مدنٌ تختنِقُ،وحقولٌ تذبلُ

عندما دوّتِ انفجاراتُ مستودعِ الموادِّ الكيميائيّةِ في مدينةِ (تيانجين) عامَ (2015م) وصلَت أصداؤُها المدمّرةُ إلى الشّققِ السّكنيّةِ، فَمَلأتِ الأجواءَ بالخوفِ والذّعرِ، وغمرَت قلوبَ السّكّانِ بالقلقِ. لم يكنِ الدّمارُ المادّيُّ وحدَهُ ما أرعبَ النّاسَ، بل ذلكَ الإحساسُ العميقُ بالعجزِ أمامَ خطرٍ مفاجئ.
وبعدَ بضعةِ أيّام، هطل مطرٌ على المدينةِ معَ بُقَعِ صفراءَ رَغْويّةٍ، وهوَ ما رسّخَ شعورًا عامًّا بالخطرِ المُحْدِقِ، وفي اليومِ التّالي، ظهرَت آلافٌ منَ الأسماكِ الميْتةِ على ضفافِ النّهرِ على شكلٍ كتلةٍ كبيرةٍ منَ اللّونِ الأبيضِ الفضّيِّ، فظنَّ بعضُ السّكّانِ أنَّ الحياةَ في هذهِ المدينةِ تلفِظُ أنفاسَها الأخيرةَ.
وعَكستِ التّداعياتُ البيئيّةُ الّتي طالتِ العناصرَ الأساسيّةَ من هواءٍ وماءٍ وتربةٍ صورةَ التّلوّثِ الصّناعيِّ؛ فالضِّبابُ الدّخانيُّ الكثيفُ الّذي يحجُبُ الشّمسَ ويسبّبُ ارتفاعًا في نسبِ دخولِ الأشخاصِ للمستشفياتِ، ويُعرَفُ بكارثةِ الضِّبابِ الدّخانيِّ، يتصدّرُ عنواناتِ الصّحفِ الرّئيسةَ؛ فقد حملَتِ الرّياحُ والأمطارُ الضَّبابَ الدّخانيَّ الأسودَ والغبارَ إلى البلَداتِ المجاورةِ.
ثمّةَ ما هوَ أسوأُ من ذلكَ، فَقد نَقلَت قنواتُ الرِّيِّ مياهَ الصّرفِ منَ المناجمِ والمصاهرِ إلى الحقولِ على بُعدِ أميالٍ، وبدأت بعضُ الأنهارِ تتحوّلُ بوضعٍ غيرِ مفهوِمٍ إلى اللّونِ الأحمرِ، وظهرَت كمّياتٌ كبيرةٌ منَ الأسماكِ الميْتّةِ بينَ عَشِيَّةٍ
وضُحاها محذّرةً منِ انهيارٍ بيئيٍّ خطيرٍ، أمّا الطّحالبُ فحوّلتِ البحيراتِ إلى اللّونِ الأخضرِ اللامعِ الّذي أنذرَ بكارثةٍ تتسارعُ وتيرتُها تسارعًا مقلقًا، وتزدادُ حدّتُها يومًا بعدَ يومٍ.
وفي عام (2011م)، صدمَت إحدى المجلّاتِ القرّاءَ بصورةٍ على غلافِها لنبتةِ أُرْزِ تحولَّتْ حبوبُها إلى اللّونِ الفضّيِّ، كاشفةً عن تلوّثِ الأُرْزِ بالكادميومِ نتيجةَ تلوّثِ التّربةِ والمياهِ؛ إذ أظهرَت نتائجُ التِّقريرِ المتعلّقةُ بهذهِ الحادثةِ أنَّ خُمسَ الأراضي الصّالحةِ للزّراعةِ ملوّثٌ تقريبًا.
وعلى الرَّغمِ من خطورةِ الوضعِ، لم يوضّحِ التّقريرُ كيفيّةَ توزيعِ التّلوثِ أو يصرّحْ بِأكثرِ المناطقِ تأثّرًا، فزادَ ذلكَ من قلقِ سكّانِ المدَنِ الّذينَ كانوا بالفعلِ متوجّسينَ من سلامةِ الغذاءِ.
وبينَما يقلقُ المواطنونَ عادةً بشأنِ الغذاءِ والهواءِ، تبقى المخاطرُ الكبرى كامنةً في مياهِ الشّربِ والتّربةِ؛ فالاستنشاقُ المتكرّرُ لمخلّفاتِ المعادنِ الثّقيلةِ يحدثُ عبرَ الغبارِ الّذي يثيرُهُ الأطفالُ في أثناءِ اللّعبِ، والجسيماتِ النّاتجةِ عن معاولِ المزارعينَ، أوِ المَركباتِ الّتي تعبرُ الطّرقاتِ التّرابيّةَ يوميًّا، لتصبحَ التّربةُ نفسُها مصدرًا صامتًا لتلوّثٍ لا يُدركُهُ النّاس إلّا بعد فواتِ الأوانِ.
وقد أظهرَت فحوصاتُ مستوياتِ الرّصاصِ لدى الأطفالِ المُقيمينَ قربَ أحدِ المصانعِ ارتفاعًا ملحوظًا؛ ممّا دفعَ السّلطاتِ إلى نقلِ المصنعِ إلى الجانبِ الآخرِ منَ المدينةِ. أمّا في وادي (هونان)، فقد تسبَّبَ تسرّبُ مادّةِ الزّرنيخِ في تحذيرِ القَرويّينَ من أكلِ المحاصيلِ أو شربِ المياهِ المحلّيّةِ، ومعَ ذلكَ أظهرَت فحوصاتُ شَعرِ الأطفالِ بعدَ أربعةِ أشهرِ مستوياتٍ مرتفعةً مماثلةً لمستويات كبارِ السّنِّ منَ الزّرنيخِ في أجسادِهِم، متسبّبةً في خدَرٍ ووخْزٍ في أطرافِ الأطفالِ، وتشنّجٍ في عضلاتِهم.
ونشرَتِ الصّينُ دراسةً عن تلوّثِ التّربةِ، مُقترحةً طرائقَ، مثلُ: كشطِ التّربةِ الملوّثةِ وحرقِها ودفنِها، لكنَّها مكْلفةٌ جدًّا، وغيرُ مناسبةٍ للأراضي الزّراعيّةِ جميعِها، وجاءَت هذهِ الدّراسةُ نتيجةَ التّأخّرِ في تنفيذِ الإصلاحِ اللّازم، وهوَ ما أبقى التّربةَ ملوّثةً مدّةً أطولَ، وأدّى إلى تفاقم الأضرارِ، وزيادةِ التكاليفِ الخفيّةِ.
إنَّ الخِياراتِ الّتي تبدو للوهلةِ الأولى أبطأ تنفيذًا وأقلَّ تكلِفةً، قد تكونُ محمَّلةً بأعباءِ اقتصاديّةٍ وبيئيّةٍ واجتماعيّةِ كامنةٍ؛ فكلّما استغرقَ الأمرُ وقتًا أطولَ لمعالجةِ المشكلةِ، بقيتِ التّربةُ خاملةً زمنًا أطولَ.
وحينئذٍ تغدو عمليّةُ الإصلاح أكثرَ تعقيدًا وارتفاعًا في التكلِفةِ، من حيثُ المواردُ أوِ الوقتُ أوِ التَّأثيراتُ الجانبيّةُ.
( من مقالات ( لوسي هورنبي)، عام (2015م)،بتصرّف).