اللغة العربية 7 فصل ثاني

السابع

icon

 الإستماع 

"عائشةُ الباعُونِيَة"

مَنْ يُقلِّبْ صفَحاتِ تاريخِ القرنِ الثّامنِ الهجريِّ وأوسطِه خاصّة، يلحظُ أثرَ حبّاتِ عرقٍ كانتْ تترقرقُ على جبينِ ناصرٍ الباعونيِّ، أحدِ أجدادٍ عائشةَ الباعونيّةِ، وهوَ يكابدُ في معيشتِهِ، حتّى غادرَ بلدتَهُ باعونةَ سنةً سَبعِمِثَةٍ وخمسينَ لِلهجرةِ، واستقرَّ في النّاصرةِ.

وقدْ سكتتْ جميعُ المصادرِ الّتي اطّلعتُ عليها عن أسبابِ رحيلهِ، فحملَني حُبُّ الاستطلاعِ إلى رحابٍ ظروفِهِ؛ أستنطقُ آثارَها، وأَقْرَعُ أبوابَها، إذْ رُبّما أومضَ منها بَصِيصُ نورٍ يُستضاءُ بِهِ إلى طريقِ الحقِّ؛ فالرّجلُ حائكٌ منْ بلْدةِ باعونَ الّتي عُرفتْ بغزْلِ الصّوفِ ونسجِهِ على أنوالٍ يدويّةٍ، وهو ربُّ أسرةٍ لا يقِلُّ عددُ أفرادِها عنْ ثلاثةِ عدا الزّوجين، فربّما دفعهُ ضِيقُ الحالِ إلى استدرارِ عيشٍ أفضلَ خارجَ بلْدتِه، وقد يكونُ للوباء العظيمِ الّذي قضى على كثيرٍ منَ العبادِ في عهدِ السّلطانِ حسنِ بنِ محمّدٍ بنِ قَلاوُونَ سنةَ سبْعِمِئةٍ وثمانٍ وأربعينَ للهجرةِ، وأهلكَ معظمَ سكّانِ الأغوارِ وكثيرًا منْ أهالي عجلونَ، دورٌ في رحيلِه. ويبدو أنّ ممّا أَقَضَّ مَضْجَعَهُ، وشاكَ مَرْقدَهُ فِتَنٌ كثيرةٌ حدثتْ في قُرى عجلونَ في تلكَ العهودِ مِنْ حكمِ المماليكِ.

هنالكَ، في النّاصرةِ، ثَوتْ أخبارُ ناصرِ الباعونيِّ جَدِّ عائشةَ، لتبدأَ جَذَوات بَنيهِ تتململُ متوهّجةً مِنْ أحشاءِ رمادِه؛ فولَدُهُ أحمدُ الّذي ارتحل معهُ من باعونَ بَرَعَ في طلبِ العلمِ،وفي القضاء، فكانَ أنْ ترقَّتْ بهِ المراتبُ حتّى صارَ قاضيَ القضاةِ في الدّيارِ المِصْريّةِ، وقدْ أنجبَ جمالَ الدّينِ يوسفَ الّذي صارَ قاضيًا كأبيهِ، قبلَ أنْ يتولّى إدارةَ البيمار ستانِ النّوريِّ في مدينةِ دمشقَ. ولجِمالِ الدّينِ يوسفَ وُلدتْ عالمتُنا وشاعرتُنا عائشةٌ الباعونيّةُ في بيتِ علم وفضلٍ، شبَّ فيه الأدبُ، وترعرعَ فيه الفقهُ، ونما في جنّباته زُهدٌ وتصوُّفٌ، ودارتْ على جلَساتِ موائدِهِ أحكامُ الفقهِ والفُتياء فقدْ كانَ أبوها وجدُّها قاضيَينٍ، أمّا عمّاها وأخَوَاها، فكانوا منْ نوابغ العلماءِ في الفقه والحديثِ والتّصوّفِ والتّاريخِ والأدبِ، فنهَلتُ منْ حياتهمْ، وجنَتْ منْ شَهْدِ رِياضِهمْ، كيفَ لا وهيَ فَقيهةٌ بنتُ فقيهِ بنِ فَقيه!

وُلدتِ الباعونيّةُ أغلبَ الظّنِّ في صالحِيّةِ دمشقَ سنةً ثمانِمِئةٍ وأربع وستّينَ للهجرةِ، وتنسّمتْ عبيرَها، ودرَجَتْ على مرابعِها، فكانتْ تذوقُ الحسَراتِ على فِراقِها وهيَ في منأَى عنها في القاهرة، فأنّستْ زفَراتٍ شعريةً تَنبِضُ حنينًا إليها؛ تقولُ:

  حنيني لسفحِ الصّالحِيّةِ والجسْرِ             أهاجَ الهوى بينَ الجوانحِ والصّدرِ
   ألا ليتَ شِعري والأماني كثيرةٌ                 أأَبلُغُ ما أرجوهُ قبلَ انقِضا عُمْري

كانتِ الباعونيّةُ  عالمةً عاملةً صوفيّةً أديبةً أريبةً منْ أفرادِ الدّهرِ ونوادرِ الزّمانِ، وفازتْ بوافرِ الحظِّ منَ العلومِ، وألّفتْ عدّةً كتبٍ مَنظومةٍ ومَنثورَة.

ولعلّ الباعونيّةَ الّتي درَجَتْ في بيتِ علم وفقهِ، وأدبِ وقضاءِ ووَجاهةِ أفادتْ مِنْ بعضِ حلَقاتِه، وهيَ لَمْ تَشِبَّ عنِ الطّوقِ بعدُ، فتنشّقتْ عَبَقَ العِلْم في خِدْرِها، وربّما كان بعضُ أفرادِ أسرتِها أساتذتَها الأوائل، جَرْيًا على سُنّةِ التّدريسِ الباعونيّ؛ فجدُّها أحمدُ تتلمذَ لأخيهِ إسماعيلَ، وأخواها محمدٌ وأحمدُ تتلمذا لعمِّها البرهان الباعوني إبراهيم .

وقد حفظت الباعونية القرآنَ الكريمَ وهيَ بنتُ ثماني سنوات، وأخذتِ الفقه والنّحوَ والعروضَ على جملةِ مشايخَ، منهمْ جمالُ الحقِّ والدّينِ إسماعيلُ الحَوْرانيُّ، والعلامةُ مُحيِي الدّينِ الأُرْمَوِيُّ، وأخذَ عنها جملةٌ منَ العلماءِ والأعيانِ، وانتفعَ بها خَلْقٌ كَثيرٌ.

وحينَ ارتحلتِ الباعونيّةُ إلى القاهرةِ نهلتْ منَ العلومِ والمعارفِ فيها حتّى أُجيزتْ بالإفتاءِ والتّدريس، وقدْ أجمعَ العارفونَ على أنّ عائشةَ الباعونيّةَ بينَ المولَّدينَ تَزيدُ على الخنساءِ بينَ الجاهليينَ.

وزارتْ مدينةَ الرّسولِ الكريمِ ومسجدَهُ وقبرَه، وناجتْهُ مِنْ بابِ رَوضَتِهِ -عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ- فقالتْ:

                          والآَنَ قدْ وافَيْتُ بابَكَ سيّدي        لِتَكونَ لي عندَ الإلهِ شَفيعي

وبعدَ مرورِ خمسةٍ قرونٍ على وفاةِ الباعونيّةِ تختارُ منظّمةُ الأمم المتّحدةِ للتّربيةِ والعِلْم والثّقافةِ (اليونيسكو) عائشةًالباعُونيّةَ، شاعرةَ الشّامِ وفاضلةَ الزّمانِ، لِتَكونَ شخصيّةَ العامِألفَيْنِ وسِنَّةٍ، احتفاءً بمرورٍ خَمْسِمِتةِ عام على ولادتِها، وتكريمًا لإسهامِها البارزِ في خِدْمةِ الثّقافةِ والمعرفةِ.

وقدْ سُمَّيتْ مدرسةٌ في عمّانَ بِاسْمِها تكريمًا لها.

Jo Academy Logo