- ولهذه الحياة الدنيا مجموعة من الخصائص في الإسلام، منها:
أولا: دارُ تكليفٍ
- خلق الله تعالى الإنسان، ومَنَحَه الإرادة والحريّة والاختيار، وكلَّفه بالإيمان وعمارة الكون؛ لذا يتعيّن على الإنسان أن يؤدِّي في دنياه ما كلَّفه الله تعالى به، ويأتي في مقدِّمة ذلك عبادة الله سبحانه.
- الدليل على أنّ الحياة الدنيا دار تكليف: قال تعالى: {وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ} [الذاريات: 56].
- العبادة: هي كلُّ ما يُحِبُّه الله تعالى من قول أو فعل، ويرضاه ظاهرًا أو باطنًا.
ثانيًا: دار إعمارٍ وإنتاج
- استخلف الله تعالى الإنسانَ، وأَمَرَه بإعمار الأرض والانتفاع بموجودات الكون. قال تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) [فاطر: 39] (استعمركم فيها: جعلكم عُمارًا لها).
- حثَّ الإسلامُ الناسَ على تحقيق هذه المنفعة بإرشاده إلى صورٍ متنوعة من أعمال الخير. قال رسول الله ﷺ: (ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ). وقال ﷺ: (إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه: عِلمًا علَّمَه ونشرَه، وولدًا صالحًا ترَكَه، ومُصحفًا ورَّثَه، أو مسجِدًا بناهُ، أو بيتًا لابنِ السَّبيلِ بناهُ، أو نَهرًا أجراهُ، أو صدَقةً أخرجَها من مالِه في صِحَّتِه وحياتِه).
ثالثًا: دار اختبار
- جعل الله تعالى الدار الدنيا دار عملٍ واختبار،لتمييز المؤمن من الكافر، ومن يعمل الصالحات ويسير في طريق الخيرومن يجترح السيئات ويسير في طريق الشر وجعل الآخرةَ دارَ جزاءٍ، قال تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179]، وقال تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
- المؤمنُ يفهم هذا الاختبار، ويُحسن التعامل مع هذه الأحوال، فلا يسخط، ولا ييأس. قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، وقال ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
الإثراء والتوسّع
اختلفت نظرة الناس إلى الحياة الدنيا:
- فبعضهم يعتقد أنّ الحياة الدنيا وُجِدت بمحض المصادفة، وأنها دائمة إلى ما لا نهاية، وأنه لا بعثَ ولا نشورَ بعد الموت. قال تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24].
- وبعضٌ آخر يرى وجوب الاستغناء التامّ عن الدنيا، والترفّع عن شهواتها، والزّهد في متاعها للفوز بالآخرة. وقد رَدَّ عليهم القرآن الكريم بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
- أما التصوّر الإسلامي فوازن بين الدنيا والآخرة، وجعل التمتّع بطيّبات الحياة الدنيا وفق ما أمر الله تعالى طريقًا إلى مرضاته سبحانه، والفوز بنعيم الآخرة. قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].