التعلم القبلي
أعلل: تمتاز الشريعة الإسلامية بمجموعة من الخصائص التي تجعلها صالحة في كلِّ زمان ومكان.
ذلك أنَّهَّا:
- رباّنية المصدر: فهي من عند الله تعالى؛ سواء في التصوُّرات الاعتقادية، أو الشرائع التعبُّدية، أو القِيَم الأخلاقية، أو في تنظيمها معاملات الناس، إلى جانب العناية بالإنسان وتكريمه.
- شاملة : بحيث تستوعب جميع جوانب الحياة ومجالاتها.
- مرنة: إذ يُمكِنها الاستجابة لحاجات الناس المُتجدِّدة، والتعامل مع مختلف الأحوال والظروف. - عالمية؛ فهي مُوجَّهة إلى جميع الناس على اختلاف أعراقهم وألوانهم ولغاتهم.
أولًا: مفهوم الوسطية في الشريعة الإسلامية
تعُرَّف الوسطية بأنَّها: المنهج الحقُّ المُعتدِل الذي شرعه الله تعالى للناس في مناحي الحياة كلها، بما يتناسب وخَلْق الإنسان، وقدراته، وتحقيق غاية خَلْقه ووجوده.
من الألفاظ المُناقِضة للوسطية:
الإفراط: التشدُّد في أداء الأعمال والواجبات بما يتجاوز الحدَّ الذي أقرَّه الشرع، وهو من الغُلُوِّ.
التفريط: التهاون، وعدم أداء الواجبات على الوجه الذي قرَّره الشرع.
وقد تجلَّت الوسطية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته بصورة واضحة، فكان هدي سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التوسُّط والاعتدال في جميع أمور حياته.
ثانيًا: مجالات الوسطية في الشريعة الإسلامية
أ . الوسطية في الاعتقاد:
من مظاهر الوسطية في العقيدة:
1) توحيد الله تعالى:
- دعت الشريعة الإسلامية إلى الإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى.
- لم تجحد الشريعة الإسلامية وجود الله سبحانه وتعالى.
2) النظرة إلى الأنبياء والمرسلين:
- أكَّدت العقيدة الإسلامية أنَّ الرُّسُل الكرام جميعًا هم موضع تقدير واحترام.
- استنكر القرآن الكريم قول مَنْ أنزلوا الأنبياء والرُّسُل منزلة فيها تأليه وشِرك بالله تعالى.
3) النظرة إلى الحياة الدنيا والآخرة:
- دعا الإسلام إلى التوازن والاعتدال في العمل للحياة الدنيا والاستمتاع بطيِّباتها ضمن حدود الشرع، وحَثَّ - في الوقت نفسه- على الاستعداد للآخرة.
- وازن الإسلام بين مُتطلَّبات الروح والجسد.
4) الأخذ بالأسباب، والتوكُّل على الله تعالى: جمعت الشريعة الإسلامية بين الأخذ بالأسباب النافعة والتوكُّل الصادق على الله تعالى.
ب . الوسطية في التشريع:
جاءت التشريعات في الإسلام مراعيةً لطاقة الإنسان وقدرته؛ إذ لا يوجد فيها مَشقَّة أو حرج على المكُلَّف.
من مظاهر الوسطية في التشريع:
1. الوسطية في العبادات:
- راعت الشريعة الإسلامية في العبادات المفروضة على الناس، تغيُّر أحوالهم وظروفهم، واختلاف قدراتهم وطاقاتهم.
- لم يُكلِّف الله تعالى الإنسان من العبادات فوق طاقته.
- ذَمَّ سبحانه الإفراط والتفريط في العبادات.
أمثلة:
- في الصلاة: نهى سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإطالة في صلاة الجماعة بما يَشقُّ على الناس.
- في الصيام «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ » (الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ: تعمُّد ترك الأكل يومين فصاعدًا).
2. الوسطية في المعاملات المالية:
- لم تفتح الشريعة الإسلامية باب حرية كسب المال على مصراعيه، وبخاصَّة إنْ كان ذلك بوسائل تقوم على الاستغلال والإضرار بالمجتمع، مثل الرِّبا والاحتكار، وتؤدّي إلى ظلم اجتماعي، وفساد وإفساد كبيرينِ.
- التشريع الإسلامي لم يسلب الأفراد حقَّ المُلْكية الفردية والكسب الشخصي.
- نظام الاقتصاد الإسلامي أساسه الحقُّ، والعدل، والتكافل، والتضامن.
من الأمثلة على الوسطية في مجال المعاملات المالية:
● التوازن بين الإسراف والتقتير.
3. الوسطية في الأحوال الشخصية:
● الزواج: تمثَّلت وسطية الإسلام بالترغيب في الزواج والنهي عن التبتل (يقُصَد بالتبتل الانقطاع عن الزواج). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيْسَ مِنِّي» (متفق عليه). فالإسلام لم يحرِّم الزواج ، ولم يطلق الزواج بما شاء من النساء.
● الطلاق: تجلَّت الوسطية في إباحة الطلاق؛ تيسيرًا على الناس عند استحالة الحياة الزوجية. قال تعالى:﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فهي لم تُحَرِّم الطلاق مُطلَقًا كما هو الحال عند بعض الطوائف، وفي الوقت نفسه لم تُبِحه إباحة مُطلَقة دون قيود كما كان حال أهل الجاهلية.
ج. الوسطية في الأخلاق:
الوسطية في الأخلاق تتمثَّل في شخصية المسلم وسلوكه، وتقوم على دعوته إلى الاعتدال في أموره كلها، بحيث يكون شجاعًا، لا مُتهوِّرًا وجبانًا، ويكون حَيِيًّا، لكنَّ حياءه لا يمنعه من قول الحقِّ، ويكون حليمً، لكنَّ حِلْمه لا يجعله ضعيفًا.
ثالثًا: آثار وسطية الشريعة الإسلامية
أ . قدرة المُكلَّف على الالتزام بالتكاليف الشرعية؛ لأنَّها تراعي وُسْعه وطاقته، ولا تَشقُّ عليه.
ب. انتشار الإسلام، وإقبال الناس عليه: للأسباب الآتية:
1. سهولة تكاليفه، ويُسْرها على الناس. 2. عدم تكليفهم بما لا يستطيعون.
3. لمنهج الإسلام القائم على الرفق واللين والإقناع بالأدلَّة العقلية والعلمية.
الْإِثْراءُ وَالتَّوَسُّعُ
من السلوكات التي تُناقِض الوسطية، وتنتشر في بعض الأحيان، التطرُّف الفكري: وهو سلوك يتسم بالغُلُوِّ، ومجاوزة حدِّ الاعتدال والتوسُّط.
من أسباب نشأة التطرف الفكري في عصرنا الحاضر:
1) الجهل بالعلم الشرعي.
2)الصحبة السيِّئة.
3)المشكلات الاقتصادية المُتفاقِمة.
4)انتشار الفقر.
5)ندرة فرص العمل للشباب.
6)التضييق في حرية الرأي والتعبير.
7) هيمنة بعض الدول القويَّة على الدول الضعيفة، ومحاولة الاستيلاء على خيراتها.
يُمكِن التصدّي لظاهرة التطرُّف الفكري بتقديم حلول وقائية وعلاجية، تحفظ الشباب والمجتمع كله، مثل:
1. الإسهام في التوعية الفكرية.
2. التنشئة الاجتماعية السليمة.
3. توفير فرص العمل للشباب.