أبرز قضايا النقد الأدبي القديم
أولًا: النقد اللغوي
يعرف النقد الأدبي بأنه النقد الموجّه إلى لغة النص؛ إذ يفرّق الناقد بين لغة الشعر ولغة النثر، ويتتبّع ما في لغة الأديب من صواب أو خطأ، وقد تطوّر النقد اللغوي في ما بعدُ إلى اتجاهات نقديّة حديثة، منها: النقد الأسلوبي.
- آراء النقاد في قضية اللغة الشعريّة
انقسمت آراء النقاد العرب القدماء في قضية اللغة الشعريّة إلى فريقين:
الفريق الأول: ذهب إلى التفريق بين لغة الشعر ولغة النثر وأنّ لكل منهما لغته وأسلوبه
-
- قول ابن رشيق القيرواني (ت 456هـ): "للشعراء ألفاظ معروفة، وأمثلة مألوفة، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا أن يستعمل غيرها، كما أنَّ الكتّاب اصطلحوا على ألفاظ بأعيانها، سمّوها الكتابيّة لا يتجاوزونها إلى سواها.
الفريق الثاني: وقف موقفاً متساهلاً؛ فلم يخصّص لغة للشعر وأخرى للنثر، وأجاز للشاعر أن يستخدم من الألفاظ ما يشاء.
-
- قول أبي هلال العسكري (ت 395هـ): "والمنظوم الجيّد ما خرج مخرج المنثور في سلاسته وسهولته".
- معيارية اللغة
وقد اهتمَّ النقاد بـ (معياريّة) اللغة الشعريّة، بمعنى أن يتّبع الشاعر قواعد اللغة، فلا يرتكب مخالفات في هذا المجال.
مثال: نُقِدَ المتنبي في ذمّ الشيبِ، عاب بعض النقاد على المتنبي قوله:
أبعدَ بعدتَ بياضاً لا بياضَ لهُ لأنتَ أسودُ في عيني منَ الظُّلَمِ
سبب النقد (المخالفة اللغوية):
- فقد صاغ فعل التعجّب القياسيّ من فعلٍ الوصفُ منه على وزن )أفعل )الذي مؤنثه )فعلاء)، فقال: "لأنتَ أسودُ في عيني منَ الظُّلمِ".
- والذي تقرّر في قواعد العربيّة أنَّ هذا لا يصحّ، وأنَّ الفصحى تقتضي القول:
"لأنتَ أشدُّ اسوداداً في عيني منَ الظُّلَمِ".
- ثانيًا: اللفظ والمعنى
شغلت إشكالية اللفظ والمعنى النقد العربي القديم، ويمكن إيجازها بالآتي: أيهما أكثر أهمية في نظر النقاد والبلاغيين: اللفظ أم المعنى؟ وهل يُنظر إلى اللفظ على أنه غاية في ذاته أم هو وسيلة للتعبير عن المعنى؟ ويمكن اختصار الجواب بتقسيم آراء النقاد في هذه القضية، وجعلها في ثلاث طوائف:
|
الطائفة |
التوجه والاهتمام |
أبرز الأعلام والآراء |
|
الطائفة الأولى |
تهتم باللفظ، وبما يتضمنه من أسلوب وتصوير. |
الجاحظ: يرى أن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، فالشعر عنده صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير. |
|
الطائفة الثانية |
تُعلي من شأن المعنى. |
ابن الأثير (ت 637هـ): يرى أن: العرب إنما تُحسن ألفاظها وتزخرفها عناية بالمعاني التي تحتها، فجعل الألفاظ خدماً للمعاني. |
|
الطائفة الثالثة |
تقول بالتلازم التام بين اللفظ والمعنى. |
عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ): مبتكر نظرية (النظم) التي تقوم على ربط اللفظ بالمعنى ربطاً محكماً، فالبلاغة عنده في النظم والتأليف بينهما (الطريقة التي يرتبط بها اللفظ بالمعنى). |
ويمثّل الجرجاني على اتحاد اللفظ بالمعنى بعبارتين، هما:
زيدٌ كالأسد.
كأنَّ زيداً الأسدُ.
|
العبارة |
الغرض المشترك |
الفرق الدلالي (المعنى المرتبط باللفظ) |
|
زيدٌ كالأَسَدِ |
التشبيه |
تشبيه عام لزيد بالأسد في الشجاعة. |
|
كأنَّ زيداً الأَسَدُ |
التشبيه |
زيادة في معنى التشبيه؛ حيث تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه لا يتميز عن الأسد ولا يقصر عنه، حتى يُتوهَّم أنه أسدٌ في صورة آدمي. |
- ثالثًا: الصدق والكذب
ناقش النقاد العرب القدماء قضية الصدق والكذب في الشعر، وتباينت وجهات نظرهم في ذلك؛ فبعضهم أيّد أن يلتزم الشاعر الصدق، بينما رأى آخرون أنَّ الإبداع يتطلّب المبالغة والغلو، وثمّة فريق ثالث نادى بالتوسط ما بين الصدق والكذب.
- بيان آراء النقاد في قضية الصدق والكذب
|
الرأي |
المضمون والشواهد |
|
الرأي الأول: أعذب الشعر أصدقه |
• انطلق أصحابه من قاعدة أخلاقية (الصدق في الشعر). تعليق النقاد على بيت زهير بن أبي سلمى: "وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتُمُ وما هوَ عنها بالحديثِ المرجَّمِ" فقالوا: صدق زهير، فالحربُ ليست إلا ما عرفتموه عنها من خراب ودمار. وقوّى هذا الرأي مجيء الإسلام ونزول الآية الكريمة: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}. |
|
الرأي الثاني: أعذب الشعر أكذبه |
ساد عند نقاد العصر الأموي بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وضعف الالتزام الديني. أمثلة: قيل في عمر بن أبي ربيعة إنه أكذب الشعراء في الشعر. في العصر العباسي: أصبح الكذب اتجاهاً له أنصاره، كقول البحتري: "كلفتمونا حدودَ منطقكم والشعرُ يغني عن صدقِه كذبُه".
المقصود بالكذب هنا هو (الكذب الأدبي) المعتمد على الغلو والمبالغة والتخييل، وليس تزوير الحقائق. • شواهد الغلو: قول بشار بن برد (وهو ولد أعمى): "كأنَّ مثارَ النَّقْعِ فوقَ رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبُه". • وقول المتنبي: "كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ لولا مخاطبتي إياكَ لم ترَني". |
|
الرأي الثالث: أعذب الشعر أقصدُه |
هو رأي التوسط والاعتدال؛ فمن (القصد) أي التوسط. يرى أصحابه أن الصدق مطلوب لعدم تزوير الحقائق وتشويهها، والكذب الفني مطلوب ليبدع الشاعر معاني جديدة لم يتطرق إليها أحد من قبل. |