اللغة العربية 9 فصل ثاني

التاسع

icon

( رؤيتان مُتباينتان) 

 

بمَ تشعرُ تُجاهَ الأيّامِ القادمةِ؟ هل تنتظرُها بفرحِ أم تتوجّسُ منها خِيفةً؟

تسيطرُ على سلوكِ النّاسِ أحيانًا نزعةٌ إلى توقّعِ الخيرِ والسّرورِ في حينِ تغلبُ عليهِم في أحيانٍ أخرى نزعةٌ إلى توقّع الشّرِّ وسوءِ الطّالعِ، ويُطلَقُ على الحالةِ الأولى لفظُ التّفاؤلِ، أمّا الحالةُ الثّانيةُ فيُطلَقُ عليها لفظُ التّشاؤمِ.

 

وتميلُ كلُّ حالةٍ من هاتينِ الحالتينِ إلى أن تتكرّرَ وتتواترَ في مواقفَ شتّى من سلوكِ الإنسانِ، حتّى تصبحَ سمةً يصفُه النّاسُ بها، فيقولونَ: إنَّ فاطمةَ متفائلةٌ، مفعمةٌ بالأملِ، تثقُ في المستقبلِ، وتتوقّعُ الخيرَ، أمّا ليثٌ فمتشائمٌ، مليءٌ باليأسِ، يعتقَدُ أنَّ ما سيأتي بِهِ المستقبلُ هو سوءُ الطّالعِ، فيتوقّعُ الشّرَّ ويرى أنّهُ متربّصٌ بِهِ.

 

فالتّشاؤمُ سمةٌ في الإنسانِ لها ما يدلُّ عليها، كأن يتشاءمَ الشّخصُ برقّم معيّنٍ، أو برؤيةِ قطّ أسودَ لدى خروجِهِ منَ المنزلِ، أو بطيرٍ معيّنٍ كالبومِ، كما قد يتشاءمُ آخرونَ بأصواتٍ معيّنةٍ كنعيبِ الغِربانِ، ونباحِ الكلاب .

 

وإذا كانَ التّشاؤمُ في اللّغةِ منَ الشّؤمِ، وهوَ بمعنى الشّرِّ، فإنَّ التّفاؤلَ منَ الفألِ أوِ الفالِ، وهوَ في اللّغةِ القولُ أوِ الفعلُ الّذي يُستبشَرُ بِهِ، كأنْ يكونَ الرّجلُ مريضًا فنسمعَ مَن ينادي عليهِ بقولِهِ: يا مُشافَى، أو يا مُعافى، أو ترى عائلةً قُبِلَ أحدُ أبنائِها.

 

في كلّيّةِ الهندسةِ فلا تراهُم يُطلِقونَ عليهِ إلّا لقبَ المهندسِ، بقولِهم: أينَ

المهندسُ؟ وذهبَ المهندسُ، وجاءَ المهندسُ، وهوَ لم تَخْطُ قدمُهُ بعدُ

إلى عتَبةِ الجامعةِ؛ وما ذلكَ إلّا بدافعِ التّفاؤلِ الّذي يعني الاعتقادَ بإمكانيّةِ تحقيقِ الرّغَباتِ في المستقبلِ، وبترجيحِ حدوثِ الخيرِ أوِ الجانبِ الجيّدِ منَ الأشياءِ بدلًا من حدوثِ الشّرِّ أوِ الجانبِ السّيّئِ. وقد أثبتَتِ الدّراساتُ أنَّ هذهِ النّظرةَ الإيجابيَّةَ يمكنُ أن تؤثّرَ تأثيرًا طبَيَّا في الصّحّةِ النّفسيّةِ والجسميّةِ للإنسانِ، أمّا النّظرةُ السّلبيّةُ فإنّها

يمكنُ أن تؤثّرَ تأثيرًا سيّئًا في سلوكِ الإنسانِ وصحّتِهِ النّفسيّةِ والجسميّةِ، ويمكنُ أن ترتبطَ ارتباطًا جوهريًّا بالاضطراباتِ النّفسيّةِ أوْ الاِستعدادِ للإصابةِ بها.

 

ويمكنُ تجسيدُ التّفاؤلِ في حالِ النّظرِ إلى النّصفِ الممتليِ منَ الكأسِ، أمّا التّشاؤمُ فيمكنُ تجسيدُهُ في حالِ النّظرِ في النّصفِ الفارغِ منها، وهذا ما تنبّهَ لهُ عالمُ النّفسِ (مارتن سيليغمان) في نظرتِهِ الجديدةِ إلى علمِ النّفسِ؛ فقدِ اتّخذَ اتّجاهًا جديدًا فى هذا العلمِ، سمّاهُ علمَ النّفسِ الإيجابيَّ، وهوَ العلمُ الّذي لا يتوقّفُ عندَ علاجِ الأمراضِ النّفسيّةِ كما هوَ شأنُ علمِ النّفسِ السّلبيِّ، بل يبحثُ عن كَشفِ القدُراتِ في الذّاتِ الإنسانيّةِ، ثمَّ عن أساليبٍ تنميتِها تنميةً منظَّمةً تزيدُ شوقَ الإنسانِ إلى حياةٍ أكثرَ سرورًا ونشاطًا.

 

ومنَ الطّريفِ أنَّ (سِيليغمان) درسَ ديوانَ شاعرِنا العظيمِ (المتنبّي)،وكانَ معجبًا بشعرِهِ، وبالملامحِ النّفسيّةِ الإيجابيّةِ فيهِ، وقدِ استشهدَ (سِيليغمان) بأبياتٍ كثيرةٍ للمتنبّي، منها استشهادُهُ على فلسفةِ المتنبّي.

 

القائمة على الإيمان بعدم الدوى من الإقامة على الحزن والكآبة، فعلى الإنسان ألّا يسمح للهموم ألّا يسمح للهموم والمصائب بأن تُعطّل سعيه في الحياة، ما دام فيه قلبٌ ينبِض، يقول المتنبيّ:

 

لا تلقَ دهركَ دهركَ إلّا غير مكترثٍ               ما دامَ يصحبُ فيه روحَكَ

فما يدومُ سرورٌ ما سُررتَ به                       ولا يردُّ عليكَ الفائتَ الحزنُ

 

                                          ( المفهوم والقياسُ والمتعلّقات، بدر محمّد الأنصاريّ، بتصرّف)

Jo Academy Logo