الفلسفة12 فصل أول

الثاني عشر خطة جديدة

icon

يتناول الدرس الفلسفة الإسلامية وأبرز القضايا التي ناقشها الفلاسفة المسلمين، وأثر حركة الترجمة والتآليف في الفلسفة الإسلامية، ونبذة عن أبرز الفلاسفة المسلمين.

أولا: الفلسفة الإسلامية

(لمحة عن العرب قبل الإسلام):

على الرغم من تواصل العرب وبخاصة أهل مكة قبل الإسلام حضاريًّا مع غيرهم من أمم وشعوب ذات حضارة بلغت ازدهارًا واضحًا في المسائل والقضايا الفكرية المعقّدة، والتي اشتملت على مفاهيم دينية متقدّمة، فإنه يمكن القول إنّ العرب قبل الإسلام لم يكن لهم فلسفة أو فلاسفة. لقد كان لديهم:

أقوال وحكم مأثورة وبعض المعتقدات الدينية المتنوّعة التي تشتمل على مفاهيم لم تتطوّر مثل مفهوم الآلهة والخلق والعبادة، وبقي التدين لديهم وثنيًّا على الأغلب، فلم ينشأ لديهم فكر ميتافيزيقي في بيئتهم الصحراوية وحتى مدنهم القليلة.

العرب والمسلمون (الإسلام)

لما نزل القرآن على الرسول محمد )صلى الله عليه وسلم(، قدم للعرب والمسلمين مفاهيم دينية ودنيوية متقدمة دفعت بالعقلية العربية لتكون عقلية تتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب، عقلية استطاعت أن تستوعب مفاهيم جديدة على ثقافتهم، وعلى الرغم من معرفتهم بها إلّا أنها حملت مضامين لم يعرفوها من قبل. لقد ناقش المسلمون هذه المفاهيم وبخاصة:

موضوع وجود الله والصفات الإلهية وعلاقتها بذات الله وموضوع الخلق والعلاقة بين الله والإنسان، ونشأت تساؤلات كان يسهل التعامل معها وتقديم الإجابات لها زمن حياة الرسول )صلى الله عليه وسلم( مع الصحابة، ولكن بعد وفاته اتخذت هذه التساؤلات والإجابات الموجودة وبعض التساؤلات المستمدة منها مسارات مختلفة اعتمدت على اجتهادات المسلمين. وكان للحياة السياسية التي مارسها المسلمون في بداية نشوء الدولة الإسلامية أثرٌ مهمٌّ في كيفية تلقّي المسلمين للنص القرآني وتأويله، ما أدّى إلى تعدد الرؤى ونشوء الفرق الإسلامية المتعددة.

علم الكلام ونشوء الفرق الإسلامية

كانت قضايا الجبر والاختيار والموقف من الصفات الإلهية من أول القضايا التي واجهها المفكرون المسلمون، كان منهم من قال بالتنزيه ومنهم من قال بالتشبيه، ومنهم من قال بالجبر ومنهم من قال بالاختيار، فمن قال بالتنزيه الأشاعرة والمعتزلة ومن أهم معتقداتهم أن الله تعالى لا يشبه أيًّا من مخلوقاته في أي صفة من صفاته، وأما فرقة المشبّهة فقد حملوا الآيات على معنى الجسمية، وأنه تعالى وصف نفسه بصفات تتصف بها مخلوقاته، وبخاصة الإنسان مثل السمع والبصر ... مما ورد من صفات لله في القرآن، وقد نضجت هذه الموضوعات في فكر فرقتين مشهورتين في تاريخ علم الكلام الإسلامي، هما المعتزلة والأشاعرة، وقد أسس فرقة المعتزلة المتكلّم واصل بن عطاء (131- 80هـ(، في حين أسس فرقة الأشاعرة، المتكلّم أبو الحسن الأشعري(   -260 324 هـ(

ما هي مبادئ المعتزلة؟

اعتقد المعتزلة بخمسة مبادئ هي:

1- التوحيد

2- العدل

3- المَنْزلة بين المنزلتين

4- الوعد والوعيد،

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وأهم مبادئهم التوحيد والعدل، وجوهر قولهم في التوحيد إنّ صفات الله هي عين ذاته، والعدل يقوم على أنّ الإنسان مختار في فعله ومسؤول عما يفعل، ولهذا يستحق الإنسان الثواب والعقاب.

أمّا الأشاعرة الذين يمثّلون جمهور أهل السنة، فقد أعتقدوا أن:

صفات الله زائدة على ذاته، وأنه كما وصف نفسه بالقرآن مع نفي الكيف، فإن قال له يد فله يد بلا كيف، وكان لهم في إثبات الصفات مذهبان:

أولهما التفويض الذي ينفي عن الله الظاهر من اللفظ،

والثاني التأويل وهو تأويل الألفاظ على معنى لائق بالله تعالى، متّفق مع قواعد اللغة والعقل.

حركة الترجمة والتأليف في الفلسفة الإسلامية

لقد كان تبنّي الخلفاء العباسيين فكر فرقة المعتزلة، والذي شكلّ دافعًا للمفكرين المسلمين للاطّلاع على التجارب الفكرية للأمم والشعوب وأصحاب الديانات الأخرى؛ وبخاصة أولئك الذين أصبحوا جزءًا من الدولة الإسلامية. ومّما يجدر ذكره هنا أن المسلمين عندما كبرت دولتهم ضمت أقاليم وشعوبًا لم تكن تنطق بالعربية، ولها ثقافات مختلفة.

ورث العرب المسلمون أهم ثلاثة مراكز حضارية في العالم القديم: وهي

- الإسكندرية التي استمرت فيها الأفكار الفلسفية اليونانية التي كانت امتدادًا لفلسفة أفلاطون وأرسطو، ومدارس فلسفية مختلفة، حيث ظهر فلاسفة وشُرّاح جدد في هذا العصر،

والمركز الثاني هي حرّان في بلاد الشام التي اهتم مفكروها بالفلك والرياضيات وأبدعوا في كليهما،

والثالث جنديسابور التي اشتهر رجالها بالطب وكان من أشهرهم عائلة بختيشيوع التي كان أفرادها هم أطباء الخلفاء العباسيين.

وفي بلاد الشام التي كان أهلها قد اعتنقوا الديانة المسيحية، تأثّرت آراؤهم الدينية بمخرجات الحضارة الهلنستية وهي حضارة البحر المتوسط، وقد أثّر ذلك في تطوّر اللاهوت المسيحي، ونشأت في المسيحية فرق، وكان لهذا الفكر أثره في علم الكلام الإسلامي الذي أخذ بالعقلية العربية الإسلامية إلى مرحلة التفلسف. ونظرًا لحاجة العرب المسلمين للإفادة من خبرات هذه المراكز الحضارية وبحسب حاجاتهم، فقد كانت توجد حاجة عملية للطب والرياضيات، والفلك في الدولة الإسلامية لمعرفة حركة الجيوش، ثم بعد ذلك المنطق لتسهيل الدعوة إلى الدين الجديد وتحسين سبل الدفاع عنه أمام خصومه، وأخيرًا الاطّلاع على الآراء الفلسفية التي كانت تقدم حلولًا لكثير من القضايا التي عالجها علم الكلام، فكان لا بد من ترجمة هذا التراث الإنساني، وقد ازدهرت حركة الترجمة في عهد الخليفة العباسي المأمون المتوفى عام( 218هـ/ 833 م). وقد عزّز مركز بيت الحكمة الذي أنشأه والده الخليفة هارون الرشيد.

 

إضاءة

تُعدّ فرق المعتزلة والأشاعرة من أبرز الفرق الفكرية التي نشأت في العصر العباسي، وقد تبنى الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق الفكر المعتزلي.

 

الفلاسفة المسلمون

كان الكندي 256-180) هـ( أوّل الفلاسفة المسلمين، وقد وضع القضايا الأساسية التي عالجتها الفلسفة من بعده، ومن أهمها البراهين على وجود الله، وقضية الخلق، والتوفيق بين الفلسفة والدين الإسلامي، وموضوع حريّة الإنسان؛ فكان لفكر المعتزلة تأثير واضح في فلسفته لأنه عاش في زمن ازدهار حركتهم. واتّفق الفلاسفة المسلمون بعده مثل الفارابي339-259) هـ(وابن سينا 370) 428-هـ(معه في رأيه في وجود الله والتوفيق بين الفلسفة والدين الإسلامي وفي قوله بحرّية الإنسان ومسؤوليته عن فعله، لكنهم خالفوه في مسألة الخلق. وفي موضوع التوفيق بين الفلسفة والدين الإسلامي؛ رأى الكندي أن غاية الفيلسوف في علمه العلم بالحق وفي عمله العمل بالحق، وأن في ذلك علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة وجملة كل علم نافع والسبيل إليه، وهو ما جاءت به الرسل. ولذلك، فإن الفيلسوف والنبي في علمهما يصلان إلى النتيجة نفسها، ولكن الفيلسوف يصل إلى الحقيقة عن طريق العقل، والنبي يصل إلى الحقيقة نفسها عن طريق الوحي. وبناءً على ذلك فإنّه لا خلاف بين العقل والنقل )الدين(، وقد وافق الكندي على رأيه هذا الفلاسفة المسلمون.

 

تعريف الكندي للفلسفة: " إنّ أعلى الصناعات الإنسانية منزلة وأشرفها مرتبة صناعة الفلسفة التي حدّها: علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان؛ لأنّ غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق، وفي عمله العمل بالحق ... وأشرف الفلسفة وأعلاها الفلسفة الأولى: أعني علم الحق الأوّل الذي هو علّة كل حق".

الكندي، كتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى، حققه د. أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1948 ، ص 77 - 78 .

 

ثانيا: قضايا في الفلسفة الإسلامية

1- وجود الله تعالى

كان موضوع وجود الله من أهم القضايا التي اهتم بها الفلاسفة المسلمون، وبخاصة أنّ العصر العباسي كان عصرًا مليئًا بتيارات فكرية متعددة، وصل الفكر في بعضها إلى ما يسمّى الزندقة )بمعنى الكفر والإلحاد(، وقد حاول الكندي ومن أتى بعده إثبات وجود الله وقدّموا في ذلك براهين من أهمها:

برهان الحركة: ويقوم هذا البرهان على مشاهدة أنّ العالم والأشياء فيه متغيرة، وكل تغّير هو حركة، وكل حركة لا بد لها من مُحرّك، وتتسلسل المحركات إلى أن نصل في نهاية السلسلة إلى مُحرّك لا يتحرّك وهو الله. وتعود أصول هذا البرهان إلى أرسطو.

برهان الترتيب والنظام: ويعتمد هذا البرهان على مشاهدة أنّ الأمور في العالم تجري بنظام وترتيب لا يتغير، وأنّ علاقات الأشياء ببعضها محكومة بقوانين، إذن لا بد من منظّم لكل ذلك وهو الله. وقد أضاف الفارابي وابن سينا إلى هذين البرهانين برهانًا آخر وهو الوصول إلى وجود موجود يكون وجوده من ذاته، وهو الله، ويكون سببًا لوجود العالم والأشياء التي وجودها من غيرها. وقد سمّوا الموجود من ذاته واجب الوجود، بينما سمّوا الذي يكون وجوده من غيره موجودًا ممكن الوجود، واختصارًا ميّزوا بين الأول وسمّوه الواجب، والثاني سمّوه الممكن.

 

2- قضية الخلق

لقد شغلت قضية الخلق الفلاسفة عبر العصور، وكان لتباين صفات الله الخالق عن صفات العالَم المخلوق أثر كبير في تصوّر الفلاسفة لعملية الخلق، والمشكلات الأساسية في تلك العملية، ومنها:

أنّ اللّه واحد فكيف يصدر عنه العالم المتكثّر؟

وأنّ اللّه موجود لامادي فكيف يصدر عنه العالم المادي؟

وهل كان الخلق هو عملية الإيجاد من عدم أم أنه إحداث شيء من شيء موجود؟

وقد أقرّت الديانات السماوية القول بالخلق من عدم، وأخذ الكندي بهذه الفكرة.

ثالثا: الفلسفة بين الغزالي وابن رشد

كان النزاع والخلاف بين المتكلّمين والفقهاء من جهة والفلاسفة من جهة أخرى كبيرًا، وكان تعبيرًا عن اعتبار الشرع والعقل هو الأصل عند المتكلّمين والفقهاء، واعتبار العقل هو الأصل عند الفلاسفة، وتجلّى هذا النزاع بين الغزالي505-450) هـ(وابن رشد  520) 595 - هـ(، بشكل واضح، رغم أنه يوجد مَنْ سبق الغزالي في الرد على آراء الفلاسفة مثل ابن حزم الأندلسي456-384) هـ(.

لقد كان الغزالي أشعريًّا، وعندما أراد الرد على مقولات الفلاسفة، قام بدراسة آراء الفلاسفة في كل المسائل الفلسفية، وكتب في ذلك كتاب )مقاصد الفلاسفة(، ثم سعى إلى تفنيد آرائهم في كتابه المشهور )تهافت الفلاسفة(، وكان هدفه في هذا الكتاب واضحًا، إذ إنّه أراد التشكيك في هذه الآراء وزعزعة ثقة الناس بالفلاسفة ومقولاتهم، ولم يكن هدفه وضع نظريات مناقضة لنظريات الفلاسفة، وقد أوضح الغزالي أنّ هناك عشرين مسألة تناولها الفلاسفة وصنفها في ثلاث فئات:

مجموعة تتفق آراء الفلاسفة مع الشرع، ولا خلاف معهم فيها.

ومجموعة لا تخالف الشرع، وهذه لا يجادلهم فيها،

ومجموعة ضمت ثلاث مسائل يدّعي الغزالي أنّ رأي الفلاسفة فيها يخالف رأي الشرع، ولهذا فقد رفضها رفضًا تامًّا،

وهذه المسائل الثلاث هي:

قول الفلاسفة بقِدَم العالم،

وقولهم إنّ اللّه يعلم الجزئيات على نحو كلي،

وكانت آخر مسألة تتعلّق ببعث الروح دون الجسد.

أما ابن رشد فقد تناول آراء الغزالي ورد عليها في كتابه المشهور (تهافت التهافت)، وقد أجاب فيه على اعتراضات الغزالي على آراء الفلاسفة في كل المسائل ومنها المسائل التي كفّر الغزالي فيها الفلاسفة، وأنكر عليه أصل هدفه في كتابه تهافت الفلاسفة، وقال عن الغزالي: "إن قصده ها هنا ليس معرفة الحق، وإنما قصده إبطال أقاويلهم وإظهار دعاويهم الباطلة، فقصد لا يليق به".

Jo Academy Logo