الفلسفة12 فصل أول

الثاني عشر خطة جديدة

icon

 

مصادر المعرفة )المذهبان: النقدي والحَدْسي(

يستكمل الدرس مصادر المعرفة عن طريق المقارنة بينها ويضيف المذهبان النقدي والحدسي ويوضح الفرق في مصادر المعرفة لديهما:

 

المذهب النقدي: (التأسيس والتعريف)

أسسّ هذا المذهب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط  1724-1804م ويمثّل موقفه الذي اتخذه إزاء المذهبين العقلي والتجريبي، إذ عدهما فلسفتين غير نقديتين بعد أن تساءل عن حدود المعرفة الإنسانية وإمكانها وقيمتها.

لقد نشأ المذهب النقدي عند كانط انطلاقًا مما يأتي:

  • اليقين بقيمة الرياضيات والطبيعيات.
  • النقض لقضايا الميتافيزيقا التقليدية التي تنحصر في مشكلات الأنطولوجيا والنفس واللّه.
  • اليقين بقيمة القانون الخُلقيِّ النابع من الضمير لإثبات وجود الله وخلود النفس.

(تعريف المذهب النقدي)

 المذهب النقدي مزيجًا من اليقين والإنكار وينقض قضايا الميتافيزيقا التقليدية في إطار نظرية المعرفة.

لقد حاول كانط في مذهبه النقدي تجاوز إشكالات المذهبين العقلي والتجريبي، إذ أخضعهما للتحليل والنقد بهدف بيان مواطن الصواب والخطأ فيهما.

المعرفة عند كانط

تبدأ المعرفة عند كانط بالتجربة، ويتم تنظيمها بمبادئ عقلية خالصة، وعليه فإنّ الأحكام على الأشياء لها جانبان:

1- الجانب المادي الذي يتمثّل في المعطيات الحسيّة المُستمدّة من التجربة عن طريق الحواس،

2- الجانب العقلي فيتمثّل في المبادئ العقلية التي لا يمكن بدونها أن تدرك المعطيات الحسية وتنتظم في صورة معرفة.

ومن الواضح إنّ موقف كانط يتجاوز الموقفين العقلي والتجريبي،

فمعرفتنا بعالم الظواهر )العالم المادي) عن طريق الحواس لا تعني أن معرفتنا حسيّة، والقول إنّ معرفتنا تحصل استنادًا إلى المبادئ العقلية الخالصة لا يعني أنها عقلية خالصة، كما يقول العقليون، فوفقًا لكانط يقدم العقل المقولات والمبادئ التي تصاغ بها مادة الحواس وتنظم.

لقد ميز كانط بين العالم الذي نعرفه عن طريق الحواس وهو عالم الظواهر( Phenomenal World )، وعالم آخر هو عالم الشيء في ذاته  ( Noumenal World )، وهو العالم الذي يوجد وراء الظواهر ولا نستطيع أن ندركه.

وضح ملكات المعرفة عن كانط؟

وميّز كانط بين ثلاث ملكات هي:

 الحساسية والفهم والعقل، لكل منها وظيفته ودوره في مشروعه المعرفي:

- الحساسية: هي الملكة الذهنية التي تستقبل الانطباعات الحسّية المتفرقة التي تصلنا عن طريق الحواس كالشكل واللون والطعم والحرارة..، والتي تشكّل "مادة الحدس"، وتعمل على انتظامها في صورتي الزمان والمكان وتحويلها إلى "حدوس حسّية"؛ ويقول كانط إننا بدون الحساسية، لن نستطيع معرفة أي موضوع؛ فعندما أقول "هذه التفاحة حمراء"، فإن هذا الحكم الإدراكي البسيط قد نتج عن استقبال حدس عن لونها.

- الفهم: هو الملكة العقلية التي تستطيع التصرّف بـ "مادة الحدس" من خلال امتلاكها لمفاهيم ومقولات تمكّننا من فهم الموضوعات، وإدراكها وبناء صورة العالم كما يتمثله شعورنا.

يقول كانط: "بدون الحساسيّة لن يمنح لنا أي موضوع، وبدون الفهم لن يتم التفكير في أي موضوع".

حين أقول "هذه التفاحة حمراء"، يكون في هذه المعرفة جانب حسيّ وجانب عقلي؛ فالجانب الحسيّ أن لدي انطباعات حسيّة حول لون التفاحة وشكلها، وهذه الإحساسات المتفرقة ستبقى على حالها لو لم يوجد في العقل مبدأ سابق هو مقولة الجوهر التي تعمل على تماسك صفات التفاحة في عقلي.

وحين أقول "النار أحرقت أثاث المكتب" سيكون في هذه المعرفة جانبان: الخبرة الحسية التي اكتسبتها بواسطة الحواس؛ فقد رأيت النار تحرق الكراسي في المكتب، ولم أكتفِ بخبرتي الحسّية، بل ربطت بينهما وفق مبدأ عقلي هو مبدأ العلية أو السببية، فالنار هي السبب في احتراق أثاث المكتب.

إنّ ذهن الإنسان محدود بمعطيات الحس عن عوالم الظواهر، ولديه القدرة على إقامة معرفة موضوعية عنه، لكنه لا يستطيع تكوين معرفة عن عالم ما وراء الظواهر؛ أي العالم الذي لا يُدرك بالحواس.

 

تعريفات: الحدس الحسي والحساسية؟

الحدس الحسي: هو سرعة انتقال الذهن من المبادئ الحسية إلى المعاني التي نقصدها.

الحساسية: هي قوة الإحساس التي تمكّن الإنسان من فهم الأشياء، وعند كانط نوعان من الحساسية:

1. تجريبية وهي التي تقبل مادة الإحساس من الخارج.

2. حساسية متعالية مرتبطة بالعقل، وتشمل الزمان والمكان، كونهما صورتين موجودتين في العقل بالفطرة.

 

المذهب الحدسي

إذا كانت أبسط وسيلة لاكتساب المعرفة هي الإدراك الحسيّ، فإنه يمكننا أن نكتسب معارف أخرى عن طريق الحدس( Intuition ) أو البرهان العقلي، فبواسطة البرهان العقلي يمكن أن نصل إلى معرفة استنباطية في الرياضيات والمنطق والميتافيزيقا، وتحتاج العلوم التجريبية إلى قدر من الاستنباط.

عرف الحدس ؟

ويعد الحدس أداة للمعرفة؛ فهو الإدراك العقلي المباشر لموضوع في الذهن لا يحتاج إلى استدلال بما فيه من مقدّمات، وهو أداة للمعرفة اليقينية بصورة مباشرة، ففي الرياضيات والمنطق يرى بعض الفلاسفة أننا نصل إلى التصوّرات الأساسية عن طريق الحدس المباشر، بينما يرى آخرون أننا نكتسب عن طريق الحدس معرفتنا للقيم الخلقية والجمالية.

الحدس واليقين

أما المذهب الحدسي فقد ابتعد عن فكرة إنّ الحدس أداة المعرفة، إلى حد القول بإنّ الحدس هو الأداة الوحيدة للمعرفة اليقينية، وبهذا فإنّ الحدسيين يعترفون بالحس والعقل كأداتين للمعرفة لكنهم يعطونهما منزلة ثانوية،

عرف المذهب الحدسي؟

المذهب الحدسي في الحقيقة نظرية فلسفية تتبنى القول إنّ الحقائق الأساسية بغض النظر أكانت في مجال الرياضيات، أم الميتافيزيقا، أم الأخلاق حقائق مدركة عن طريق الحدس.

وفي الوقت الذي يعتقد فيه الحدسيون بوجود حقائق ضرورية في الأخلاق والدين، فإنهم يؤكدون إنّ هذه الحقائق ليست ثمرة للتجربة بأي معنى، فهي لا توجِد التجارب لكنها تستثيرها فينا.

طبيعة المعرفة الحدسية

بين طبيعة المعرفة الحدسيّة؟

يمكننا أن نميّز بين نوعين:

1- معرفة مباشرة فورية، أي غير استدلالية.

2- معرفة مباشرة بموضوع غير حسي،

ويقول الحدسيون بوجود أربعة أنواع من هذه الموضوعات: (ماهي؟)

1- الكلّيات، واستعمال المفاهيم الكلّية وتطبيقها على نحو صحيح دون المعرفة بقواعد استعمالها،

2- الموضوعات الحسية،

3- الموضوعات المفارقة عن الحسّ غير القابلة للوصف كالديمومة،

4- الإدراك الإنساني لنفسه وللذات الإلهية في بعض التفسيرات الدينية والاتجاهات الفلسفية.

المعرفة الحدسّية والاستنباط

- فسّر عدم تعارض المعرفة الحدْسيّة مع الاستنباط؟

وكما لا تتعارض المعرفة الحدسية، من كل وجه مع الاستنباط، فإنها تمثّل تلك المعرفة الضرورية لقيام الاستنباط، من حيث تزويده بالمقدّمات الواضحة بذاتها واليقينية، والتي يبدأ الاستنباط منها، ويعد الاستنباط الحركة المتصلة والمستمرة للفكر، وإذا كنا ندرك المبادئ الأولى للعلم والفلسفة عن طريق الحدس، فإننّا نقيم القضايا الأولى الناتجة عنها بالاستنباط.

الوحي أو المعرفة الدينية

إن المعرفة الدينية هي معرفة لا تخضع للطرائق الفلسفية ولا للبحث الفلسفي؛ لإنّ الوحي طريق خاص للمعرفة، ومرتبط بالله سبحانه وتعالى وإرادته، لتحقيق هذه المعرفة، وطبيعتها، وطريقتها، وخصوصيتها وهدفها للبشر، وتقوم في الأساس على التلقي والقبول القائم على الإيمان بهذه المعرفة، وما تتضمّنه من رسالة إلهية للبشر ليسيروا عليها، وبالتالي فإن أي معرفة دينية لها خصوصيتها.

تعريف الوحي:

عرف الوحي؟

إنّ الوحي في اللغة هو الإلهام والإعلام الخفي السريع،

وفي الشرع هو إعلام الله تعالى أنبياءه بكل ما أراد إطلاعهم عليه من أنواع الهداية والعلم بطريقة سريّة خفيّة غير معتادة للبشر، فالوحي يُعَدّ أساس النبوة كما قال تعالى:

 فنجد إنّ الوحي هو الوساطة بين السماء والأرض.

وفي مجال تقرير الحقيقة، يقف الوحي إلى جانب العقل مصدرًا من مصادر المعرفة، فالإنسان لا يستطيع الوصول إلى كل الحقائق الدينية عن طريق العقل وحده؛ فالوحي جزء من المعرفة عند الإنسان، كما أن هناك حقائق يختص بها الوحي وحده ولا يرقى العقل إلى معرفته كالجنة والنار وعالم الملائكة؛ فالوحي مصدر للمعرفة لا يعتمد على التجربة والبرهان، وإنما على الإيمان الصادق باللّه. لقد خلق اللّه الإنسان وكرمه بالعقل، قال تعالى:

فنجد أن العقل قد غدا أداة معرفيّة للفهم، والعمل، والإدراك، والتدبر، فنرى أهل العقل يتفكّرون في عظمة اللّه وفي خلق الكون، وكذلك يكون التدبّر في القرآن الكريم ومعانيه كما جاء في آياته إذ يقول تعالى:

 

مكانة المعرفة الدينية:

لهذا كان للمعرفة الدينية مكانة خاصة بين البشر، وتقوم في الأساس على القبول الكامل بها؛ لأنها معرفة تتضمن شرائع وطرائق ومناهج وعبادات، وتشكّل المعرفة الدينية في النهاية جزءًا أساسيًّا من المنظومة الدينية التي يتقبلها المؤمنون بتسليم وإيمان، ولها موقعها المميّز بين المعارف، ولكنها لا توضع بين المعارف الفلسفية بمناهجها وطبيعتها وأهدافها.

 

إضاءة

أشاد الغزالي بالمنطق، وعده أداة أساسية للمعرفة الصحيحة خاصة في العلوم الدينية، معتبرًا أن من لا يحيط به لا يمكن الوثوق بعلومه.

Jo Academy Logo