اللغة العربية 9 فصل ثاني

التاسع

icon

 

التّاريخ والمسرح العربيّ

أخذَ بعضُ الطّلبةِ يُلحّونَ عليَّ كي أحدّثَهُم عن كيفيّةِ تأليفِ المسرحيّةِ النّاجحةِ، وأثارَ إلحاحُهُم في نفسي تساؤلًا مُشْفِقًا؛ حتّى خشِيتُ لو استجبتُ إلى رغبتِهم أن أكونَ كمنْ يلقِّنُ طلبتَهُ كيفيّةَ العَوْمِ وهُم على مقاعدِ الصّفوفِ، ثمَّ يُرسلُهم بعدَ ذلكَ إلى البحرِ؛ فيغرقونَ فيه.

 

 ومعَ ذلكَ، فإنَّ رغبتي في الاستجابةِ لكلِّ مَطْلبٍ ثقافيٍّ يتقدّمُ بهِ إليَّ طلبتي جعلتني أُطيلُ النّظرَ في الكيفيّةِ الّتي أَستطيعُ بها أن أُعينَهُم على تحقيقِ طموحِهم الأدبيِّ المشروعِ، وعندَ ذلكَ تذكّرتُ مدارسَ الأدباءِ، وهيَ مدارسُ تدخلُها براعمُ الأدبِ؛ لتتفتّحَ، وتثمرَ فيها ثمراتٍ. وهذهِ المدارسُ لا يمكنُ أن تخلُقَ تلكَ البَذرةَ، وإنّما تستطيعُ أن تتعهّدَها بالرِّيِّ حتّى تنموَ وتُثمرَ..

 

إنَّ الأستاذَ يستطيعُ توجيهَ طلبتِهِ ذَوي الطّمِوحِ الأدبيِّ الوجهةَ الصّالحةَ لتحقيقِهِ، فينصحُهم بأن يقرؤوا بعنايةٍ كلَّ ما يمكنُ أن يقرؤوه من عيونِ المؤلَّفاتِ في الفنِّ الّذي يريدونَ ممارستَهُ، كالمسرحِ، أوِ القصّةِ، أوِ الشّعرِ.

 

وكانَ منَ الطّبيعيِّ أن أُحدّثَهم أوّلَ الأمرِ عنِ المصادرِ الّتي يمكنُ أن يستقوا منها ما يريدونَ تأليفَهُ من مسرحيّاتٍ، وأوّلُ هذهِ المصادرِ هوَ التّاريخُ، وإن يكنْ منَ الواجبِ أن يفطنَ الأديبُ النّاشئُّ إلى أنَّ عملهُ غيرُ عملِ المؤرّخ؛ فهوَ لا يكتبُ القصّةَ أوِ المسرحيّةَ التّاريخيّةَ لمجرّدِ أن يعرفَ الماضيَ أو لاستخلاص العبرةِ منه، بل هوَ يختارُ من أحداثِ التّاريخِ ما يراهُ مواتيًا لعلاجٍ مشكلةٍ إنسانيّةٍ، أو ما يرى فيهِ وعاءً يصبُّ فيهِ بعضَ الحقائقِ والتّوجيهاتِ الّتي يفتقرُ إليها مجتمعُهُ، فلا يسعى في أدبِهِ إلى عَرضِ الحقيقةِ التّاريخيّةِ المُجرّدةِ، وإنّما يستطيعُ أن يجدَ ضالّتَهُ في مصادرِ التّاريخِ، وأن يتصرّفَ فيها بحريّةٍ وَفقًا لهدفِهِ وأصولِ فنّهِ.

ومن حسنِ الحظِّ أنَّ الكتبَ الّتي كتبَها المؤرّخونَ العربُ القدماءُ تُعدُّ من مصادرِ التّاريخ ومن مادّتِهِ الخامِ، وهيَ كثيرًا ما تَستَطرِدُ إلى قصصٍ تصلحُ لأن تُستوحى منها مسرحيَاتٌ ذاتُ مادّةٍ أدبيّةٍ خِصبةٍ، وكذلكَ يقالُ في كثيرٍ منَ المؤلَّفاتِ الأدبيّةِ القديمةِ في الأدبِ العربيِّ، مثلُ: كتابِ الأغاني للأصفهانيِّ، وكتابٍ نَفْحُ الطّيبِ للمَقّريِّ، وغيرِهما.

ولقد حدثَ أن أَحلْتُ طالبًا سألني عن مصدرٍ يستطيعُ أن يستقيَ منهُ مادّةً لمسرحيّاتٍ مدرسيّةِ تعليميّةٍ على كتابِ الأمثالِ العربيّةِ للمَيْدانيِّ، ولم تكدْ تمضي أيّامٌ حتّى عادَ إليَّ وقد استوحى مسرحيّةً قصيرةً من قصّةِ النّعمانِ وغضبِهِ الّتي أوردَها الميدانيُّ تفسيرًا للمثلِ العربيِّ السّائرِ: ((إنَّ غدًا لناظرِهِ قريبٌ))، فاغتبطْتُ بهذهِ النّتيجةِ وحرَصتُ على إذاعتِها، لعلَّها تفيدُ غيرَهُ من روّادِ الأدب.

ففي الأدبِ العربيِّ تأخّرَ ظهورُ المسرحِ؛ بسببِ طبيعةِ الثّقافةِ العربيّةِ القديمةِ الّتي قامتْ على الشّعرِ والخَطابةِ والرّوايةِ الشّفويّةِ، لا على التّمثيلِ والعرضِ البصريِّ. ومعَ بدايةِ النّهضةِ في القرنِ التّاسعَ عشرَ، بدأَ الكتّابُ العربُ يتأثّرونَ بالمسرح الأوروبيِّ، فظهرتِ المحاولاتُ الأولى في لُبنانَ ومصرَ على يدِ مارونَ النّقاش، ويعقوب صنّوع، ثمَّ تطوّرَ الفنُّ المسرحيُّ على يدِ توفيق الحكيم الّذي مزجَ الفلسفةَ بالفنِّ.

وقد واجهَ المسرحُ العربيُّ صعوباتٍ كثيرةً في بداياتِهِ؛ فالجمهورُ لم يكن معتادًا هذا وّظلَّ المسرحُ العربيُّ ينمو شيئًا فشيئًا، حتّى أصبحَ وسيلةً للتّعبيرِ عن قضايا المجتمعِ، وميدانًا لطرحِ الأسئلةِ حولَ الحريّةِ والعدالةِ والهُويّةِ والإنسانِ.

                                      ( في المسرحِ المصريّ المعاصر،محمّد مندور، بتصرّف)

 

Jo Academy Logo