الدرس الأوّل: الاستعمار؛ مفهومه ودوافعه وأشكاله

عرف التاريخ البشري منذ أقدم العصور أشكالا متنوّّعة من الاستعمار؛ إذ سعت الدول والمجتمعات القوية لفرض هيمنتها على الدول والمجتمعات الأقلّّ قوّّة منها واستعبادها، طمعًًا في التوسّّع وفرض السيادة، وتحقيق مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية متنوّّعة. وقد عرف التاريخ القديم والحديث نماذج لإمبراطوريات آمنت بالتوسّّع والسيطرة وبسط النفوذ،
كالإمبراطوريات اليونانية والفارسية والرومانية. وشهد التاريخ الحديث ظهور إمبراطوريات استعمارية متنافسة كالإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية والبريطانية والروسية والفرنسية. وقد عرفت بلادنا العربية صنوفًًا من الاستعمار الأوروبي في التاريخ الحديث والمعاصر، وكان لها تجربتها في مقاومته والتحرّّر منه.
أولاً: مفهوم الاستعمار
♦ لغة : يعود جذر كلمة استعمار في اللغة العربية إلى استعمر وعمّّر، ويعني تعمير الإنسان للأرض وإعمارها، والسعي إلى تحقيق العمران البشري. أمّّا ♦ المصطلح فالاستعمار يعني الاحتلال أو هيمنة دولة قوية على بلاد أو دولة ضعيفة، بهدف استغلال مواردها والسيطرة على مقدّّراتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لخدمة مصالح الدولة المستعمِِرة.
ثانياً : دوافع الاستعمار الأوروبي الحديث
1 الدافع السياسي
يتمثّّل في الصراع على
- امتلاك أدوات السيطرة والنفوذ وفرض الهيمنة والتوسّّع السياسي
- توسيع نطاق حدود الدولة الاستعمارية عبر العالم، وتحويلها إلى إمبراطورية مترامية الأطراف.
- أسهم ظهور التنافس القومي الأوروبي والدولة القومية في أوروبا في تفاقم حدّّة التنافس الاستعماري الأوروبي، وزاد في تباهي الدول الأوروبية بقدراتها على التوسّّع الاستعماري.
- بحث أباطرة أوروبا وملوكها وقادتها عن المجد والنفوذ والتوسّّع والثراء. وهكذا اشتعل التنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية؛ ما دفعها إلى البحث عن تفاهمات حول تقاسم النفوذ والمستعمرات.
وقد عقدت عدّّة مؤتمرات أوروبية كان من أهدافها تحقيق التفاهم الاستعماري المطلوب، مثل :
- مؤتمر فيّّنا في عام 1815 م،
- مؤتمر برلين في عام 1884 م،
(وقد اتّّفق فيه على تقاسم القارّّة الإفريقية بين الدول الاستعمارية الأوروبية). لكنّّ هذه المؤتمرات لم تنجح في كبح جماح الصراع بين الدول الاستعمارية على نهب مقدّّرات الشعوب وسلبها حرّّيتها في إفريقيا وآسيا والأمريكيّّتين. وكان الوطن العربي في قلب هذا التنافس المحموم بين القوى الاستعمارية، وذاق ويلات الاستعمار على مدى قرنين من الزمن. نظرًًا إلى موقعه الجيوسياسي المهمّّ بين القارّّات القديمة الثلاث (آسيا، وإفريقيا، وأوروبا)، وإطلالته على المحيطات والبحار والمضائق والممرّّات المائية المهمّّة للملاحة الدولية، وامتلاكه ثروات طبيعية هائلة كالنفط والمعادن المتنوّّعة. وقد انتهجت الدول الاستعمارية أساليب متعدّّدة لتحقيق أهدافها السياسية الاستعمارية، من أبرزها:
- دعم حركة الكشوف الجغرافية الهادفة إلى استكشاف الطرق والمنافذ البحرية والاستحواذ عليها، والبحث عن مستعمرات جديدة، وقد أسهمت الكشوف الجغرافية في التمهيد للاستعمار وتبريره.
وفيما يأتي، جدول يوضّّح أبرز إنجازات حركة الكشوف الجغرافية:
| الرحالة | المنطقة المستكشفة | العام |
| كريستوفر كولومبوس | العالم الجديد (القارة الأمريكية) وتحديدًًا سواحل ألبهاما (كولومبيا) | 1492م |
| فاسكو دي غاما | رأس الرجاء الصالح | 1498م |
| ماجلان | سواحل أمريكا الجنوبية | 1519م |
- الاحتلال العسكري المباشر للبلاد المستهدفة، كما حصل في العديد من الدول العربية، كالجزائر
عندما احتلتها فرنسا عام 1830 م، والاحتلال البريطاني لعدن عام 1839 م، والاحتلال الفرنسي لتونس عام 1881 م، والاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 م، والاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911 م، الاحتلالين الفرنسي والإسباني للمغرب الأقصى (مراكش) عام 1912 م.
- التزاحم الاستعماري للسيطرة على طرق المواصلات البحرية والبرية، والتحكّّم في الموارد المائية الحيوية كمنابع الأنهار ومعابرها. ومن ► أبرز الأمثلة على هذا الشكل من أشكال التنافس السياسي
الاستعماري في الوطن العربي، الصراع والتوافق بين بريطانيا وفرنسا للسيطرة على قناة السويس المصرية.
- الدافع الاقتصادي
وقفت الدوافع الاقتصادية بقوّّة خلف حركة الاستعمار الأوروبي الحديث، وأسهمت الثورة الصناعية في أوروبا في تحفيز الاستعمار، للأسباب الآتية:
- السيطرة على المواد الخام؛ كالقطن والنفط، والأراضي الزراعية الخصبة، ومناجم المعادن الثمينة.
- البحث عن الأيدي العاملة الرخيصة أو المستغلّة بالسخرة.
- البحث عن الأسواق المستهلِكة للمنتَجات الصناعية للدول الاستعمارية.
- السيطرة على طرق التجارة والمعابر والمنافذ التجارية البرية والبحرية في العالم؛ لخدمة مصالحها التجارية.
- استخدام المستعمَرات مجالًًا خصبًا لاستثمار رؤوس الأموال في الخارج عن طريق الشركات التجارية الاستعمارية. وقد عرفت الحركة الاستعمارية عددًا من الشركات الاستعمارية، مثل شركة الهند الشرقية البريطانية، وشركة الهند الشرقية الهولندية، وشركة الهند الشرقية الفرنسية. وهذا يوضّح أدوات التنافس الاستعماري في المجال الاقتصادي المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأهداف السياسية للدول الاستعمارية.
- الدافع الديني والثقافي
أسهمت الدوافع الدينية والثقافية في توليد حركة الاستعمار وتعزيزها ورفدها بالمسوّّغات الفكرية والعقائدية. وتولّّت الكنائس المسيحية ورجال الدين دعم عمليات الاستعمار، وأسهمت في التمهيد له عبر التبشير وإرسال البعثات التعليمية والصحّّية والاجتماعية التي تفتح الأبواب للنفوذ السياسي والاقتصادي عن طريق الأدوات الناعمة. ووقفت الرغبة في نشر الدين وكسب الأتباع والمؤيدين لهذه الكنيسة أو تلك في أصقاع العالم وراء تنشيط الحركة الاستعمارية. وظهر مفكّرون يدافعون عن الاستعمار ويدّّعون له أهدافًًا حضارية وثقافية نبيلة، ويتحدّّثون عن رسالة الرجل الأوروبي الأبيض تُجاه العالم وشعوبه.
وعملت الدول الاستعمارية على فرض لغاتها على شعوب المستعمرات، وطمس اللغات المحلّّية ومحاربتها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أنّّ معظم البلدان التي خضعت للاستعمار الفرنسي مثل تشاد ومالي وغينيا أصبحت لغتها الرسمية الفرنسية، في حين حاولت فرنسة الجزائر وتونس ونجحت في
ترك بصمتها الثقافية واللغوية فيهما. كذلك فرضت إسبانيا لغتها على شعوب مستعمراتها كما في أمريكا اللاتينية، وتوجد أمثلة متعدّّدة أخرى.
أتحقّّق من تعلّّمي
► أُُفسّّر: تنافس الدول الاستعمارية على بسط استعمارها في العالم:
نافست الدول الاستعمارية على السيطرة على مناطق مدفوعة بدوافع اقتصادية (مثل الحاجة للمواد الخام والأسواق ) وسياسية (مثل النفوذ والصراع على التفوق الدولي )،واجتماعية (مثل تصدير فائض السكان ) . بلغ هذا التنافس ذروته في فترة ما يعرف بـ "التدافع على أفريقيا" في أواخر القرن التاسع عشر، والذي تم فيه تقنين قواعد الاستعمار في مؤتمر برلين عام 1884-1885، كما كان جزءًا من الأسباب الرئيسية لاندلاع الحرب العالمية الأولى في 1914.
أسباب التنافس الاستعماري:
-
الدوافع الاقتصادية:
- المواد الخام: اندفعت الدول الأوروبية للبحث عن مواد خام وفيرة لتدعيم صناعاتها الثورية، مثل القطن من مصر والماس والذهب من جنوب أفريقيا.
- الأسواق: سعت الدول لتأمين أسواق جديدة لمنتجاتها الصناعية.
-
الدوافع السياسية والعسكرية:
- التفوق العالمي: رغبت الدول في توسيع نفوذها السياسي والعسكري لتصبح قوى عالمية، وهذا ما حصل بين بريطانيا وفرنسا.
- الصراع الدولي: أدت المنافسة بين الدول، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى اشتباكات وحوادث خطيرة مثل حادثة فاشودا، مما أدى إلى تحالفات جديدة.
-
الدوافع الاجتماعية:
- فائض السكان: اعتقدت بعض الدول أن الحل لتزايد عدد سكانها هو الاستعمار وتصدير هؤلاء السكان إلى مستعمرات خارجية.
- الدافع الديني والثقافي : أسهمت الدوافع الدينية والثقافية في توليد حركة الاستعمار وتعزيزها ورفدها بالمسوّّغات الفكرية والعقائدية
أمثلة على فترات التنافس:
-
عصر الاستكشافات:
بدأت فرنسا وبريطانيا، بعد نجاح الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية، في تأسيس مستعمرات في الأمريكتين والكاريبي والهند.
-
«التدافع على أفريقيا» (أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20):
شهدت هذه الفترة سيطرة القوى الأوروبية على معظم أفريقيا، ونُظمت القواعد التي تحكم هذه السيطرة في مؤتمر برلين عام 1884.
-
مؤتمر برلين: اتفقت القوى الاستعمارية على قواعد الاحتلال الفعلي لتجنب النزاعات، كما تم تنظيم شؤون تجارة القارة.
نتائج التنافس الاستعماري:
-
الحرب العالمية الأولى:
ساهم التنافس الإمبريالي بين الدول الأوروبية في اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، مما أدى إلى سقوط العديد من الإمبراطوريات.
-
تقسيم أراضي المستعمرات: بعد الحرب العالمية الأولى، تم تقسيم مستعمرات القوى المهزومة (مثل ألمانيا) تحت سيطرة المنتصرين (مثل بريطانيا وفرنسا).
⇔ أُُناقش: ما يأتي:
- الأهمّّية الإستراتيجية للبلاد العربية في مخطّّطات الدول الاستعمارية:
تجلت الأهمية الاستراتيجية للبلاد العربية في مخططات الدول الاستعمارية عبر السيطرة على ثرواتها الاقتصادية، خاصة النفط، وقطع الروابط الحضارية بين الشعوب المستعمرة وثرائها الثقافي والديني، والتحكم في مواقعها الجغرافية الحيوية، خاصة المضائق والممرات المائية، بهدف توسيع النفوذ السياسي والعسكري وتحقيق مصالحهم الاقتصادية .
الأهداف الاستراتيجية للدول الاستعمارية
-
الأهمية الاقتصادية: اهتمت الدول الاستعمارية بالدول العربية كمصدر للثروات الطبيعية، خاصة النفط، وكمكان لنهب خيرات البلاد وتوجيهها نحو الأسواق الغربية.
-
السيطرة الجيوسياسية: كان موقع الدول العربية، خاصة عند المضائق الحيوية مثل مضيق هرمز، ذات أهمية استراتيجية كبيرة للتحكم في طرق التجارة العالمية وتأمين مصالح الدول العظمى .
-
الأهمية الثقافية والحضارية: سعى الاستعمار إلى طمس الثقافة العربية واللغة العربية، باعتبارهما رابطاً قوياً للوعي والهوية الثقافية، وذلك لفرض الثقافة الغربية وتكوين جيل جديد بعيد عن تراثه الحضاري.
► الآثار المترتبة في البلاد التي تقع تحت نير الاستعمار:
تترتب على الاستعمار آثار مدمرة ومتنوعة، تشمل استنزاف الموارد الاقتصادية، وتدمير الهياكل الاجتماعية والسياسية، وفرض ثقافات وقيم دخيلة، وتغييرات بيئية واجتماعية، وفقدان السيادة الوطنية، مما يخلق تخلخلات عميقة ودائمة في المجتمعات المستعمرة .
آثار اقتصادية واجتماعية:
-
استنزاف الموارد: يقوم الاستعمار على استغلال خيرات البلاد المستعمرة وثرواتها لصالح الدولة المستعمرة، مما يؤدي إلى نهب الموارد وتعطيل النمو الاقتصادي المحلي .
-
الفقر والتخلف الاقتصادي: يؤدي استنزاف الموارد والاعتماد على الاقتصاد الاستعماري إلى تخلف النمو الاقتصادي وتعميق الفقر في البلاد المستعمرة.
-
العنصرية والتمييز: غالبًا ما يصاحب الاستعمار تعزيز العنصرية والتمييز المنهجي وتصنيف السكان عرقياً، مما يؤدي إلى عدم المساواة في الحصول على الخدمات والرعاية .
-
ضعف الهياكل الاجتماعية: يؤدي الاستعمار إلى إضعاف الهياكل الأساسية الاجتماعية، مثل التعليم والرعاية الصحية، بسبب تهميش السكان الأصليين واستغلالهم.
آثار سياسية وثقافية:
-
فقدان السيادة والهوية الوطنية: يُخضع الاستعمار شعوب البلدان لحكم أجنبي، ويحطم كرامة الشعوب وتراثها الثقافي، ويُجبر السكان على تبني ثقافة المُستعمِر .
-
رسم حدود مصطنعة : غالباً ما يرسم المستعمرون حدوداً سياسية جديدة لا تتفق مع التاريخ المحلي أو الاعتبارات الجغرافية والقبلية، مما يخلق مشاكل هوية وتفكك اجتماعي مستمر.
-
فرض أنظمة حكم: قد تُفرض أنظمة حكم جديدة قوامها زعماء خاضعون للمصالح الاستعمارية، مما يضعف القدرة على بناء أنظمة وطنية مستقلة.
آثار بيئية:
-
التدهور البيئي: قد يؤدي الاستعمار إلى تدهور البيئة من خلال إدخال نباتات وحيوانات جديدة، واختلال ممارسات إدارة البيئة المحلية، مما يلحق الضرر بالتنوع البيولوجي والتربة .
-
انتشار الأمراض: قد يؤدي الاتصال بين الشعوب المستعمرة والمستعمِرين إلى انتشار أمراض جديدة لم يكن للسكان الأصليين مناعة ضدها، مما يتسبب في المرض والوفاة على نطاق واسع.
آثار مادية وثقافية دائمة:
- آثار مادية مادية: تبقى آثار مادية للاستعمار في المدن والمناطق المستعمرة، مثلا لا يزال العديد من المتاحف حول العالم تضم قطعًا أثرية تم أخذها من أصحابها الأصليين خلال فترة الاستعمار، مما يمثل رمزًا للظلم والتعدي على تراث الشعوب.
► أُُحلّّل الدوافع الاقتصادية للاستعمار:
تتضمن الدوافع الاقتصادية للاستعمار البحث عن المواد الخام لتغذية الصناعة الأوروبية ،وتأمين أسواق جديدة لتصريف المنتجات المصنعة والحاجة إلى تصريف رؤوس الأموال الفائضة عبر الاستثمار في الخارج ،فضلا عن البحث عن فرص للإستثمار المربح في الأراضي المستعمرة . وقد أدى تراكم رأس المال من خلال الثورة الصناعية إلى حاجة ملحة لمصادر جديدة للمواد الخام وأسواق استهلاكية، مما دفع الدول الأوروبية إلى التوسع في الخارج للحصول عليها .
الدوافع الاقتصادية الرئيسية:
-
الحصول على المواد الخام:
نشأت الحاجة للمواد الخام مع تطور الصناعة الأوروبية، خاصة في قطاع النسيج والصلب، حيث كانت الدول الأوروبية تبحث عن مصادر لهذه المواد في مناطق مثل أفريقيا ومصر .
-
البحث عن أسواق جديدة: بعد الثورة الصناعية، ازداد الإنتاج الصناعي، مما جعل الدول الأوروبية بحاجة إلى أسواق لتصريف منتجاتها المصنعة، فاستعمرت مناطق جديدة لتكون أسواقاً لتلك السلع .
-
توجيه رؤوس الأموال الفائضة : أدت زيادة رأس المال في أوروبا إلى رغبة في استثماره خارج القارة، لتوليد الأرباح، وقد شكلت المستعمرات مواقع مثالية لمثل هذه الاستثمارات.
-
فرص استثمارية مربحة: سعت الشركات والمستثمرون في الدول الاستعمارية إلى استغلال الموارد والعمالة الرخيصة في الأراضي المستعمرة لجني الأرباح.
-
إنشاء شركات تجارية: تأسست شركات كبرى مثل شركة الهند الشرقية الهولندية بهدف تعزيز القوة التجارية والاقتصادية للدول الأم من خلال السيطرة على التجارة في المستعمرات.
ثالثاً : أشكال الاستعمار الأوروبي الحديث
- الاحتلال العسكري
من أكثر الأشكال الاستعمارية انتشارًًا ووضوحًًا ومن أقدمها أيضًًا، ويعني احتلال دولة قوية لأراضي دولة ضعيفة أو لمنطقة متنازع عليها أو خالية من السيادة احتلالًا عسكريًًّا مباشرًًا، وإدارتها بصورة مباشرة عن طريق حاكم عسكري عامّّ تُُنصّّبه في المستعمرة لإدارة شؤونها، وهذه الصورة الاستعمارية السافرة هي أكثر أشكال الاستعمار استفزازًًا للشعوب المستعمََرة ودفعًًا لها نحو المقاومة والتحرّّر.
- الاحتلال الاستيطاني الإحلالي
من أخطر أشكال الاستعمار؛ إذ يهدف إلى التخلّّص من السكان الأصليّّين ، وإحداث تغيير ديموغرافي لصالح المستعمِِرين، بتكثيف الوجود السكاني للمستعمِِرين، واتّّباع كلّّ الوسائل والأساليب التي تخلق منهم أكثرية سكّّانية على حساب السكان الأصليّّين، وممارسة التمييز العنصري تجاههم. ويرافق هذه الممارسات محاولة الترويج لادّّعاءات باطلة حول ملكية الأرض المستعمََرة. والإيهام بأنّّ ملكيتها تعود للمستوطنين الذين جلبهم المستعمِِر معه. ومن أبرز الأمثلة على الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الاستعمار الاوروبي للعالم الجديد (أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية) وإبادة سكّّانها الأصليّّين من الهنود الحمر، والاحتلال الفرنسي للجزائر، والاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية واستلاب الحركة الصهيونية الأرض الفلسطينية وتشريد الشعب الفلسطيني منها، والادّّعاء بأنّّها ملك لليهود في العالم، ومن حقهم إقامة وطن قومي لهم فيها.
- الحماية والانتداب والوصاية
وهذه تسميات تندرج تحت مفهوم السيطرة السياسية كأحد أشكال الاستعمار، وتحاول تجميل الوجه البشع له. وبالإمكان تصنيفها على النحو الآتي:
♦الحماية: تعني أن تفرض دولة قوية معاهدة لصالح المستعمِِر بحجّّة فرض الحماية للأنظمة الحاكمة في المستعمرات ومنع الدول الاستعمارية الأخرى من السيطرة عليها.
♦ الانتداب: ظهر مفهوم الانتداب عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ومفاده أنّّ الدولة المستعمِِرة القوية مكلّّفة من عصبة الأمم بإدارة البلاد المستعمََرة بحجّّة تطويرها وتنميتها إلى أن تصبح قادرة على إدارة شؤونها بنفسها. ومن الأمثلة على الانتداب في بلادنا العربية، فرض الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، والانتداب البريطاني على العراق والأردنّّ وفلسطين.
♦ الوصاية: شكل من أشكال الاستعمار ظهر بعد الحرب العالمية الثانية ليحلّّ محلّّ الانتداب، تحت مظلّّة الأمم المتحدة. ومن أبرز الأمثلة عليه في البلاد العربية، فرض الوصاية الدولية على ليبيا بين عامََي( 1949 - 1951 م).
- الاستعمار الثقافي والفكري
يهدف إلى العبث بالمنظومة الفكرية والثقافية والحضارية للبلاد المستعمََرة، والسعي إلى سلخها
عن مصادر قوّّتها الحضارية والثقافية، وتحويلها إلى مجرد تابع للمركز الحضاري الاستعماري وقِِيََمه
ومفاهيمه ونظرته إلى الكون والإنسان والحياة. ومن أوضح الأمثلة عليه الاستعمار الفرنسي في البلاد
العربية. ومن أبرز أساليب الاستعمار الفكري والثقافي:
- السيطرة على التعليم وتوجيهه لخدمة أهداف المستعمِر، ومنع الشعوب المستعمَرة من التحرّر والتقدّم.
- الهيمنة على وسائل الإعلام وتوجيهها لخدمة المستعمِر ومصالحه، وتجميل وجهه، وتشويه حركات التحرّر الوطني.
- تمكين الإرساليات التبشيرية من ممارسة نشاطها الديني والثقافي في المستعمَرات.
- تفكيك المجتمعات في المستعمَرات بهدف اضعاف قدرتها على مقاومة الاستعمار.
أتحقّّق من تعلّّمي
► أُُفسّّر: يُُعدّّ الاحتلال العسكري أخطر أنواع الاستعمار وأكثرها إثارة للشعوب المحتلّّة: من أكثر الأشكال الاستعمارية انتشارًًا ووضوحًًا ومن أقدمها أيضًًا، ويعني احتلال دولة قوية لأراضي دولة ضعيفة أو لمنطقة متنازع عليها أو خالية من السيادة احتلالا عسكريًًّا مباشرًًا، وإدارتها بصورة مباشرة عن طريق حاكم عسكري عامّّ تُُنصّّبه في المستعمرة لإدارة شؤونها، وهذه الصورة الاستعمارية السافرة هي أكثر أشكال الاستعمار استفزازًًا للشعوب المستعمََرة ودفعًًا لها نحو المقاومة والتحرّّر.
►أُُرتّّب أساليب الغزو الثقافي والفكري من حيث درجة خطورتها على المجتمعات الخاضعة للاستعمار.
- السيطرة على التعليم وتوجيهه لخدمة أهداف المستعمِر، ومنع الشعوب المستعمَرة من التحرّر والتقدّم.
- تمكين الإرساليات التبشيرية من ممارسة نشاطها الديني والثقافي في المستعمَرات.
- تفكيك المجتمعات في المستعمَرات بهدف اضعاف قدرتها على مقاومة الاستعمار
- الهيمنة على وسائل الإعلام وتوجيهها لخدمة المستعمِر ومصالحه، وتجميل وجهه، وتشويه حركات التحرّر الوطني.
⇔أُُقارن بين نظامي الانتداب والوصاية الاستعماريّّين، من حيث الجهة التي أقرّّتهما والصلاحيات الممنوحة للدولة المستعمِِرة في كلّّ منهما.
نظام الانتداب هو نظام أشرفت عليه عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى ،بهدف إدارة الأقاليم المنتزعة من الدول المهزومة (العراق وفلسطين ) لمساعدة سكانها على نيل استقلالهم الذاتي ،بينما نظام الوصاية نظاماً دولياً أقامته منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ليحل محل الانتداب ،بهدف رعاية الأقاليم التي كانت تحت الانتداب أو انتزعت من دول المحور ،ومساعدتها في الوصول إلى الحكم الذاتي والاستقلال الكامل تحت إشراف دولي.
نظام الانتداب
- النشأة والتأسيس: أنشأته عصبة الأمم بموجب ميثاقها عام 1919.
- الهدف: مساعدة الأقاليم المستضعفة (التي كانت خاضعة للدولة العثمانية أو ألمانيا) على بلوغ درجة من النضج تسمح لها بالاستقلال الذاتي.
- آلية العمل: تقوم دولة قوية بتولي إدارة الإقليم تحت إشراف عصبة الأمم، مع عدم حقها في ضم الإقليم أو المساس بسيادته.
نظام الوصاية
-
النشأة والتأسيس: تم إنشاؤه من قبل الأمم المتحدة في عام 1945، ليحل محل نظام الانتداب بعد تفكك عصبة الأمم.
-
الهدف: تعزيز التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي للأقاليم الخاضعة للوصاية وصولاً إلى استقلالها وحكمها الذاتي، مع التشديد على احترام حقوق الإنسان.
-
آلية العمل: تدير دولة قوية إقليم الوصاية وفق اتفاقات وصاية مع الأمم المتحدة، ويشرف على النظام مجلس الوصاية في الأمم المتحدة. ويمنع ميثاق الأمم المتحدة ضم إقليم الوصاية أو التأثير على سيادته.
الفارق الأساسي
يكمن الفرق الرئيسي في أن الانتداب كان نظاماً أنشأته عصبة الأمم في فترة ما بين الحربين العالميتين، أما الوصاية فجاءت كبديل له بعد الحرب العالمية الثانية من خلال منظمة الأمم المتحدة، لتكون امتداداً لنفس الغرض ولكن بآليات دولية أكثر وضوحاً.
رابعًا : العوامل التي سهّّلت سيطرة الاستعمار الأوروبي على البلاد العربية
أسهمت عدّّة عوامل في تمكين الاستعمار الأوروبي من السيطرة على الوطن العربي، من أهمّّها:
- ضعف الوعي الوطني والقومي في البلاد العربية الخاضعة للدولة العثمانية في تلك المرحلة.
- عجز الدولة العثمانية عن حماية البلاد العربية الخاضعة لها، بعد أن سيطرت عليها عدّة قرون دون أن تعمل على تحصينها وتنميتها وتقدّمها.
- غياب كيان سياسي عربي قادر على الدفاع عن البلاد العربية في مواجهة الأطماع الاستعمارية الأجنبية.
- معاناة المجتمعات العربية من آفات وتحدّيات متنوّعة؛ كالأمّية والجهل والأمراض والفقر وسيطرة الخرافات والنزعات الطائفية والعرقية والمذهبية.
- التخلّف الاقتصادي في البلاد العربية.