التعلم القبلي
خلق الله تعالى الأرض وما فيها، وسخرها لخدمة الإنسان، مثل الحيوانات التي جعل فيها منافع عديدة للإنسان، قال تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقد حثّ الإسلام الإنسان أن يُرفق بالحيوانات، ويُحسن إليها.
الفهم والتحليل
يُعدُّ الرفق بالحيوان من مظاهر الإحسان. وقد أقرّ الإسلام بأن للحيوان عالمه وخصائصه وطبائعه، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
أولاً: مظاهر عناية الإسلام بالحيوان
حثّ الإسلام على العناية بالحيوان، ووجّه سيّدنا رسول الله ﷺ المسلمين إلى ذلك باتباع ما يأتي:
أ. المحافظة على حياة الحيوان، وتحريم الاعتداء عليه من دون مقصد شرعي، ووجوب إنقاذه من الهلاك، ودفع الضرر عنه قدر الاستطاعة، وعدم اتخاذه هدفًا للرمي، قال رسول الله ﷺ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا»
ب. تقديم الطعام والشراب للحيوان، وجعل مثوبة ذلك أجرًا عظيمًا، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ رَجُلاً رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ». كذلك أوجب على مالك الحيوان أن ينفق عليه، وألا يحرمه من الطعام والشراب؛ فقد مرّ سيّدنا رسول الله ﷺ ببعيرٍ لحق ظهره ببطنه (أي أصبح هزيلاً من شدة الجوع)، فقال ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً»(المُعْجَمَة: التي لا تنطق).
ج. العناية بصحة الحيوان؛ إذ أمر سيّدنا رسول الله ﷺ بعزل الحيوان المريض عن الحيوان السليم؛ لكيلا ينتقل إليه العدوى، فقال ﷺ: «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»
د. معاملة الحيوان بالرفق والرحمة؛ إذ حثّ الإسلام على معاملة الحيوان بالرفق والرحمة، وقد كان سيّدنا رسول الله ﷺ يمسح وجه فرسه بكفه تعبيرًا عن عطفه. ومن مظاهر هذه الرحمة: عدم تكليف الحيوان فوق طاقته، وإراحته في السفر ليقوى على السير، قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ» (الخصب: كثرة الزرع، السَّنة: القحط). وعند ذبح الحيوان، دعا سيّدنا رسول الله ﷺ إلى إحسان الذبح وحد الشفرة؛ إذ قال ﷺ: «إِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»
هـ. استخدام الحيوان فيما خُلق له؛ فقد حذّر سيّدنا رسول الله ﷺ من الجلوس على الدواب أو الوقوف على ظهورها عند الخطبة، فقال ﷺ: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ»
و. عدم ضرب الحيوان، أو تعذيبه، أو التمثيل به (أي قطع بعض أجزائه، مثل: الأذن، والأنف)، أو حرقه؛ فقد رأى سيّدنا رسول الله ﷺ قرية نمل قد أحرقها أحد الأشخاص، فقال ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ»، وقد نهى سيّدنا رسول الله ﷺ عن وسم (الكي بالنار) الحيوان في وجهه. ومن ذلك أن سيّدنا رسول الله ﷺ مرّ عليه حمار قد وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فقال: «لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ»
ز. عدم إثارة الحيوانات بعضها على بعض؛ أي المصارعة فيما بينها، مثل: مصارعة الديكة، ومناطحة الأكباش، ومصارعة الثيران؛ لما في ذلك من إلحاق الأذى والضرر بالحيوان.
ثانيًا: أهمية رعاية الحيوان
أوصى الإسلام برعاية الحيوان؛ لما لذلك من أهمية كبيرة تعود بالخير والنفع على الفرد والمجتمع. ومن ذلك:
أ. كسب الأجر العظيم، والفوز بمحبة الله تعالى: تُعدّ رعاية الحيوان والإحسان إليه عملاً صالحًا يتقرّب به الإنسان إلى الله تعالى؛ لنيل رضاه، وكسب الأجر العظيم، قال رسول الله ﷺ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
ب. تحقيق التوازن البيئي: تؤدّي الحيوانات دورًا مهمًّا في تحقيق التوازن البيئي؛ فهي تمثّل مصدر غذاء للإنسان، وتُعدّ فضلاًء غذاءً للنباتات، فلولا وجودها لاختلّ النظام البيئي.
صُوَر مشرقة
أ. دخل سيّدنا رسول الله ﷺ بستانًا لرجلٍ من الأنصار فإذا جمل، فلمّا رأى سيّدنا رسول الله ﷺ حنَّ، وذرفت عيناه، فأتاه سيّدنا رسول الله ﷺ، فمسح ذفراه، فسكت، فقال ﷺ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟»، فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله، فقال ﷺ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ يَشْكُو إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (ذِفْرَاهُ: مؤخرة رأسه، تُدْئِبُهُ: تُتعبه).
ب. في أحد الأيام، ركبت السيّدة عائشة رضي الله عنها بعيرًا، فكانت فيه صعوبة، فجعلت تردّده (أي تجعله يسيرًا، ثم توقفه بشدة)، فقال لها رسول الله ﷺ: «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ ...»
ج. عن عبد الله بن مسعود ﷺ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمرةً معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ، فقال: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا» (حُمرة: عصفورة، تفرّش: تطير، وترفرف فزعًا).
الإثراء والتوسّع
أظهرت الحضارة الإسلامية اهتمامًا كبيرًا بمجال الرفق بالحيوان، ومن ذلك أنها جعلت له أوقافًا خاصة به، أشهرها:
أ. أوقاف دمشق للقطط؛ إذ كان يجتمع في دارها المخصّصة لها مئات القطط التي يُقدّم لها الطعام.
ب. أوقاف حوض الدواب؛ وهو حوض أوقفه السلطان قايتباي بمصر؛ لتشرب منه الدواب، وتستريح في أماكن ظليلة بعيدًا عن أشعة الشمس، وتُعالَج المصابة أو المريضة منها في العيادة الملحقة بالحوض، وقد خُصّصت لها إسطبلات تنام فيها.