اللغة العربية10 فصل أول

العاشر

icon


 

كعبُ بنُ مالكِ -رضيَ الله عنه-

 وكان قدْ تخلّفَ فيمن تخلّف عن غزوة تبوكَ،

 فلم ينفِر في سبيل الله مع النبّيّ ﷺ

ولم يكنُ من أصحاب الأعذار،

قال: لمَا بَلَغني أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ توَجَّهَ عائدًا منْ تَبُوكَ

حضٍَرَني ندمي وحُزني، وصارَ الكذِبُ يراودُني،

وَأَقُولُ: بم أعتذرُ إليه غذًّا حتَّى أَخْرُجَ مِنْ سخَطه؟ فعَرَفتُ أَنِّي

لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب .

وجاءه الْمُخلَّفونَ يعْذرُون إِليْه وَيَحْلفون لَهُ، وكَانُوا بِضَّعَةً وثمَانين رَجُلًا، فَقَبِل منْهُمْ عَلانيَتهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ وَوَكَلَ سَرَائرَهُمْ إلى الله تعالى، فجئتُ أَمْشي حتّى جَلَسْتُ بيّن يَديهِ، فلمَّا سَلّمْتُ تبسَّم تبَسُم الْمُغْضَب ثمَّ قَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلمْ تكُنَ قَدِ اشتريتَ ظهرَك (أي راحلةً لك تحمل عليها أثقالك في السَّفر)؟ فقلت: يا رسول الله، إنِّي والله لَوْ جلستُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لرأَيْتُ أني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعذْرٍ، ولَكنَّني والله قدْ عَلمْتُ أنّي إنْ كذبتُ اليومَ كي أُرضيكَ عنِّي فإنَّ الله سيُسخطْك عليَّ، وإنْ صدَقتْكَ فغضبتَ منّي فإنّي لأرجو بهذا الصّدقِ عفوَ الله. يا رسول الله ، والله ما كانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، واللهِ مَا كُنْتُ قَطُ أقْوِى ولا أَيسرَ مِنّي حِينَ تَخلَفَتُ عَنك فقال رسولُ الله : أَمَا هذَا فقدْ صدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللهُ فيك.

وجاءَ رجالٌ مِنْ بَنِي سَلمةَ فقالُوا لِي: أعَجَزتَ أنْ تعتذزَ إِلَى رَسُول الله بمَا اعْتَذَرَ إِلَيهِ الْمُخَلَّفون،

فيستغفر لك رسول الله  ﷺ كما استغفر لهم؟ قُلتُ لهُم: هل قال مثل الّذي قلتُ أحدّ؟ قَالُوا: نَعمْ، رَجُلان قَالا مِثْلَ قولِك، وَقيلَ لَهمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ. فقُلْتُ: مَن هُمَا؟ قالُوا: مُرارةُ بنُ الرَّبيع الْعَمْرِيُّ، وهِلالُ بْن أُميَّة الْوَاقِفيُّ. قَالَ كعبٌ: مُرارةُ وهلال! قد ذكَروا لِي رَجْلَيْنِ صَالِحَيْن شَهدا بدرًا، وإنْ فيهما لأُسوَةٌ. قَالَ: فَمَضيْتُ حِينَ ذَكَروهُمَالِي.

 وَنهَى رَسول الله ﷺ النّاسَ عنْ كلام ثلاثتِنا مِن بين من تَخَلَّف عَنهُ، فاجْتَنبَنا النَّاسُ ولم يكلّمونا، فَلَبثْنَا عَلَى ذَلكَ خمْسينَ ليْلَةَ. وكنتُ أَخْرُج فأَشهَدُ الصَّلاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ في الأُسْوَاقِ ولا يُكَلِّمُنِي أُحدٌ، وآتِي إلى رسول الله فأْسْلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسهِ بعدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نفسِي: هل حَرَّكَ شفتَيهِ بردِ السَّلامِ أَم لا؟ ثُمَّ أُصلِّي قَرببًا مِنهُ وأُسَارِقُهُ النَّظرَ، فَإِذا أَقبلتُ عَلَى صلاتِي نَظر إِلَيَّ، وإِذَا الْتفَتُّ نَحُوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي،

حَتَّى إذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ ليلةَ منَ الْخَمْسِينَ أتاني رسولٌ من رسول الله ﷺ فَقَالَ: إنْ رسولَ الله بَأَمْرُكَ أَنْ تَعتزِلَ امْرأَتكَ، فقَلْتُ: أأطلِقهَا، أَمْ مَاذا أَفعْلُ؟ قَالَ: لا، بَلِ اعتْزِلْهَا، فلَبِثْتُ بذلك عشْر ليالِ، ثُمَّ صلَّيْتُ صلاَةَ الْفَجْرِ عَلَى ظهْرِ بَيَّت مِنْ بُيُوتِنَا، فَبينما أنا جَالس وقدْ ضَاقتْ عَلَيٌّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَليَّ الأرضُ بمَا رَحْبَتْ، سمعْتُ صَوْتَ صَارخٍ بأَعْلَى صَؤْتِهِ يقول : يَا كعبُ بَنَ مالِكِ، أَبْشِرْ، فخرَجرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جاء الفرَجُ؛ قد أعلم رسولُ الله ﷺالنّاس بِتوبَّةِ الله عَزَ وَجَلَّ عَلَيْنَا. قَالَ كَعُبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله :، قَالَ، وَهوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور

أَبشِرْ بِخَيَّرِ يَوَمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ ولَدَتْكَ أمُك.

 وكانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ، حتَّى كَأنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قَمر.

Jo Academy Logo