يوضح الدرس مصطلحات الدافعيَة، والحاجة، والهدف، والعلاقة بينها، ويبين خصائص الدافعيَة وعلاقتها بالحاجات الإنسانية، وأهميَة الدافعيَة الإنسانيَة:
تمهيد عن طريق التساؤل:
هل تساءلت يومًا ما الذي يجعلك تستيقظ باكرًا وتغادر دفء سريرك، حتى في أيام الطقس البارد، للذَهاب إلى المدرسة؟
أو لماذا تُصرُّ بعزم وإصرار على إتمام واجباتك المدرسية، بينما يجتمع أفراد عائلتك في غرفة المعيشة لمشاهدة مسلسلهم المفضّل؟
وما الذي يجعلك تضع أهدافك الأكاديمية فوق رغباتك الفورية للراحة والاستمتاع؟
هل فكّرت يومًا لماذا تشعر بالإنجاز بعد إتمام واجبٍ صعب؟
وهل تساءلت عن السَبب الذي يجعلك تفضّل إكمال دراستك والتحضير للامتحانات على الرّغم من الضغوط التي قد تتعرَض لها؟
هذه الأسئلة تتعلَق جميعُها بالدافعيَة؛ تلك القوة التي تدفعك للاستمرار في سبيل تحقيق الأهداف رغم الصِعاب، فمن أين يأتي هذا الحافز القوي الذي يجعلك تتفوق على مشاعر الكسل أو الراحة؟
هذا ما سنناقشه ونوضح أثره في سلوكنا في هذا الدرس.
بدايةً يجب أن نتعرَف بعضَ المصطلحات وهي الدافعيَة، والحاجة، والهدف:
عرف الدافعية؟
الدافعية
هي القوّة التي تحرّك السّلوك الإنساني، وتحدّد وجهته وتحافظ على استمراريته؛ لتحقيق هدف معين، وهي مجموعة العمليات الداخلية أو الخارجية التي تثير النشاط وتوجّهه نحو إشباع الحاجات أو الرغبات، وتعدّ الدافعيَة العامل الأساسي الذي يفسر سبب قيام الأشخاص بسلوك معين، ومدى مثابرتهم عليه، وشدة الجهد الذي يبذلونه في سبيل تحقيق هدفهم.
عرفالحاجة؟
الحاجة
هي حالة نفسية أو فسيولوجية يشعر الفرد عند حدوثها بالتوتر وعدم الراحة نتيجة نقص معين؛ ممّا يجعله يسعى لسد هذا النقص، وخفض التوتر المصاحب له.
عرف الهدف؟
الهدف
وهو الغاية التي نريد الوصول لها والتي تساعد في خفض الشعور بالتوتر، مثل: الحصول على الطعام لإشباع الجوع أو النوم بعد التعب والإرهاق للحصول على الراحة، أو لتحقيق النجاح بعد بذل الجهد في الامتحان.
وترتبط هذه المفاهيم مع بعضها بشكلٍ وثيق،
كيف تلخص العلاقة بين الدافعيَة، والحاجة، والهدف؟
- ظهور الحاجة والشعور بالنقص والتوتر وعدم الارتياح.
- نشوء الدافعية والتي تصبح القوة المحركة للسّلوك لإشباع الحاجة وخفض التوتر.
- تقوم الدافعية بتوجيه السّلوك نحو الهدف لإشباع الحاجة، مثل الحصول الطعام لإشباع الجوع.
- بمجرد الوصول إلى الهدف؛ وهو الطعام، تُشبع الحاجة، وينخفض التوتر بشكل مؤقت.
- مع مرور الوقت تظهر الحاجة مرة أخرى وتنشأ الدافعية من جديد، وتبدأ بتوجيه سلوك الفرد نحو الهدف لإشباع الحاجة، وهذا ما يضمن استمرارية سلوك الإنسان.
ومن هنا نجد أنَ الدافعيَة تنشأ من الرَغبة في إشباع الحاجات الإنسانية بمختلف أنواعها كما سنرى في الدَرس الثاني من هذه الوحدة.
ما خصائص الدافعيَة، وما علاقتها بالحاجات الإنسانية؟
هنالك عددُ من الخصائص التي تميّز الدافعيَة يمكننا ذكر بعضها مثل:
1. الحاجات الإنسانية هي التي تؤدي إلى تحفيز الدافعيَة وتطويرها، وتختلف قوّة تأثيرها في الفرد بحسب درجة الحاجة إليها.
2. هناك ثلاثة أنواع من الحاجات الإنسانية، هي الحاجات الأساسية، والحاجات الاجتماعية، والحاجات المعرفيَة. وسنأتي على تفصيل هذه الأنواع في الدروس اللاحقة.
أنواع الحاجات الإنسانية
الحاجات الأساسية
الحاجات الاجتماعية
الحاجات المعرفية
3. تختلف طرق التعبير عن الدوافع الإنسانية باختلاف الثقافات، حيثُ تنشأ هذه الفروق نتيجةَ الخبرات المتنوّعة التي مرَ بها الأفراد، واختلاف السّلوكات المتعلَمة، وطرق التعبير عن الاحتياجات والدوافع، فمثلًا جميع الثقافات لديها دافع الجوع، ولكن طريقة التعبير عن هذا الدافع وشدته تختلف باختلافها.
4. الدافعيَة ليست ثابتة، بل تتغيّر بناءً على الموقف، والخبرات السابقة، والبيئة المحيطة، والفترة الزمنية التي يمرُ بها الفرد، مثلًا تزيد الدافعيَة للدراسة عندما تقترب الامتحانات.
5. نختلف فيما بيننا في دوافع السّلوك، وهذا الاختلاف يكون بسبب تنوّع شخصياتنا واهتماماتنا وقيمنا، ممّا يعني أنَ هنالك فروقًا فردية في الدوافع التي تحرك سلوكنا، فمثلًا نجد طالبًا يدرس بدافع إشباع الفضول وطلب العلم وهو من الدوافع الداخلية، بينما يدرس طالب آخر للحصول على المكافآت المالية أو الثناء، وهذا يُعَدُ من الدوافع الخارجية.
6. من الممكن أن يقوم أشخاصُ مختلفون بنفس السّلوك الخارجي لكن لكلٍّ منهم دوافع مختلفة، مثلًا تركض لبنى لأنها تستمتع بالرياضة، وترغب في تبنّي نمط حياة صحي، بينما تركض سلمى بدافع الحصول على ميدالية.
7. من الممكن أن تكون لدينا دوافع متشابهة، ولكننا نعبر عنها بأشكال مختلفة من السّلوك؛ فمثلًا قد يعبِر أحدهم عن دوافعه العدوانية تجاه شخص آخر من خلال العنف الجسدي، بينما يعبّر آخر عن نفس الدافع من خلال تجاهل الموقف أو الانسحاب.
8. من الممكن زيادة مستوى الدافعية من خلال استخدام استراتيجيات تحفيزية مناسبة تراعي الفروق الفردية، فالدوافع مرنة وقابلة للتعديل، مثلًا تقديم مكافآت أو منح إجازات قد يزيد من دافعيَة الموظفين لإنجاز المهام المطلوبة.
9. تؤثر قوة الدافعيَة في الجهد الذي يبذله الفرد للوصول إلى الهدف، فكلّما كانت الدافعية أقوى زاد الجهد المبذول لتحقيق الهدف، فالشخص الذي لديه دافعية عالية يكون أكثر استعدادًا لبذل طاقةٍ أكبرَ للوصول إلى الهدف من الشخص الذي لديه دافعية منخفضة.
إثراء
أظهرت التجارب أنَّ الأشخاص الذين تحرّكهم الدوافع الداخلية، مثل الفضول وحُبّ التعلُم، يحققون إنجازاتٍ أعلى، في المقابل، يميل الأشخاص المدفوعون بالدوافع الخارجية، كالحصول على الجوائز والمكافآت، إلى تحقيق إنجازٍ أقل، حيثُ يتراجع أداؤهم بمجرّد توقف الحوافز الخارجية.
أهميَة الدافعيَة الإنسانيَة
تلعبُ الدوافعُ دورًا حاسمًا في توجيه حياة الإنسان وتحريك أفعاله وتحدّد أولوياته، فالإنسان دونها قد يصبح غير قادر على تحقيق أهدافه أو الاستفادة من إمكاناته،
اذكر أهمّ تأثيرات الدافعيَة في حياة الإنسان؟
1. الحفاظ على حياة الإنسان وبقاء النوع البشري؛ فدون وجود الدَوافع وبخاصّة الدَوافع، الفسيولوجية، سينقرض الجنس البشري، ومن أمثلة الدوافع الفسيولوجية: دافع الجوع، والعطش، والأمومة.
2. تحقيق الأهداف الشَخصية والمهْنية؛ إذ تدفعُ الإنسان لتحديد أهداف قصيرة وطويلة المَدى والعمل نحو تحقيقها، على سبيل المثال نلحظ أن الطلبة الذين يمتلكون دافعية قوية يلتزمون بالدراسة بجدية، ويحققون نتائج أفضل مقارنة بمن يفتقدون الدافعية، ممّا يساعد في تطوير الذات واكتساب مهارات جديدة.
3. تعزيز الأداء وزيادة الإنتاجية؛ فالأشخاص الذين لديهم دافعيَة عالية يتمتعون بمستويات أعلى من التركيز والإبداع، كحُبِ التعلُم أو الفضول؛ ممّا يُسهم في تحسين الأداء وتوليد أفكار جديدة.
4. التغلُب على العقبات والإصرار على مواجهة الصِعاب؛ فمن خلال التركيز على المكافآت المستقبلية أو الأهداف بعيدة المَدى، يُصبح من الممكن تحمُل ضغوط الحياة اليومية.
5. تحقيق السعادة والرضا، ممّا ينعكس إيجابيًا على الصحة النَفسية؛ فعندما يكون الفرد مدفوعًا لتحقيق أهداف تتماشى مع قيمه وأولوياته، فإنَه يشعر بالرضا والسعادة، وهذا الشعور يؤثر إيجابيًا في الصحة النَفسية، ويساعد على تبنّي سلوكات صحية، مثل: ممارسة الرياضة، وتناول الطعام الصحي، والإقلاع عن العادات السلبية.
6. الانخراط في العلاقات الاجتماعية؛ إذ إنَ الأشخاص الذين يمتلكون دوافع اجتماعية قوية يسعون لتكوين علاقات ودية وداعمة، فالحاجة إلى الانتماء والتقدير تُحفِز السّلوك الاجتماعي الإيجابي.
إثراء
تُعَدُ الدافعية المحرّك الرئيس للسلّوك الإنسانيّ، ودونها لا يمكن للإنسان أن يعيش بشكل سليم متوازن أو أن يكون قادرًا على التعامل مع الآخرين أو تحقيق أهدافه. وإنْ كان هناك موتُ جسدي للإنسان يتمثل بتوقف الأعضاء والدِماغ عن العمل، فإنَّ هناك موتًا نفسيًا للإنسان يتمثّل بتوقف الدافعيَة؛ فلا يكون للفرد أيُّ أهداف يسعى لتحقيقها، فيتماثل الوجود واللاوجود بعينه! وهذه الأخيرة هي من أصعب مراحل حياة الإنسان.