يتناول الدرس أبرز المذاهب الفلسفية وهي الذهب المثالي والمذهب المادي،
وكذلك أبرز المدارس الفلسفية وهي المدرسة الروحية والمدرسة العقلية والمدرسة التجريبية.
المذهب الفلسفي عبارة عن مجموعة من الآراء والنظريات الفلسفية المترابطة ببعضها بعضًا بصورة وثيقة تشكّل وحدة متسقة ومتماسكة حول طروحاتها، وهي أكثر اتساعًا من المدرسة.
اختلفت آراء الفلاسفة تجاه الموضوعات التي يسعون إلى فهمها، كل حسب المنهجيّة الخاصة به والفكرة التي يتبناها، لذا تعدّدت اجتهاداتهم وتنوعت، وأصبح لكل نظرة سماتها العامة، يجمعها اسم شامل لأهم ميزاتها وخصائصها، التي تتحدّد بالعلاقة بين الذات والموضوع خارج هذه الذات. فعلى سبيل المثال نقول عن شجرة الصنوبر إنها نبات، وعن شجرة التفاح إنها نبات، وعن شجيرة البطيخ إنها نبات، وعن شجيرة الورد إنها نبات، فما الذي يجمع بين هذه الأشجار وتلك الشجيرات؟ إنها صفة النبات، رغم الاختلاف بينها في الشكل، والحجم وغيره، لا بد من أن تكون في الذهن فكرة عن النبات، بناء عليها استطعنا أن نعرف العلاقات ووجه الشبه بينها، وهذا يؤكد وجودين:
الأول الوجود الواقعي المحسوس في الخارج وهو )الواقع (مثل المقعد الذي أجلس عليه،
والثاني وجود فكرة في الذهن لهذه الموجودات الواقعية )الفكرة( مثل فكرة المقعد الذي في ذهني.
والسؤال هنا:
كيف يمكن التقاء الفكر بالواقع،
وكيف يمكن معرفة العلاقة بينهما؟
لقد نتج عن هذه النظرات عدد من المذاهب الفلسفية أبرزها:
1- المذهب المثالي : Idealism
يطلق على جميع المذاهب التي تجعل وجود الأشياء الخارجية الواقعية معتمدًا على وجود القوى التي تدركها )الفكر أو العقل(، وإذا انعدمت هذه القوى فإنه لا وجود للعالم الخارجي.
ويجمع بين مختلف تيارات المثاليين عدد من الأسس أبرزها:
- وجود الأشياء يتوقّف على القوة التي تدركها.
- إنّ طبيعة المعرفة هي طبيعة الوجود، إذ لا يمكن أن يكون شيء موجود غير مدرك، فلو لم يدركه أي إنسان فهو موجود، لأنّ اللّه عز وجل قد أوجده وهو يدركه، وبالتالي فهو موجود، حتى لو لم يدركه البشر في لحظة ما.
- الأفكار سابقة على المحسوسات التي تطابقها، والمعاني الكلية سابقة على الجزئيات، ففكرة إنسان سابقة على الأفراد مثل: زيد وخولة.
- يشترك جميع الناس في المدركات العقلية، وإن تفاوتوا في القدرات.
ويُعد أفلاطون وإيمانويل كانط1804-1724) Kant م) وهيغل1831-1770) Hegel م) من أبرز الفلاسفة المثاليين.
23
2- المذهب المادي :Materialism
يفسّر أصحاب المذهب المادي الوجود تفسيرًا يضع المادة وحدها أساسًا للوجود، ففي الفلسفة اليونانية تنوّعت آراء الفلاسفة الأوائل في أصل الوجود مع إجماعهم على أصله المادي، فقال بعضهم بالماء، أو الهواء، أو النار، أو التراب، وبعضهم قال بالذرات والخلاء أو اللامحدود.
تطوّر المذهب المادي مع تقدم المعارف العلمية، واتخذ اسم الواقعية، وكان في مقدمة أنصار المذهب المادي الفلاسفة الإنجليز، الذين يتقدمهم جون لوك الذي قال بوجود صفات أولية مرتبطة بالشيء ولا تنفصل عنه، وصفات ثانوية وهي التي يدركها الإنسان في الأشياء، والصفتان مرتبطتان كلاهما بالشيء الخارجي عبر حواسنا، فيصبح لدينا صورة عن الشيء مطابقة لصورته في الواقع.
ثانيًا: المدارس الفلسفية
المدرسة الفلسفية هي اتجاه فلسفي يشترك فيه مجموعة من الفلاسفة الذين يعتنقون آراءً فلسفية مشتركة تجاه القضايا التي يتم طرحها ومناقشتها.
- المدرسة الروحيّة : Spiritualism
اهتمّت الفلسفة بتفسير الوجود، واختلف الفلاسفة في أصل هذا الوجود، بين المادة بمظاهرها الواضحة التي من صفاتها الذاتية: الامتداد والحركة، وبين الوجود الروحي الذي يتمظهر خلف هذه المظاهر المادية المحسوسة، والتي من صفاتها الذاتية: الفكر والحرية. ومن أبرز سمات المدرسة الروحية القول بوجود الله تعالى، والقول إنّ النفس البشرية موجودة وأنها باقية بعد الموت، وإنّ القيم الروحية والمعنوية تتقدم على القيم المادية، ويرون أن الروح هي جوهر الوجود، وأن حقيقة الشيء تكمن في الروح السارية فيه، باعتبار أنّ هذه الروح هي مصدر الظواهر المادية والبدنية عند الإنسان، وأن الفكر المجرد جزء من عمل النفس وهو مصدر المعرفة اليقينية. وقد ظهر المذهب الروحي بعد المذهب المادي في الفلسفة، وكانت نظرية المُثلْ التي قال بها أفلاطون) Plato347-428 ق.م) في العصر اليوناني بداية الوجود الحقيقي للمذهب الروحي في الفلسفة.
انقسم الفلاسفة المعتقدون بوجود الروح إلى فريقين أساسييّن:
الأول يرى أنّ العالم متنوّع في روحيته، وأنه يعود إلى كثرة من الأفكار التي هي في جوهرها عقلية روحية.لسفية
ويلتقي المذهب الروحي مع المذهب المثالي في المعرفة الذي يقول إن أصل المعرفة هو العقل،
والفريق الثاني يرى أنّ هذا العالم يقوم في أساسه على نظام عقلي فريد واحد ويعود في النهاية إلى الله الذي يمثّل الوجود العقلي المطلق.
- المدرسة العقلية :Rationalism
تنطلق هذه المدرسة الفلسفية من اعتبار أنَّ العقل هو المصدر الأسمى لكل معرفة، وهو الأداة الأساسية التي تقوم بكل مراحل المعرفة التي تسير عبر الاستدلال باعتبار أنَّ العقل يتضمن المبادئ الأساسية للمعرفة الموجودة فيه بالفطرة، وهو المقياس لكل المفاهيم.
ويقوم المذهب العقلي على عدد من المُسلَّمات والبدهيات التي لا تحتاج إلى برهنة واستدلال، ويُعدّ العقل المصدر الأوّل لكل معارف الإنسان؛ لأنه قدر مشترك بين جميع البشر، ولأن العقل يتضمّن الحقائق الأساسية الحدسية التي لا تحتاج للبرهنة مثل بديهيات الرياضيات كالقول إنّ الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، وأنّ . 2+2=4
وهذه الحقائق موجودة في العقل ولا تحتاج إلى برهان، وهي صادقة بالضرورة، وسابقة على كل تجربة غير قابلة للشك. ويقوم العقل باستنباط النتائج منها، وهي بهذا تكون مصدر المعرفة اليقينية التي تصدق في كل زمان ومكان. ومن هذا النوع من البدهيات يستمد الفيلسوف قواعده الأولى، ولأنها يقينية فإنّ المرشدين والمربّين والناس العاديين يعتمدونها في مقاصدهم وأفعالهم، لأنها فطرية وصحيحة بالضرورة، ولا تحتاج لأي برهان أو بحث أو اختبار.
إضاءة
المذهب العقلي يتماهى (يتشابه) مع المذهب المثالي وخاصة لدى أفلاطون.
-3-المدرسة التجريبية :Empiricism
هي المدرسة الفلسفية التي ترى أنّ التجربة الحسيّة هي المصدر الأساس لأي معرفة أو حقيقة، وقد تنوّعت اتجاهاتها، ولكن ما هو مشترك بينها اعتبار الواقع المحسوس المصدر الأساسي للمعرفة والحقيقة، وأنّ الحواس هي التي تزود العقل بالمعارف والمعلومات عبر الانطباعات الحسية، والتي يتم تحويلها إلى أفكار عبر آليات متنوّعة أبرزها ترابط الأفكار كما قال ديفيد هيوم 1776-1711) David Hume م) في تفسيره مبدأ السببية وعلاقة العلة بالمعلول على أساس التشابه والتجاور في الزمان أو المكان. وتكون هذه الأفكار واضحة حسب درجة علاقتها بالواقع؛ فالأفكار واضحة جدًا في لحظة وقوع الانطباع الحسي، فعندما يتم حرق الإصبع بالنار تكون المعرفة واضحة بقوة لأنّ هذه المعرفة مبنية على إحساس واقعي موجود، وإذا تباعد الوقت يصبح حرق الإصبع أقل ألمًا وأخف أثرًا، وهو ما يسمى بالفكرة، وهناك أفكار غامضة لتباعدها الشديد عن مصدرها الحسي الذي أحدثها، فربما ينسى من احترق إصبعه قبل سنوات ماهيّة الألم الذي عاناه.
ويرى أنصار المدرسة التجريبية أنّ الحسّ هو المرجع الأخير الذي نقيس به صحة أفكارنا وحقيقتها، فإنّ أيّ فكرة لدينا إذا تم ربطها بأي شيء محسوس في الواقع تكون صحيحة، وإلا فهي من اختلاق العقل ولا صحة لها، وحتى الأفكار المركبة هي في الأصل مجموعة من الانطباعات الحسية الخارجية المكونة من انطباعات حسية بسيطة تجّمعت مع بعضها حسب قوانين تداعي الأفكار وترابطها.