منجم الذهب
بينما كانَ الفلاحُ الصّغيرُ عائدًا مِنَ السّوقِ، وبعدَ أنِ ابتاعَ كيسًا مليئًا ببذورِ القمحِ، وجدَ ورقةً كُتِبَ فيها: ((الوقتُ منْ ذهبٍ)). تلفّتَ الفلّاحُ يَمنةً ويَسرةَ؛ لظنِّهِ أنَّ أحدَ التُّجّارِ الأغنياءِ قدْ أضاعَ سرَّ ثروتِهِ. أخذَ يفكّرُ: إنْ كانَ الوقتُ منْ ذهبٍ، فسوفَ أبحثُ عن سبائكِهِ، وأبيعُها لتاجرِ الذّهبِ، فأغدو غنيًا.وضعَ الفلّاحُ الصّغيرُ كيسَ البذورِ منْ يدِهِ، وصفّقَ، وقالَ في نفسِهِ: ما زالَ الفصلُ خريفًا، سأبحثُ عنِ الوقتِ أوّلًا، وبعدَ أنْ أجدَهُ، سوفَ أبذرُ الأرضَ. مشى الفلّاحُ الصّغيرُ في طريقِ بحثٍ طويلٍ، ولمّا شعرَ بالتّعبِ، جلسَ على صخرةٍ، وسمعَ فحيحَ ثعبانٍ أطلَّ عليهِ منْ حفرتِهِ، فسألَهُ الفلّاحُ: هلْ تعلمُ أينَ أجدُ الوقتَ؟
- هلْ هوَ شيْءٌ ثمينٌ؟
- ثمين جدًّا.
- الأشياءُ الثّمينةُ موجودةٌ في باطنِ الأرضِ .
قامَ الفلّاحُ بالحفرِ والتّنقيبِ؛ لكنّهُ لمْ يجدْ شيئًا، فتركَ الفأسَ، وبعدَ أيّامِ طويلةٍ منَ المشي، وجدَ نفسَهُ على شاطئ البحرِ، ولمّا جلسَ أمامَهُ خرجَتْ منَ الماءِ سمكةٌ كبيرةٌ، فسألَها: هلْ تعلمينَ أينَ أجدُ الوقتَ؟
- الأشياءُ الثّمينةُ توجدُ في أعماقِ البحرِ .
غاصَ الفلاحُ الصّغيرُ في البحرِ، وراحَ يبحثُ عنِ الوقتِ، وبعدَ أيام طويلةٍ منَ البحثِ تركَ البحرَ وراءَهُ، وراحَ يمشي قاطعًا السّهولَ والْجبالَ، ولمّا وصلَ إلى شجرةٍ ضخمةٍ، رأى عصفورًا فسألَهُ: هلْ تعلمُ أينَ أجدُ الوقتَ؟
- الأشياءُ الثّمينةُ موجودةٌ في السّماءِ.
تساءلَ الفلاحُ: كيفَ أصلُ إلى السّماءِ، فاقترحَ العصفورُ أنْ يتسلّقَ أعلى جبلٍ في الغابةِ، ويبحثَ عنِ النَّسرِ العملاقِ الّذي يملأُ صفيرُهُ المكانَ؛ ليسألَهُ أنْ يطيرَ بهِ، فنجحتِ الفكرةُ، لكنَّ الفلاحَ لمْ يجدِ الوقتَ في السّماءِ،فعادَ أدراجهُ إلى بلدتِهِ يائسًا ولمَّا وصلَ الفلّاحُ إلى حقِلِهِ، تفاجأ برحيلِ فصلِ الخريفِ؛ فحزنَ، إلّا أنّهُ راحَ يحرثُ الأرضَ ويبذرُها. مرَّ عجوزٌ جانبَهُ، وسألَهُ بدهشةٍ: أينَ كنتُ
طيلةَ فصلِ الخريفِ؟ لقدْ تأخّرتَ في الحراثِةِ والبَذْرِ.
- كنتُ أبحثُ عنِ الوقتِ ؛ لأبيعَهُ فأحصلَ على المالِ .
- أتبحثُ عنِ الوقتِ وهوَ بينَ يديكَ؟ لقدْ أضعتَهُ لمّا أجّلْتَ زراعةً أرضِكَ، وبذلْتَ جهدًا في ما لا ينفعُ، يا بنيَّ؛ الوقتُ ذهبٌ، لكنَّهُ لا يُباعُ ولا يُشترى، وإنّما يُدارُ بالفطنةِ، وإنْ خسرتَ لحظةً منهُ فلنْ تستطيعَ إعادتَها. ندمَ الفلّاحُ الصّغيرُ ندمًا شديدًا، وأيقنَ أنَّ كلَّ ثانيةِ يعملُ فيها عملًا مفيدًا تعدلُ منجمَ ذهبٍ، وقرّرَ البَدْءَ بالعملِ منْ هذهِ اللّحظةِ.
ميمونة الشيشاني، مجلّةُ وسام، العدد336ُ، بتصرّفٍ