اللغة العربية 9 فصل ثاني

التاسع

icon

المثلُ الأعلى

قبلَ أن شْرَعَ المهندسُ في بناءِ بيتٍ يضعُ لَهُ رَسْمًا، وقبلَ أن يضعَ هذا الرّسمَ تكونُ في ذهنِهِ صورةٌ كاملةٌ للبيتِ يستملي منها الصّورة الّتي يرسُمُها. وكذلكَ الشّأنُ في واضعِ الرّوايةِ، قبلَ أن يُخرجَها إلى الوجودِ، فإنّها تكونُ مرسومةً في ذهنِهِ. وَممّا ينبغي لكلِّ إنسانٍ أن تكونَ لديهِ صورةٌ كاملةٌ لِما يَوَدُّ أن تكونَ عليهِحياتُهُ المستقبَلةُ، وكثيرًا ما يسألُ الإنسانُ نفسَهُ: ماذا أكونُ؟ ما الّذي أطمحُ أن أكونَهُ في مستقبلٍ حياتي؟ والصّورةُ الّتي في ذهنِنا ونوذُّ تحقيقَها ونَستملي منها لنُجيبَ عن هذهِ الأسئلةِ تُسمّى في عُرفِ الكتّابِ المعاصرينَ ((المَثَلَ الأعلى)).

وهوَ يُميّزُّ الإنسانَ عن غيرِهِ منَ الحيوانِ، فإنّنا نرى الحيواناتِ تعيشُ على نمطٍ واحدٍ، فهيَ ليسَت كَالإنسانِ في رُقيٍّ مستمرٍّ، فمعيشةٌ القطِّ قديمًا هيَ معيشتُهُ اليومَ، أمّا الإنسانُ فدائمُ الرّقيِّ، هوَ اليومَ غيرُهُ بالأمسِ؛ لأنّ أمامَهُ ((مَثَلًا أعلى)) يَجِدُّ في الوصولِ إليه.

 

ويجبُ أن يكونَ لكلِّ إنسانِ ((مَثلٌ أعلى)) يوجّهُ أعمالَهُ للوصولِ إليهِ؛ ذلكَ لأنَّ الإنسانَ في هذهِ الحياةِ مثَلُهُ كمثَلِ قائِدِ السّفينةِ في البحرِ المتلاطمِ الأمواجِ، لا يمكنُّهُ أن يصلَ إلى المرفأِ حتّى يعرفَ أينَ المرفأُ، ويرسُمَ خُطّةً للوَصولِ إليهِ، وإلَّا تَنكّبَ، وكانّت سفينتُهُ عُرْضَةً للارتطامِ .

وللمَثَلِ الأعلى تأثيرٌ في النّفوسِ؛ فهوَ دائمُ الشّخوصِ أمامَ نظرِ الإنسانِ يجذِبُهُ نحوَهُ، فأعمالُ الإنسانِ وطريقتُهُ في الحياةِ تدلُّ على مَثَلِهِ الأعلى. وتختلفُ المُثُلُ العُليا عندَ النّاسِ؛ فَهذا مَثَلُهُ الأعلى رجلٌ غنيٌّ، وذلكَ مَثَلُهُ إنسانٌ كاملُ العقلِ، قد تفوَّقَ في العلومِ وتضلّعَ منَ المعارفِ، وآخَرُ مَثَلُهُ وطنيٌّ يدافعُ عن حقوقٍ وطنِهِ .

والإنسانُ الواحدُ يختلفُ مَثَلُهُ من حينٍ لآخرَ، والأمّةُ الواحدةُ تختلفُ مُثُلُها كلَّما تدرَّجَتْ في معارِجِ الرُّقِيِّ، وليسَتِ الصّعوبةُ أن يجدَ الإنسانُ أوِ الأمّةُ مثلًا أعلى، فالمُثُلُ كثيرةٌ لا إحصاءَ لها، وإنَّما الصّعوبةُ اختيارُ أحسنِها وأنسبِها .

 

وكلُّ الّذي نستطيعُ أن نقولَهُ: إنّهُ ينبغي أن يكونَ المَثَلُ الأعلى للشّخصِ صورةً كاملةً تمثلُ خيرَ إنسانٍ يستطيعُ هذا الشّخصُ أن يكونَهُ في كلِّ شأنٍ من شؤونِ حياتِهِ؛ ففي عملِهِ، مَثَلُهُ أن يكونَ أحسنَ ما يستطيعُ مِنْ جِدٍّ وأمانةٍ ومهارةٍ، وفي سياستِهِ لنفسِهِ مَثَلُهُ أن يكونَ ضابطًا لنفسِهِ، يعملُ بإرشادِ عقلِهِ، وفي معاملتِهِ للنّاسِ مَثَلُهُ أن يعامِلَهم كما يحبُّ أن يُعامَلَ، وأن يحبَّ الخيرَ لهُم كما يحبُّهُ لنفسِهِ .

وإنّ من أهمِّ العواملِ في تكوُّنِ المَثَلِ المنزلَ والمدرسةَ والدّينَ؛ فتربيةُ النّاشيِ المنزليّةُ، وما يسمعُهُ من أبويهِ، والنّظامُ الّذي يسيرُ عليهِ بيتُهُ، وما يراهُ في مدرستِهِ، والدّينُ الّذي يتديّنُ بهِ، وما يحويهِ من نظامِ، وما يرسمُهُ من شكلِ الحياةِ الأخرى، كلَّ ذلكَ لهُ أكبرُ الأثرِ في تكوينِ المَثَلِ الأعلى .

ويكادُ يكونُ لكلِّ إنسانٍ مَثَلٌ أعلى، ولكنْ لا يشعرُ بهِ من أينَ أتاهُ، وسببُ ذلكَ أنَّ المثلَ الأعلى يتكوّنُ معَ الإنسانِ في نشأتِهِ وينمو بِنموّهِ؛ فإذا خرجَ الشّابُّ إلى مُعترَكِ الحياةِ كانَ لتجارِبِهِ في عملِهِ، وتبادُلِ الأخذِ والعطاءِ معَ النّاسِ ما يحدّدُ غايتَهُ في الحياةِ وينيرُ أملَهُ ويوضّحُ مثلَهُ، وبأتّساعِ نظرِ الإنسانِ في الحياةِ وكِبَرِ عقلِهِ، يَكْمُلُ المثلُ وتتمُّ أجزاؤهُ.

والمَثَلُ الأعلى عُرضةٌ للكمالِ والاتّساعِ، وعُرضةٌ للنّقصِ والضّيقِ، فالعمّالُ الّذينَ يقضونَ حياتَهم في عملٍ محدودٍ، ثمَّ لا يصادفونَ بعدَ قضاءِ نهارِهم ما يفيدُ عقلَهُم، أو يوسّعُ نظرَهُم، يَضِيقُ مَثلُهُم، ويتحدّدُ أملُهُم، فَتغدو حياتُهم يومًا واحدًا مُتكرّرًا.

 

وفي ضيقِ المَثلِ الأعلى خطرٌ عظيمٌ، فالمَثلُ الأعلى هوَ الّذي يبعثُ في الإنسانِ روحَ العملِ، ويزيدُ في نشاطِهِ وقوّتِهِ، وهوَ الّذي يصحّحُ حُكْمُهُ على الأشياءِ؛ فالإنسانُ عادةً عندَ الحُكمِ على شيءٍ أو نقدِهِ يقيسُه بمَثلِهِ، ثمَّ يحكمُ بالخطأِ أوِ الصّوابِ، وبالخيرِ أوِ الشّرِّ؛ فإذا تحدّدَ المثلُ وضاقَ قلَّ نشاطُهُ وساءَ حكمُّهُ، وعلى العكسِ من ذلكَ إذا ترقّى مَثَلُهُ.

 

(كتابُ الأخلاقِ، أحمد أمين بتصرّفٍ )

Jo Academy Logo