يوضح الدرس مفهوم الذكاء وخصائصه، ونظرية الذَّكاء العام و أنواع الذَّكاءات المتعددة.
أولًا: مفهوم الذّكاء
يعدُ موضوعُ الذَكاء من أكثرِ الموضوعاتِ الدّارجةِ في حياتنا اليومية؛
ففي كثيرٍ من الأحيان نسمع أنَ فلانًا ذكيٌّ أو أنَه قام بسلوك ذكي، أو أنَه أذكى من شخص آخر، كما نسمعُ أيضًا في حياتِنا اليوميَة عبارات أخرى يستخدمها النّاس لوصفِ الذَكاء والسّلوك الذكي؛ كقولنا: فلان "يفهمها أو يلتقطها على السريع"، أو "سريع البديهة"، أو "لمّاح" أو ما شابه ذلك من المصطلحات والتراكيب، وعلى الرغم من هذا الانتشار الواسع لاستخدام مصطلح الذَكاء ومرادفاته، إلا أنَه يبقى من الموضوعات التي دار حولها النّقاش والجدل من حيثُ مفهومُ الذَكاء، والقدرةُ على وضعِ تعريفٍ محددٍ يقبلُ به جميعُ العلماءِ والمختصين في هذا المجال، ولعلَ السببَ في ذلك يعودُ إلى عدمِ وجودِ اتفاقٍ عامٍّ حول العناصر التي يتكوّن منها الذَكاء، ومع ذلك هناك بعض التعريفات للذَكاء التي أجمعَ عليها العديد من العلماء والمختصين،
(تعريفات متعددة للذكاء) ومن هذه التعريفات:
1- القدرةُ على الابتكارِ الذي يعتمدُ على الفهم الموجّه نحو هدف ما، والذي يتصف بالحكم الصحيح على الأمور.
2- التصُرُّفُ الهادفُ والتعامُلُ النّاجحُ مع البيئة.
3- القدرةُ على التفكيرِ المجرّد.
4- القدرةُ على التحليل، والتخطيط، وحل المشكلات، والتفكير المجرد، وسرعة التعلُم، واستيعاب الأفكار المعقدة.
ومهما اختلف العلماء في تعريف الذَكاء، إلا أنَهم أجمعوا على مجموعة من الخصائص المشتركة بين هذه التعريفات.
وبناءً على التعريفات الساّبقة للذكاء والخصائص المميزّة له، نلاحظ أنّ الذَكاء يقع في قمّة هرم العمليات المعرفية؛ إذ يتضمّن توظيف عدد من القدرات المعرفية الفرعية، والتي تشكل معًا ما يُسمّى بالذَكاء:
كالاستيعاب، والتحليل، والتفكير بشكل مجرد دون الحاجة إلى أدلة محسوسة، وحل المشكلات، وغيرها من القُدرات الفرعية.
إثراء
يشكل الذكاء ودرجته جزءًا مُهمًا من مفهوم الفرد عن نفسه ودرجة تقديره لذاته.
- ما خصائص الذكاء؟
1- يتضمّن القدرة على التكيُف
2- يرتبط بالقدرة على التعلُم
3- يتضمّن القدرة على توظيف المعرفة السابقة
4- يرتبط بالثقافة
5- سلوك هادف
كما يُلاحظ أنَّ الذَكاء سلوكُ هادفُ نسعى من خلاله لحلِ المشكلات البسيطة والمعقدة بشكل فعّال وبأقصر وقت، وقد يتبادر إلى الذهن تساؤل حول وجود ذكاء واحد، أم أنَ هناك أنواعًا مختلفة من الذكاء؟
أيُهما الأنسب في وصف ذكاء الإنسان: ذكاؤه بشكلٍ عام أم في مجالٍ محدّد؟ حاول علماء النَفس -منذ سنوات- الإجابةَ عن مثل هذه التساؤلات للوصول إلى فهم دقيق لطبيعة الذَكاء الإنساني.
اعتقد بعضُ علماءِ النَفس أنَ الذَكاء قدرة عامَة يمتلكها الأفراد بشكل متفاوت، ويطبقونها على مختلف جوانب الحياة، وفي المقابل اعتقد بعضُ آخر منهم أنَ الأشخاص قد يكونون أذكياء في جوانب محدّدة من الحياة أكثر من غيرها، ومن هنا ظهرت نظريات مختلفةُ لتفسير الذَكاء الإنساني، أشهرها نظريَة الذَكاء العام، ونظرية الذَكاءات المتعددة.
ثانيًا: نظرية الذَّكاء العام
وتشيرُ هذه النظريةُ إلى أنَ الإنسان يمتلك ذكاءً عامًا، يجعلُ الفردَ متميّزًا بكافة المواقف ويشار إليه بالرمز IQ، إذ يمكن اكتشاف هذا الشخص عند التعامل معه أو إعطائه أي مَهمَة، ويعود ذكاء الفرد حسب هذه النظرية إلى سبيين رئيسين هما:
العوامل الموروثة وتُسمّى بالذَكاء السيال :(Liquid intelligence)
والتي تُساعد الفردَ على اكتسابِ المعرفة بسرعة، مثل القدرات اللُغوية، والحساب، والتخيُل، والتذكر، والاستنتاج، وحل المشكلات.
العوامل البيئية وتُسمّى بالذَكاء المتبلور (Crystalized intelligence):
وتُشير إلى المعارفِ والمهارات التي يكتسبُها الفردُ من خلال الخبرة و الممارسة والتدريب والتعليم.
ونتيجةَ التفاعلِ بين هذين المكوّنين ينتجُ الذَكاء، فالأصل في الذَكاء هنا وجود قدرات عقلية موروثة تتعزز بالبيئة، والممارسة، والتدريب، ولا يمكن أن يتطوَرَ الذَكاء دون وجودها.
إلا أنَّ هناك من يعترضُ على نظرية الذَكاء العام، ويشير إلى أنَه لا يوجد إنسان ذكيُ بالمُطلق إنَما تجده ذكيًا بمواقف معينة، كما أنَّ هذه وجهة النظر غير عادلة بالنسبة للبشر وتعلِم السلبية، لأنَّ الفرد حينها سيعتقد أنَّ سبب عدم ذكائه هو الجينات التي ورثها من أهله، وهذا الاعتراض مهّد لظهور نظرية الذَكاءات المتعددة كما سنرى تاليًا.
ثالثًا: نظرية الذَّكاءات المُتعددة
وتشيرُ هذه النظرية إلى أنّه لا يوجد إنسانُ ذكيُ بالمطلق، وإنَما نجد أنَّ الفرد ذكيُ في أشياء معينة، فلا يوجد هنا إنسانُ غير ذكيٍّ، إنَما لكلٍّ منا قدرةُ معيّنة تميّزه عن الأفراد الآخرين؛ فقد يمتلك الإنسانُ قدرةً على الحساب الرياضي، وآخر قدرةً لغوية وآخر قدرةً تخيّليّة وهكذا، وحتىّ تتطوَر هذه القُدرة لا بُدَ للإنسانِ مِنَ التدرُب، والممارسة، والتعلُم، حتّى تصبح هذه القدرة واضحة ومتطوّرة.
هناك العديد من التصنيفات للقدرات والذَكاءات المختلفة لدى البشر وكان أهم من كتب فيها عالم النفس هوارد جاردنر، ونورد قائمة بأهمِ أنواعِ الذَكاءات المختلفة في نسبة تواجدها، وهي مبينة في الشكل الآتي والجدول الذي يليه.
بعض من أنواع الذَّكاءات المتعددة
1- الذَكاء اللفظي: وهو القدرة على التحكم في اللُغة بفعالية للتعبير عن النَفس بطريقة منطوقة أو مكتوبة، أصحاب هذا النوع من الذكاء قدرة حفظ عالية، واستمتاعًا بالكتابة والقراءة ورواية القصص، ولديهم قدرة عالية لفهم اللغة وإفهامها بطريقة واضحة، فالأشخاص الأذكياء لغويًا هم الشعراء والخطباء والصحفيون.
2- الذَكاء الحسابي المنطقي: ويتمثل في قدرات الشخص الحسابية، والمنطقية، التفكير المجرد وحل المشكلات، والأشخاص الأذكياء رياضيًا هم علماء الرياضيات والمهندسون والفيزيائيون.
3- ذكاء المعرفة بالنفس )فهم الذات(: ويُقصد به قدرة الشخص على تشكيل نموذج دقيق وواضح عن نفسه، واستعمال هذا النموذج بفاعلية في الحياة في مستوًى أساسي، ومعرفة المشاعر المتعبة والآلام، وهذه صفات الحكماء والفلاسفة.
4- الذَكاء التخيلي: القدرة على التصور والتحريك الذهني للأشياء، ومعرفة الاتجاهات، وتقدير المسافات والأحجام، ويتميز بهذه القدرة المهندسون ومصممو الأزياء والديكور والرسامون، ويسمى في بعض المراجع بالذكاء المكاني أو البصري.
5- الذَكاء الاجتماعي: قوة الملاحظة ومعرفة الفروق بين الناس وخاصة طبائعهم وذكائهم وأمزجتهم ومعرفة نواياهم ورغباتهم، وهذه صفات العاملين في السياسة ومندوبي التسويق والمبيعات المتميزين.
6- الذَكاء الموسيقي: القدرة على تمييز الأصوات والألحان الموسيقية وامتلاك الشخص لما يُسمّى بالأذن الموسيقية، وبالطبع هذا الذَكاء ما يميّز الموسيقيين والمطربين.
7- الذَكاء البيئي: قدرة الشخص على فهم تصنيفات البيئة الطبيعية، مثل تصنيفات الصخور والنباتات والحيوانات، ومعرفة مؤشرات الطقس والأحوال الجوية.
8- الذَكاء الحركي: قدرة الشخص على التحكم بعضلات الجسم الكبيرة والصغيرة بتناغم وتكامل عالٍ خصوصًا القدرة على التحكم بعضلات اليدين والأصابع؛ لإنتاج أعمال حرفية أو فنية عالية الجودة، ونجد أنَ هذا الذَكاء يتوافر بشكل عالٍ عند الحرفيين المهرة والرسامين والنحاتين.
أشارت الدِراساتُ التي أُجريت على هذه الذَكاءات إلى أنَّ هذه القُدرات مترابطة، ويمكنُ للشخص أن يمتلك أكثر من قدرةٍ أو ذكاء، ممّا يجعله أكثر تميّزًا، مثلًا
الرسام الماهر سيمتلك الذَكاء التخيّلي والذَكاء الحركي،
أمّا المهندس البارع فسيمتلك الذَكاء المنطقي الحسابي والذَكاء التخيلي وهكذا.
إثراء
من أنواع الذكاء ما يعرف بالذكاء العاطفي Emotional Intelligence أو ما يعرف (EQ) وهو القدرة على فهم احتياجات الآخرين وتفهم مشاعرهم. ويساعد هذا النوع من الذكاء على سرعة التكيف في الحياة الاجتماعية. لدى هذا النوع من الذكاء صلة وثيقة بنوعين من الذكاءات المتعددة سابقة الذكر وهما الذكاء الاجتماعي وذكاء معرفة النفس.