مقدمة
هناك العديد من السِمات التي تُميّز الشخصيات المختلفة، ولكن مِنَ المهمِ معرفة السِمات الأساسية التي تساعد في فهم الشخصيات بشكل عام، وحسب نموذج الأبعاد الخمس الكبرى للشخصية، هناك مجموعة من الأبعاد الشخصية التي تمثّل الأساسيات المشتركة لجميع الشخصيات البشرية، والتي يمكن تصنيفها إلى خمسة عوامل رئيسة هي:
الانبساطية، والانفتاح على الخبرات، والضميرية، والودّ، والاتّزان الانفعالي.
ولكلِ بُعْدٍ من هذه الأبعاد سِماتُ فرعيةُ مختلفةُ تزداد وضوحًا بازدياد درجة تركيز هذه السمات،
وفيما يأتي توضيح مفصّل لهذه الأبعاد وأهم السِمات التي تندرج تحتها.
بُعْد الانفتاح على الخبرات
Openness to experience
ويشير هذا البُعْد إلى طريقة إدراك الفرد للعالم المحيط.
مثال توضيحي: فالأشخاص الذين يمتلكون درجة عالية من الانفتاح يميلون إلى البحث عن تجارب جديدة، ويستمتعون بالأنشطة الإبداعية، ولديهم عقل متفتح، بينما يميل الأشخاص الذين يمتلكون درجة منخفضة إلى التمسك بالروتين ويفضلون الأشياء التقليدية.
بُعْد الانبساطية
Extraversion
ويشير هذا البُعْد إلى أسلوب تعامل الشخص مع الآخرين.
مثال توضيحي: فالأشخاص الانبساطيون يتمتعون بمجموعة من السِمات التي تزداد بازدياد درجة الانبساطية؛ فالأشخاص الانبساطيون يشعرون بالحيوية والطاقة في المواقف الاجتماعية، ويحبّون التفاعل مع الآخرين، ولديهم رغبة قوية في قضاء الوقت مع الناس والمشاركة في الأنشطة الجماعية، بينما الأشخاص الذين يميلون إلى الانطوائية يفضّلون الهدوء والعزلة.
بُعْد الضميرية
Conscientiousness
ويشير هذا البُعْد إلى الجانب القيمي والأخلاقي الذي يمتلكه الفرد.
مثال توضيحي: فالأشخاص الذين يمتلكون درجة عالية من الضميرية نجد أنَ ضميرهم حيُ في جميع تعاملاتهم، وعادة ما يكونون تقليديين، ومحافظين، ومنظمين، ومدبّرين، ومسؤولين، وهم ملتزمون بالقواعد ويعطون أهمية كبيرة لتحقيق الأهداف. بينما نجد أن الأشخاص الذين لديهم درجة منخفضة من هذه السِمة قد يكونون أقلَ تنظيمًا وأكثر عفوية.
بُعْد الوُدّ
Agreeableness
ويمثل هذا البُعْد جانب الطيبة ودرجة الثقة في المحيط.
مثال توضيحي: فالأشخاص الذين يمتلكون درجة عالية مِنَ الوُدِ عادة ما يكونون متعاونين، وودودين، ولطفاء، ويثقون بالآخرين، وغير شكاكين، ويميلون إلى تجنب النزاعات ويحاولون التكيُف مع الآخرين. أمّا الأشخاص الذين لديهم درجة منخفضة من هذه السِمة فيمكن أن يكونوا صارمين، ومباشرين، وغير متعاونين.
بُعْد الاتزان الانفعالي
Emotional stability
يمثل هذا البُعْد جانب الاستقرار العاطفي من الشخصية.
مثال توضيحي: فالأشخاص الذين يمتلكون درجة عالية من الاتزان الانفعالي يميلون إلى أن يكونوا هادئين، ومتوازنين، وأقل تأثرًا بالمواقف العاطفية وقادرين على السيطرة على انفعالاتهم، ولديهم في الغالب نضج انفعالي. في حين أنَ الأشخاص الذين لديهم درجة منخفضة من الاتزان الانفعالي قد يكونون أكثر عرضة للقلق، والتوتر، والحزن، والاكتئاب.
إثراء
العوامل الخمس الكبرى للشخصية هي المفتاح لفهم تنوّع البشر، حيثُ يعكس كلُ بُعْدٍ وسماتُه الفرعية جانبًا فريدًا من طبيعتنا، من الفضول الخلّاق إلى التفاعل الاجتماعي، وصولًا إلى كيفية تنظيمنا لمشاعرنا وأفعالنا.
التَّنوع البشريُّ
هناك العديد من الدِراسات التي تؤكد على وجود اختلافات جوهرية في الشخصيات عبر الثقافات والشعوب، وهذه الاختلافات تؤكد التنوُع البشريّ فيما يتعلق بالسِمات الأساسية للشخصية كالانفتاح على الخبرات، والانبساط، والضمير الحي، والوُدّ، والاستقرار العاطفي، وتُعدُ نظريّة العوامل الخمس الكبرى واحدة من أهم المراجع في هذا المجال، والتي تُستخدَم بشكلٍ واسعٍ في العديد من الدِراسات لتعرُف الفروق في السمِات الشخصية.
كيف أظهرت النتائج أنَّ هناك تفاوتات ملحوظة في سمات الشخصية؟
1- في النظر إلى الدول الغربية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، نلحظ أن الأفراد يميلون إلى درجاتٍ أعلى في الانفتاح على التجرِبة والانبساطية بسبب تشجيع الابتكار والتجرِبة الحرَة.
2- بينما في الثقافات الشرقية مثل اليابان والصين، نلحظ أن درجات الانفتاح تقل بسبب التركيز على التقاليد والامتثال.
3- وأظهرت الدول الأوروبية مثل السويد والدنمارك درجات أعلى في الضمير،
4- بينما كانت الولايات المتحدة أقل في ذلك(أقل في الضمير)
5- أما الدول الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية تُفضِل الانطوائية والتقبل الاجتماعي الرسمي مقارنة بالدول الغربية.
تطبيقات على أرض الواقع
كيف يمكن أن أُعدّلَ من سمات الشخصية غير المرغوبة؟
أولًا: زيادة الوعي بالذّات
هي الخطوةُ الأولى في أيِ عملية تعديل للسِمات التي نرغب في تغييرها،
ما هي أبرز الصفات التي تؤثر سلبًا على حياتنا؟
فنحدّد بوضوح الصفات التي نشعر أنَها تؤثر سلبًا في حياتنا،
1- الانفعال السريع.
2- أو قلّة الثقة بالنَفس.
3- أو الخوف من التغيير.
4- أو الاتكال الزائد على الآخرين وغيرها من الصفات.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام التأمُل اليومي، أو الكتابة الذاتية )اليوميات( لمراقبة سلوكاتنا وتفاعلاتنا اليومية، لنحاول تحديد المواقف التي تظهر فيها هذه السِمات.
ثانيًا: تحديد الأسباب الجذرية
غالبًا ما تكون السِمات الشخصية غير المرغوبة نتيجةً لتجارب أو أنماط تفكير متراكمة على مرِ الزمن، وقد تكون بعض هذه السِمات قد نشأت بسبب التجارب الصادمة، أو التربية، أو حتى التأثيرات الاجتماعية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تحديد المواقف أو الظروف التي تؤدي إلى ظهور هذه السّمات. مثلًا:
هل نشعر بالخوف من الفشل بسبب تجارب سابقة؟
وهل ننفعل بسهولة في المواقف التي تُشعرنا بالضغط أو الظلم؟
ويمكننا التحدُث مع المرشد المدرسي أو مختص نفسيٍّ لمساعدتنا في اكتشاف هذه الجذور.
ثالثًا: تحديد أهدافٍ واضحة
إنَ تحديدَ أهدافٍ واضحةٍ للتغيير يساعد على استمرار التركيز والتحّفيز لدينا،
ما هي شروط الأهداف الواضحة؟
وعلينا أن نتأكد من أنَ هذه الأهداف:
1- واقعيةُ
2- قابلةُ للقياس
3- ويمكن إنجازها بشكل متدرّج وليس على دفعة واحدة.
رابعًا: التدرُب على التكيُف والتحكُم بالعواطف
إذا كنّا نرغب في التحكُم في عواطفنا مثل الغضب أو التوتر، فإنَ تقنيّات التحكُم في العواطف ستكون أساسية،
كيف يمكن تحقيق التحكم بالعواطف؟
1- من خلال التنفُس العميق؛ فعند شعورنا بالتوتر أو الغضب، نقوم بالتنفُس العميق والعد حتى 4 قبل الرد أو اتخاذ أيِ قرار،
2- ثم علينا ممارسة التأمل بانتظام للمساعدة على تهدئة العقل وزيادة الوعي الذاتي،
3- وأخيرًا علينا ممارسة تقنيات الاسترخاء كاليوغا أو التخيّل، والتي تساعد على تقليل التوتر والقلق.
خامسًا: العمل على تعزيز الثقة بالنَفس
من السهل أن نكون أصحاب شخصَيّة واثقةٍ بنفسها، وذلك عندما يكون لدينا معرفة واضحة بقدراتنا وإنجازاتنا، فإذا كنّا نعاني من قلّة الثقة بالنَفس، سنحاول العمل على تعزيز هذه الثقة تدريجيًا،
كيف نقوم ببناء الثقة بالنَفس؟
1- فعلينا أن نحدد هدفًا مثل: "سأحدد مهمّات صغيرة وأنجزها يوميًا"، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاحتفال بإنجازاتنا الصغيرة: بتدوين نجاحاتنا اليومية كإنهاء درس، أو ترتيب الغرفة، وغيرها من المهام، والاحتفال بها.
2- بالإضافة إلى التحدّث مع أنفسنا بإيجابية؛ فنجعل لغة خطابنا الداخلي مليئة بالإيجابية، "أنا لا أستطيع"، أقول "أنا سأحاول وسأتعلم من الأخطاء".
3- وأخيرًا التعلُم المستمر؛ فالقراءة والتعلُم المستمر يعززان الثقة بالنفس، فيتعزّزُ شعور الكفاءة.
سادسًا: تعلّم كيفية مواجهة المخاوف والتحدِيات
إنَ مواجه المخاوف والتحدّيات تدريجيًا يمكن أن يساعدنا على النّموّ الشخصي،
كيف يتم مواجهة المخاوف والتحديات للوصول للنمو الشخصي؟
1- عندما نواجه خوفنا نتعلَم كيفية التعامل مع المواقف الصعبة بثقة إذا كنا نخشى اتخاذ القرارات، إذ نبدأ بتحديد خيارات صغيرة ونتخذ القرار بناءً عليها.
2- ثم نقوم بتقييم النتيجة بدلًا من ترك القلق ليسيطر علينا.
3- وإذا كنا نخشى التغيير، نحاول أن نكون أكثر مرونة في التعاطي مع المواقف الجديدة بتجربة أشياء جديدة تدريجيًا، مثل تغيير روتيننا اليومي أو أن نتعلَم مهارة جديدة.
سابعًا: بناء مهارات اجتماعية جديدة
إذا كانت السِماتُ غيرُ المرغوبةِ تتعلَق بالعلاقات، مثل التردّد في التواصل أو صعوبة في إقامة علاقات صحية،
كيف يمكن تطوير المهارات الاجتماعية؟
1- من خلال الاستماع النشط؛ سنحاول أن نكون أكثر استماعًا للآخرين،
2- كما نتأكد من أنَنا نعطي الآخرين فرصة للتحدث، وأن نفهمهم قبل أن نَرُدَ،
3- كما يمكن تطوير مهارة التواصل الواضح، حيث نتعلم كيفية التعبير عن أنفسنا بوضوح دون أن نكون عدائيين أو خجولين،
4- ويمكننا استخدام مهارات التواصل من خلال تحديد احتياجاتنا أو طلباتنا بشكل واضح.
ثامنًا: التقييم المستمر
بمجرد أن نبدأ في إجراء التغييرات، علينا تقييم تقدُمنا بشكل دوريّ.
كيف يتم التقييم؟
1- علينا تقييم تقدُمنا بشكل دوريّ.
2- وقد نحتاج إلى تعديل إستراتيجياتنا بناءً على النتائج،
3- ونحتفظ بمذكِرات أو سجّل تقدمنا شهريًا،
4- وأن نلاحظ أي تحسُن في سماتنا الشخصية أو أي تحديات جديدة قد تواجهنا،
5- وإذا شعرنا أنَنا عائدون إلى السّلوكات القديمة، لا يجب أن نُحبَط، فالتغيير يتطلَب وقتًا، لذا علينا أن نتعلم من الأخطاء السابقة وأن نعمل على تعديل إستراتيجياتنا.
إثراء
تغيير الشخصَيّة للأفضل هو رحلةُ مستمرة نحو اكتشاف قوتنا الداخلية، فيغدو كلُ يوم فرصة جديدة للنّموّ والتطور.