دور الفلسفة ووظائفها في مسيرة الحضارة الإنسانية
يتناول الدرس دور الفلسفة ووظيفتها عبر التأثير المتبادل بين الإنسان والكون والمعرفة والتفكير والثقافات.
دور الفلسفة
لم تكن الفلسفة بحثًا أو تساؤلًا لمجرد البحث أو التساؤل النظري، بل كانت نابعة من طبيعة الإنسان الذي يتسم بالوعي، ويسعى إلى معرفة الحقيقة، ليعيش حياته بصورة أفضل، وقد قامت الفلسفة بعدد من الأدوار أهمها أنها:
1- شكّلت البداية الحقيقية لكل المعارف الإنسانية، لأنها بدأت من الإنسان والطبيعة وبيان العلاقة بينهما، وكيف يمكن أن يعرف الإنسان كيفية التعامل مع البيئة المحيطة به ويفهمها ويستفيد منها، فبدأ بالتساؤل حول الكون وجوهره، وحول أفضل الممارسات في علاقته بالواقع الذي يعيش فيه؛ لذا قامت الفلسفة بتأسيس كل المعارف العلمية لأنها وجهت الفكر حول الإنسان والواقع من أجل فهمه والاستفادة منه عبر تسخيره لمصالحه ومنافعه.
2- قدّمت نمطًا معرفيًّا في الجوهر يلبّي حاجة إنسانية ورغبة فطرية لدى البشر للمعرفة، فقد تناولت المشكلات التي واجهت الإنسان منذ بداية وجوده، وتكمن قيمتها في التنبيه على ما ينبغي للإنسان أن يفهمه ويمارسه بما يؤدي إلى إشباع تطلعاته ورغبته في المعرفة.
3- نمّت قدرات التفكير المبدع لدى الإنسان من أجل أن يفهم نفسه وواقعه، ويتغلّب على المشكلات التي تواجهه، فعبر تنمية التساؤل شجّعت على البحث الجاد، ولذا أسهمت بقوة في تنمية إحساس الإنسان بمسؤوليته عما يواجهه، وعملت من ثم على تنمية وعيه وسعيه لفهم ذاته والعالم من حوله، ما أسهم بقوة في تقدّم الحضارة البشرية.
4- أسهمت عبر التفكير الجاد في الوجود في تعزيز الإيمان بالله على أسس عقلية واضحة، فقد ساعدت على البرهنة على حقيقة وجود الله تعالى، وعليه بينت أنّ الحق لا يتعارض مع الحق أيًّا كان مصدره.
5- أسّست الحضارة الإنسانية من خلال تحليل الواقع الاجتماعي وبيان سلبياته لتجاوزها عبر منهجيتها في التحليل والنقد، وعليه سعت إلى إيجاد الحلول من أجل إصلاح المجتمع؛ ولهذا فهي يقظة في سبيل فهم ما يجري في المجتمع وتشخيصه، وتقديم الحلول المناسبة لمشكلاته، واقتراح القيم والمبادئ المناسبة من أجل تحقيق الأهداف الرئيسة في المجتمع حسب طبيعة الإنسان وواقعه الذي يعيش فيه وضمن السعي إلى أفضل صورة ممكنة.
وظيفة الفلسفة
نبعت الفلسفة في الأساس من العقل الإنساني بغرض المعرفة، سواء المتعلّقة بالإنسان الفرد أو بالإنسان في المجتمع وعلاقاته المتنوعة، ومن وظائف الفلسفة ما يأتي:
1- أدّت الفلسفة دورها عبر مسيرة الإنسان الحضارية في كل العصور، إذ كانت العامل الأكبر في تحفيز العقل على التفكير ودفعه إلى البحث العلمي، وقامت بفحص كل معرفة علمية، وربطت بين المعرفة العلمية ومنافعها الاجتماعية عبر تعزيز العلاقة بين المعرفة والأخلاق بحثًا وسلوكًا، وأخضعت الاكتشافات العلمية للقيم الإنسانية، وقد سعت الفلسفة إلى جعل العلوم ونتائجها في خدمة الإنسان وتحقيق سعادته.
2- حقّقت الفلسفة عبر مسيرتها وما زالت مجموعة من الأهداف الثقافية والمعرفية والمنهجية، وقد تمثّلت الأهداف الثقافية في التنبيه إلى السلوك العقلاني وأهمية السير بمقتضاه في الحياة الشخصية، والاجتماعية، والنفسية، والفكرية، والاطّلاع على الحوارات الفكرية والأيديولوجية السائدة في العالم، بالإضافة إلى معرفة أسس ومبادئ الاتجاهات الفكرية في العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وعلميًّا، ليتم فهمها وكيفية التعامل معها وبناءً على ذلك:
أ. تتبدى (تظهر) قيمة الفلسفة ووظيفتها الأساسية في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها الإنسان، وتمكنه من تطوير سلوكه ووعيه وتنمية القدرة على الفهم والتعبير وفهم المشكلات ومناقشتها وتحليلها والتعامل معها.
ب. تسهم في تنمية القدرة على الفهم والقدرة على التعبير والاستدلال الصحيح، والقدرة على التحليل والتركيب والتصنيف والتنظيم والتعليل، بالإضافة إلى القدرة على النقد البناء والاختيار الحكيم المستند إلى البرهان، وإصدار الأحكام الصائبة، المؤدية إلى تنمية المبادرة والخيال المبدع.
ج. تقوم الفلسفة بوظيفتها في كلّ عصر حسب مقتضيات الدّور الذي كان من المفروض أن تقوم به، كما كانت هناك وظيفة عامة ترتبط بها في كلّ وقت، وقد تنوعت حسب مقتضيات الزمن، حيث:
- أسهمت في تعزيز السلوك الأخلاقيّ في الشرق القديم.
- أسهمت في دفع البحث العقلاني في بلاد اليونان.
- قامت في العصور الوسطى بالتوفيق بين العقل والنقل أو بين الشريعة والحكمة لتحصيل السعادة في الحياة الدنيا والآخرة.
- أضحت في المرحلة الحديثة الرابط القوي بين الفكر والمعرفة والحياة العملية.
د. تربّي في الإنسان النزعة العقلية الواعية والناقدة، فيصبح الشخص قادرًا على التفكير الناقد الحر، الذي يحرّره من قبول أي فكرة قبل بحثها وتحليلها، وعليه يكون قادرًا على التفكير المؤدي إلى استيعاب الأفكار بصورة عامة على نحو منهجي، وبذلك يصبح الإنسان متصفًا بروح الدقة والصرامة المعرفية وحب المعرفة والسعي الدائم للوصول إلى معرفة الحقائق، التي تحرّر الإنسان من الجهل، وتمنحه الشجاعة للدفاع عن الحقّ؛ لأنها أول شروط التفكير الحر الصحيح. إن معرفة الحقيقة تعزّز الإيمان بالله، وتساعد على تأكيد الحقائق الدينية وتثبيتها في النفوس.
هـ. تعزّز القيم وتعطي الحياة قيمتها ومعانيها التي ينبغي معايشتها عبر التدبير العقلاني المؤدي إلى السعادة والطمأنينة. إنّ ضرورة التعمقّ في التفكير طلبًا لليقين، والانفكاك من التبعيّة الفكرية من أجل إحلال العقل بدلًا من التقليد، والوعي بأهمية استعماله في الزمن الحالي، اللذين أصبحا شديدي التعقيد والتداخل وأكثر إلحاحًا وضرورة.