيوسف الصديقِ حَقا لَهُ هَوَتِ الكواكبُ ساجدينا
المفردات:
- هَوَت: سقطت أو مالت.
يعقد الشاعر هنا تناصا تاريخيا ودينيا بليغا، حيث يُشبه صلاح الدين الأيوبي في صدقه وعظمة ملكه بـ )نبي الله يوسف عليه السلام( وكما خضعت الكواكب في الرؤيا ليوسف الصديق دلالة على رفعة قدره، فإن الملوك والقادة والحصون قد خضعت لعظمة صلاح الدين وصدق رسالته. وهذا التشبيه يعزز مكانة القائد في نفوس الطلاب كرمز للحق والتمكين الإلهي والصدق الذي يتبعه النصر.
- لقد أَتعبتَ مَن طَلَبَ المعالي وحاوَلَ أن يَسُوسَ المُسلمينا
المفردات:
- يَسوس: يحكم ويقود.
يُبين الشاعر أن صلاح الدين قد بلغ من المجد والرفعة حدا أعجز من جاء بعده، فقد وضع معايير عالية جدا للبطولة والقيادة أتعبت كل من يطمح للوصول إلى مرتبته في طلب المعالي. فقيادة المسلمين وحكمهم (سياستهم) ليست بالأمر السهل، ولكن صلاح الدين بفتوحاته وأخلاقه وعدله أصبح النموذج القيادي الذي يصعب تكراره أو الوصول لمقامه.
- وإن تَكُ آخِرا وخَلاك ذَمٌّ فإِنَّ محمدا في الآخِرينا
المفردات:
- خَلاكَ ذَمٌّ: برئتَ من كل عيب (تعبير يُقصد به المدح التام).
يختم الشاعر قصيدته بمدحٍ ذكيّ يرفع من شأن صلاح الدين رغم مجيئه في زمن متأخر عن الأوائل، فيقول له: إن كنت قد جئت متأخرا في الزمان، فهذا ليس عيبا فيك، فأنت مبرأ من كل نقص. ويستدل الشاعر بـ التناص مع مقام النبوة، مشيرا إلى أن )النبي محمد ﷺ( كان آخر الأنبياء زمانا، ولكنه أعظمهم وأشرفهم قدرا، فكذلك أنت يا صلاح الدين، جئت لتختم عهود الانكسار بفتح عظيم جعلك فخر المتأخرين.